بلاغة أُمِّيّ

د. خالد عاشور

طرح برتراند رسل (1872 -1970) مرةً سؤالًا: “كيف يتسنى للبشر من ذوي الصلة القليلة بالعالم والشخصية المحدودة أن يعرفوا كل هذا الكم الذي يعرفونه الآن؟”. وهو سؤال كان قد أجاب عنه أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) عندما قال: “يوجد في عقل من لا يعرف آراء صحيحة بخصوص ما لا يعرف”، وديكارت (1596 -1650) عندما قال: “إنه من الممكن الاعتماد على تلك المعرفة البدائية أكثر من غيرها، وأن جميع الناس يولدون ولديهم رواسب منها”.

وكلام التراث الغربي في هذه القضية نراه قريبًا من قضية معروفة في أدبيات فقه اللغة العربية عندنا فيما يعرف بقضية “الاحتجاج اللغوي”، فقد قرر علماء اللغة العربية والنحو العربي منذ زمن بعيد أن القرن الثاني الهجري هو السقف الزمني الذي يجب أن نقف عنده حين الاستشهاد من كلام العرب أوكلام القبائل العربية الموثوق بفصاحتها، وصفاء لغتها في الجاهلية والإسلام، أي ما قبل عصر الهجنة والتوليد ،عندما فسدت الألسنةُ بالاختلاط مع الأعاجم، وفشا اللحن، مع اتساع دائرة الفتوحات العربية ودخول غير العرب في الإسلام كالفرس والأروام والأتراك.

وفي تفاصيل تلك القضية ظهر خلاف بين اللغويين انتصر فيه ابن جني (322 هـ – 392هـ) في كتابه “الخصائص” لرأي ملخصه: أن هذه القاعدة ليست عامة؛ فيستثنى منها أهل البداوة حتى بعد القرن الثاني الهجري. قال: (باب في ترك الأخذ عن أهل المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهل الوَبَرِ) عِلَّةُ امتناع ذلك ما عَرَضَ للغاتِ الحاضرةِ وأهل المَدَرِ من الاختلال والفساد والخَطَل. ولو عُلِمَ أن أهل مدينةٍ باقون على فصاحتهم، ولم يعترضْ شَيْءٌ من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر”. أ.هـ

وقيل تأييدًا لرأي ابن جني: إن سكان الجزيرة ما برحوا على فصاحة اللغة إلى أواسط القرن الرابع.

هل يمكن أن ينسحب رأي ابن جني على عصرنا الحاضر، ونتأمل في ضوئه لغة مَن أغرقوا في البداوة من أهل “الوبر”، ونتأمل في ضوئه تلك المعرفة العميقة بالحياة التي عبَّرت عنها لغة هؤلاء؟

 

أتحدث عن شخصية أمِّية لم تقرأ حرفًا ولم تكتب، بدأت أُرخي لها سمعي عندما كنت صغيرًا في أعماق صعيد مصر بعيدًا عن الحواضر والمدن وأهل “المَدَر”. وعندما كبرت وتخصصت في علوم العربية وآدابها، بدأت أستعيد تلك اللغة وما حملته من معرفة على ضوء جديد، متسائلًا: هل يمكن لشخصية مثل هذه أن تنطق ألفاظًا فصيحة، وتراكيب لغوية بليغة دون تلقِّي تعليم نظامي أو غير نظامي؟

*****

أفرزت لحظات الحزن والفقد في تراثنا الشعبي كثيرًا من ألوان الإبداع مثل فن “العديد”، وقد استمعت إلى تلك الشخصية وهي تتلو مقطوعات هي خليط من هذا الفن، ومن المثل الشعبي، تحتوي على استخلاص عميق ومركز لمعاني الموت والحياة، فضلًا عما فيها من صور بلاغية بديعة، وموسيقى رائعة.

