المصلحة

حسين عبد الرحيم
بالأمس، نزلت من بيتي. بالأمس، كرهت بيتي للابد، لم أعد أنتظر بزوغ الشمس الساعة. الآن الخامسة إلا سبع دقائق. ذراعي الأيمن يضرب الستائر الممزقة، عيني على نافذة المنور، أتنصت آملا خروج الضياء، رماد خلف الزجاج،، وبناتي يعبثن في الواتس آب.

أخطو بمهابة متأملا شبحي على صفحة مرايا البار، جسدي يؤلمني. وجع في كتفي، لا جديد، وجع في العظام، في نصفي الأسفل، في الاعلى، أضرب الستائر، فترى الكلاب الضالة تقترب من مدخل العمارة، قرب ثكنتي التي احتلتها الكلاب، خرج، ينفض المشمع الوردي. أحدق للشارع الصامت إلا من فتاة نحيلة تمشي بمهل وقد أمسكت بوليدها. مكممة كانت وأنا، أنا أمسك رأسي، صداع قاتل يفتك برأسي .

اليوم نزلت من بيتي في الضباب، لا جديد، الساعة الآن خمسة ونصف وثلاثة دقائق. لا صوت يعلو على أزيز الطائرات الحربية قريبا من ممرات دار السلام، أمسك وسطي، أقبض على عظامي أتحسس جديد الهشاشة، أضحك في مرآتي، فوق البار فتبتسم لي بولا وتذكرني بعصر الحب الذى ولى، لبست ثوب االعيش لم أستشر. ضربت ببخاخ الماء برشاش غزير لأفيق، أخرجت مفاتيح الشقة وناديت الصبايا وسمعت صوت سارة وهي تزعق في المنور المجاور، فرحت بنبرات صوتها الفضي الرنان وهي تكرر منذ أعوام: مييااااا، ميه ياكلاب اضحك فتدمع عيني من خلف نافذة المنور المهشم زجاجها، برقت للغيوم وقد حطت في براح العمارات الاربعة وسط الدائرة .

كنت أمسح دمعة ما حزناً على سارة، التي انتهكت منذ أسبوعين في مشاجرة قبيحة قادها بلطجية الأرض الواطئة. خرست سارة وتوارت. لم تعد الجميلة سارة تنادي على الماء ولم تعد تلعن الجيران ولا السكن ولا الثكنة، حدقت في الرسالة علىى الماسينجر: تعال خذ راتبك الشهري، ضحكت، وتذكرت الثامن من يوليو، خمسة وعشرون عاما في المصلحة، أمشي فوق طوار مسعد سليمان مستندا على درابزين مائل، بساق شبه سليمة وهي اليسرى ويمني شبه ميته، أزحف، متفائل على غير العادة، أرقب سيارة الميكروباص وهي تحمل ركاب الكمامات الزرقاء، أتكمم أنا الآخر بعدما تخلصت من النفس الاخير من سيجارتي الملفوفة، حمراء بجمر متكور، قصدت سلم المترو فكاان العجزة وكثروا الثكالي والمستنطعين والبؤسساء واالفقراء والقتلة، والقمامة والذباب والقطط الميتة ورائحة العفن من مصادر مجهولة ومن خطا في ثوان ليقفز محشورا ينفذ عنوة من بين الضلفتين، ينظر موبايله يروح ويجيء، ويروح ويبرق لي يحدق بقسوة . يرمي بشرر من عينيه القاتلة. غريب الأطوار، طويل القامة يقترب من الأربعين، دار على الأبواب الاربعة للعرببة بجهامة زائغ البصر، متوتر، كثير الحركة بلا هدف، بالعربة الأولى في المترو. أشعل سيجارة وبدأ يدور ويلف في الطرقات في جنون خفت ولكن وخوفى لم يمنعني من مراقبته بحذر.

