الوريثة

صفاء النجار

تعلم «هند» جيدًا أننى لا أريد العودة لمغاغة، لكنها تصر هذه المرة وتتحدث بلغة الأخوة والسند، منذ سنوات كفت عن استخدام كلمات العائلة والأصول بعد أن وجدت أن هذه الكلمات لا تحرك ساكنا فى ضميرى، شقيقتى «الصغيرة» تمتلك من الذكاء الفطرى ما يجعلها تستخدم السلاح الفتاك فى المعركة المناسبة.

على العكس منى لم تنقطع صلة «هند» بالبلد والأطيان والفلاحين فى تبادل للأدوار لم يسبب لى أى حرج نفسى أو روحى حتى إن «سراية» أبى وجدودى، يطلقون عليها.. «سراية الست»، أثبتت الأيام أن قرار أمى بعد غياب أبى بأن نبتعد عن البلدة وأن نقيم فى «المنيل» وإصرارها الشديد على عدم التحدث عن البلدة أو استعادة ذكريات وتاريخ عائلتنا قد وجد راحة لدى.. راحة خففت من ألمى وعذابى وأسدلت ستائر كثيفة على الماضى، جعلتنى أصدق أن ما شاهدته وأن ما حدث كان محض خيال. ساعد على ذلك عودة أبى بعد سنوات قليلة، وانخراطه فى أعمال المقاولات ونسيانه- ظاهريا- الأطيان التى تسببت فى هزيمته وتقزيمه.

تكاد تكون «هند» صورة طبق الأصل من جدتى «هنية» التى لم تقبل هزيمة ابنها وأن تتوزع الأراضى التى ورثتها عن جدودها هكذا ببساطة، وبمجرد قرار من بكباشى لم يكن ليجرؤ على المرور أمام «سراية شهاب باشا» راكبا، رغم أنها تعلم أن جدودها لم يكونوا أكثر من مغامرين هربوا بجلدهم من الجوع والموت فى الجزيرة العربية، واستقروا فى المنطقة وعملوا واجتهدوا وقدموا خدمات للوالى وأحفاده جعلتهم يمتلكون هذه الأطيان. لا تقبل جدتى هذه التفسيرات.. تنسى تلك الوقائع وتتذكر مآثر جدها الكبير وشقيقه، سلسال طويل تروى عنه ما يزينه حتى تصل لأبيها الباشا صاحب النفوذ والهيمنة عند الخديو «عباس حلمى» وزوجها الباشا عضو مجلس النواب فى عهد الملكين فؤاد وفاروق، تحتفظ جدتى فى حجرتها بحجج الأرض والوثائق والنياشين وتؤثر «هند» بمشاهدتها، بعد أن يئست من تحمل ذاكرتى لذلك الإرث، فملأت رأسها بكل تاريخ وأسرار العائلة. واعتبرت أن «هند» هى الوريثة.. وأننى مجرد فرع شجرة ومال بعد أن أصرت أمى على دخولى كلية البوليس، وذهبت إلى المشير «عامر» فى بيته فى الجيزة تطلب وساطته، كلتا السيدتين أمى وجدتى كانتا تبحثان عن النفوذ، كل بمنطقه الخاص. وكان قبولى بكلية البوليس يجعلنى أتماهى مع الغيوم التى تجول فى ذاكرتى وتؤرق روحى. أنهت «هند» دراسة ليسانس الآداب قسم «فرنسيه» من جامعة القاهرة، وما إن تزوجت حتى استقرت فى «المنيا»، وأشرفت بشكل كامل على أراضينا، وتولت مسئولية البيع والشراء، بل كانت وكيل العائلة فى القضايا التى رفعتها ضد الحكومة لاسترداد مساحات من أراضى الإصلاح أو من الأراضى التى تحولت إلى مصالح ومنشآت حكومية.

الغريب أن الفلاحين الذين استفادوا من توزيع الفدادين عليهم، كانوا هم وأبناؤهم من يساعدونها ويشهدون لصالحنا فى المحاكم.

رغم رصانة وتماسك «هند» إلا أنك لا تستطيع فى كل الأحوال أن تتنبأ بقدرتها على العمل أو طبيعة خطواتها القادمة. وعندما اتصلت بى هاتفيا وأخبرتنى بقرارها برفع دعوى خلع من زوجها، ألقت أمامى بحجر فى بحيرة حياتها الهادئة المستقرة على السطح:

– لو مش عايز فضايح زى ما بيقول يطلقنى فى هدوء.

– ليه؟

– خلاص بقى، أنا جوزت الولد والبنت وعايزة أعيش الباقى من عمرى فى سلام.

– وهو عملك إيه..؟

– ما عملش حاجة، هو راجل زى الفل، أنا اللى عايزة أبقى حرة، مش مستحملة حد ينام فى سريرى، مش مستحملة ريحة ولا نفس حد.

– معقول «هند» العاقلة بتقول الكلام ده؟

– اسمعى أنا بكلمك علشان تيجى، تقنعيه، نخلص من غير شوشرة، وإلا ودينى لَكون فى المحكمة الصبح.

تعرف «هند» أن قدمىّ لم تطآ أرض مغاغة وسراية شهاب الدين منذ خمسين عاما، وأننى راوغت كثيرا كى أتجنب فتح البئر المغلقة، خوفا من حيّاتها التى تنهش كبدى.

يتبع…