  • مثل قولها: “الحيْيِّن الطُّرق تِرْميهم والميْتيِن خاب الرَّجا فيهم”

 (أرجو مراعاة الخصائص الصوتية للهجة الصعيدية عند القراءة مثل نطق القاف جيمًا قاهرية، ونطق الجيم القرشية وغير ذلك)

وتأمل معي هذه الصورة الاستعارية البديعة التي تصور الطرقات وهي تُلقي بالناس في طريقك، ما دمت أنت وهم أحياء، بينما من مات فقد انقطع الرجاء في ملاقاته أو رؤيته، وهي كلها معانِ تنطق بها هذه العبارة الموجزة.

  • ومثل قولها: “ما شِبْهتُه ولاده، ده شِبْهتُه العلاَّم في بْلادُه”. وهو رثاء يُعظّم من الشخصية المفقودة ليجعلها أكبر من أن تجد شبيهًا له أو نظيرًا في خلَفه من أولاده، وإنما نظيره فقط هو العلَم في كل بلد، أو كما قال المثل “العلَّام” في بلاده، التي هي في ظني تعني “الأعلام”
  • ومثل قولها “ياك تِحْسِبو كل الرّجالِ رْجال، ما تشْبِهو الخِروع لعود الزّان”

وواضح التضاد البليغ هنا بين الخروع وعود الزان، كما أن هذا المثل والذي قبله تطبيق لفن بلاغي معروف هو “الاستعارة التمثيلية”، ومعظم الأمثال الشعبية بالمناسبة هي استعارات تمثيلية (تشبيه تمثيلي حُذِفَ منه المشبه وصرح بالمشبه به)،  كما أنه تطبيق لفن من فنون علم البديع  وهو “اللف والنشر المرتب”، حيث تتركب الجملة من جزءين: الجزء الأول يُجمَل فيه المعنى “اللف”، والجزء الثاني يُفسَّر الإجمال من خلال التمثيل وهو “نشر” المعنى. وهو كقوله تعالى: “ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله” (القصص 73)

  • ومثل قولها: “همّ الموت يِدّارَى وهمّ الحي صبَّحني مِحْتارة” وهو مثَل تتجلى فيه حكمةٌ ترى الموت سترًا وخلاصًا ، بينما الحياة وهمومها هي التي تجعل الإنسان في حيرة من أمره.

 لكن ما لفت نظري على نحو أكثر في هذا النوع من المقطوعات والأمثال احتواؤها أحيانًا على ألفاظ مغرقة في الفصاحة، مثل قولها:

  • “الفراق شطيط” فكلمة “شطيط” التي وُصف بها فراق الموت، على وزن فعيل من شط أي بعد، فهو فراق بعدت فيه الشقة بين المتحابين. يقال – كما جاء في لسان العرب لابن منظور – شَطَّتِ الدَّارُ : بَعُدَتْ وشطّ في الأمر: تجاوز فيه الحدَّ، أفرط فيه وشطّ في الحُكم: ظلَم وجار.
  • ومثل قولها: “الغُربة تْقِل الأُصول، وِطَّلِّع الدهب الأصيل مزغول” وهو مثل مضروب لوصف الغربة وما تظهره من معادن الناس، كما قالت العرب قديمًا: “السفر ميزان القوم”. فالغربة يظهر فيها صاحب الأصل الطيب وصاحب الأصل المرذول، كما أنها مختبر تعرف فيها معادن الناس، فهي تظهر الذهب الأصيل من المزغول أي المغشوش أو الممجوج والمطروح، جاء في لسان العرب: “زغل الشئ زغلًا وأزغله صبه دفعًا ومجَّه، وأزغلت الناقة ببولها أي رمت به”.
  • ومثل قولها: فلان كان يفعل كذا “دِيْمَة” (بكسر الدال وفتح الميم) أي دائمًا.