زاغ بصر الجالس بجانبي في صمت فسحبت سبحة قديمة وطللت، راح ناحية الباب تذكرت كآبتي اليومية وقبضت على عكسها اليوم . مستبشر خيرا بلا مبرر أضحك والرجل يدور في فراغ ويضحك والعربة تترنح على القبضان فاقول تضحك وتدمع عيني وأضحك وتتدلى رأس الجالس قبالتي ويضح ، الاوله، الزهراء مارجرجس الملك الصالح، الملك الفاسد، الملك العاشق، الملك المظلوم .اجتر . أضحك، عيني تدمع، جسدي متعب.

ستة أشهر، لم يزرني النوم ليلا، أصحو في الحادية عشر ليلأ، اشرب فيزيد عطشي، وأضحك .السيدة زينب، اطل يزيد الغمام وتجري حارات القديمة، وأستعيد : السكر واليلمون، وحارة السد، ودخنة زرقاء. مددد يا طاهرة. أضحك، أبكي في صمت، أتدلي عند الزعيم، سعد سعد يحيا سعد، يحيا الهلال مع الصليب، أضحك وتدمع عيني فأفتحهما، من جديد. عيون مغلقة على اتساعها، أركض صوب المصلحة في نفس الشوارع والبيوت ولافتات جيكا وكلاب الحراسة، ودما تخثر على جدران كولة، أحاول ضبط حركة جسدي وققت المشي، لأرى نصفي الأعلى وقد ق خاصم الأسفل، سار كل منهما على هواه، أنفخ صدري محاولا استعادة لياقتي التي كانت، كتفي يؤلمني اسرع الخطى، فتلتف ساقي خلف ساق، أستند على محل جزارة العربي. وحدي في الشارع قاصدا باب الخلق، تقابلني زبيدةعلى باب المحة ، تضرب جهاز قياس الحرارة في جبهتي، أنظر زيها العسكري وأضحك وقد نزعت الكمامة فرأيت عينيها تضويان جوزائية زبيدة، حدقت في عيني بعد الطلل فصارت مدارات الجوزاء تستعيد أحوال الشهر الماضي، رائحة الموت في المصحة والعيون الذابلة. خضراء لون عيون زبيدة، فستقية، مضاءة بالحزن والحب والوله وتوق مجهول لأشياء لا تبين الفرح الظاهر في نظراتها يفضحه بزوغ الشمسن، ترقبني وقت الدخول في صمت تقول، صباح الخير على رفقة جوزاء الجنون، وتضيف: مركبنا واحد، عطلان بس داير في هواء الفصول الارببعة بطول عمرينا يا فتى.

أضحك، أدمع، أبكي وأنا أطالع كشف موتى الأمس يتقدمهم جثة السوداني التي ذابت في الثلج ، أحد عشر شهرا في ثلاجة الموتى، أسأل المعاون السهران عن أحوال الليل فيبلغني، تسع حالات كورونا والتقرير واحد ياريس،  هبوط حاد في الدورة الدموية سببه صعوبة في التنفس مع استمرار رعشة غريبة تجتاح جسد المريض بشكل مبباغت.

دموع متحجرة، وقدمي ترتعش .أدعك عيني وألف ذراعي فوق صدري العظمي اتأمل عظامي كفي النافرة عروقة بأصابعي المرتجفة وهي تمسح عيني بعيدا عن الغرباء الذين اقتحموا مكتب المعاون يسألون عن تصريح الدفن، أنزوي وحدي، أقفز بعيدا، أحط بمؤخرتي على موتوسيكل قديم، جاءوا، أشعل سيجارتي الثانية وعيني تتابع سحابات الغمام وقد اختلطت بالضباب خلف ثلاجة الموتى، لتأتي مدام مريم والتي لا أعرفها ولم أقابلها من قبل وقد ارتدت بلوزة سوداء تسالني ::من أنت وماهي طببيعة عملك؟!!وتضيف:

بنتي داسها الاتوببيس القادم من عمرو بن العاص، وأشاروا علي بسؤالك.
أسحب نفسا أخيرا من سيجارة تضاءلت وأمشي وحدي في ممر المصحة الطويل