وقد وقعت علي أصل الكلمة في اللغة في معجم مختار الصحاح للرازي، يقول: “جاء في حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: سُئلت السيدة عائشة هل كان النبي ص يخص يومًا من القيام؟  فقالت:لا، كان عمله دَيْمة (بفتح الدال وسكون الياء).  والدَّيْمة: المطر الدائم في سكون، شَبَّهت عمله في يومه مع الاقتصاد بدَيْمة المطر أي بدوام المطر”.

****

وتمضي الأمثال الشعبية التي استمعت إليها من تلك الشخصية الأمّية – وهي أمثال لم أعثر على معظمها في معجم تيمور للأمثال الشعبية – ناطقة بفنون بلاغية مكتملة:

  –  مثل قولها: “بعدِ العداوة والحديتِ المُر، بِقْيِتْ غَلاوة والطِّرافِ تْجُر”.

ولعلك ستتوقف مثلما توقفت عند هذه الكناية الجميلة في قولها:”والطرافِ تْجُر” وهي كناية عن تبادل الزيارات والتواصل والوداد بعد انقطاعٍ وعداوةٍ وجراحات لسان؛ فالطّراف جمع طرَف والمقصود به طرف الثوب الذي يُسبل على السيدة في الصعيد من ملاءة وغيرها، وتجره عنما تمشي.

  • ومثل قولها : “العيش يِتَّاكلْ بِوِش صْحَابُه” وهي كناية أيضًا عن عدم جدوى أوقيمة أي كرم يُقدم بوجه غير بشوش، أو صدق في المحبة الملازمة له.
  • ومثل قولها: “اللي يِجِيبُه قدمَها، يِفَصِّلُه بدنَها” وهي صورة بديعة تقال للزوجة إذا كان “قدمها” قدم خير وبركة على زوجها، فسيظهر حتمًا على بدنها في صورة عز وثراء ظاهر غير منكور. وتأمل هذه الصورة التي تجسدها هذه المقولة وأنت ترى في تفاصيلها ما جلبته هذه الزوجة المباركة من خير وعز وهو يفصل على بدنها في صورة ملابس ومصوغات وزينة وغيرها.
  • ومثل قولها: “خُدي رْجالك وانْزِلي روِّي، كُتْر الرِّجال يا خايبة تْقَوِّي”

وهو مثل يقال للإشارة إلى أهمية الرجل في المجتمع الصعيدي، دون المرأة التي هي بحاجة إلى “كُتر الرجال” تستقوي بهم عند الشدائد أو حتى عند أبسط الأمور مثل ري الأرض.

  • ومثل قولها: “امسك الطريق لو دارِت، وخد بتِّ الجيِّد لوبارت”.

وهو مثل أو حكمة أو نصيحة بأن عليك أن تسلك الطريق الصحيحة حتى لو دارت بك وطالت قليلًا أو كثيرًا، وأن عليك أن تتزوج من بنت الرجل الأصيل دون الوضيع حتى لو تأخر سن زواجها وكانت “بايرة”

****

أما السخرية والفكاهة فقد احتلت نصيبًا من تلك المقولات والأمثال الشعبية الصعيدية البليغة، وهو نوع من السخرية لم أقف عليه في فن آخر من الفنون، من حيث خفة الظل حتى على مستوى الصياغة اللفظية:

  • مثل قولها: “اللي مَيْشُفْشِ أمّك وابُوك، يقولِ المِلُوك وِلْدُوك” وهو مثل ساخر يُكنى به عن الشخص الوضيع الأصل الذي يداري وضاعته ببهرجة في مظهره يداري به مخبره، حتى ليظنه الناس خطأَ أنه من نسل الملوك، وهو غير ذلك تمامًا بالنظر إلى أمه وأبيه أو أصله.
  • ومثل قولها: “العبد خدْ سِتُّه وقالَّها لِيْلتِكْ طِيْن” وهو مثل يضرب للمرأة ذات الحظ السيئ في الزواج عندما تتزوج ممن هو أقل منها مرتبة حتى لكأنه عبدها، ليس ذلك فحسب وإنما لم يقدرها حق قدرها بل ولقيت منه معاملة سيئة.
  • ومثل قولها : “صاحبِ البيْت على مَهْلُه، والشّحّات عِدِم عَقْلُه”

وهو مثل يضرب لمن لا يولي اهتمامًا مكافئًا لصاحب مصلحة عاجلة جاء يطرق بابه، فيتركه غير آبه لوجه العجلة في مصلحته. والمثل فيه تشبيه لطيف فصاحب اليد العليا هو صاحب البيت الذي جاءه الشحاذ يطرق بابه، بينما صاحب المصلحة العاجلة هو الشحاذ الذي ظل ينادي على صاحب البيت من الخارج حتى عَدِم عقله من كثرة الصراخ والاستجداء، وصاحب البيت الذي بيده قضاء المصلحة يمارس حياته “على مهله” دون النظر بذات العجلة لإنقاذ سائله.

  • ومثل قولها: “يا مِقَنَّفْ بَلحك صِيْصْ، اِحْمَر واِصْفَر وحَلاوة مَفِيش”

وهو مثل يضرب تعريضًا بمن كان من عادته الاشمئزاز من الآخرين، فهو “مقنف” أي يأنف كثيرًا من كل الناس، بينما هو في الحقيقة مَن يجب أن يأنف الناس منه؛ فهو مظهر فارغ من أي مضمون. والعبارة مليئة بالكنايات مثل “بلحك صيص” كناية عن فراغ الشخص من أي مضمون حقيقي يبرر أنفته تلك من الناس، وكذلك “احمر واصفر وحلاوة مفيش”

  • ومثل قولها: “حِلوةِ لْسان، قَليلةِ احْسان”، وواضح ما في المثل من تعريض بالشخص الذي يدنيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب، ولكن بطريقة المثل الصعيدي.
  • ومثل قولها إذا رأت شخصًا متسخًا جدا أو مغبّرًا: مالك عامل زي “غبارة بت كوم” وغبارة بت كوم هي شخصية افتراضية تمثيلية اخترعتها على هذا النحو لتسخر بها من شدة الاتساخ، واستَخدمت في تكوين هذه الشخصية التي تنعت بها الشخص المراد السخرية منه مفردات تنتمي إلى الحقل الدلالي لمضاد النظافة، فهي “غبارة” واحدة الغبرة والغبار، وأبوها “كوم” وهو كوم التراب أو كوم القمامة. وهو تعبير استُخدم كثيرا بعد ذلك في الدراما الكوميدية، عندما أطلقت الدراما مثلًا على شخص مشغول البال دائمًا : الأستاذ محتاس، أو بالعكس؛ أطلقت على شخص سمين جدا: رفيع، أو على من عادتها تلويث الجو السيدة فلاتر وهكذا .

إن ما مر بنا من أمثلة منتقاة من على لسان تلك الشخصية الأمية هو ذات المعنى الذي أشار إليه أحمد لطفي السيد (1872 -1963) عندما قال: “ونقول للكاتبين لا يأنف أحدكم من استعمال الألفاظ العربية والتراكيب العربية التي تلوكها ألسن العوام، فإن العوام يملكون بالوراثة سر اللغة، ويصرفون البيان فيها تصريفًا حيًا مألوفًا، وكثير من أساليبهم حسن جميل”.

وبعد هل يأذن لي القارئ أن أفصح عن حقيقة تلك الشخصية الأمِّية التي أرخيت لها سمعي صغيرًا في أعماق صعيد مصر بعيدًاعن  أهل “المَدَر” وسمعت منها هذه اللغة البليغة والمعاني العميقة ؟    إنها أمي.

ولذا أستأذنك عزيزي القارئ أن أغير عنوان المقالة لتكون : “بلاغة أُمّيْ” بدلًا من “بلاغة أُمِّيّ”.