81.jpg
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

ممدوح رزق

(لكن أعتب عليه بشدة طريقته فى وصف أمه عندما علمت بسقوط أبيه مغشيًا عليه فى ورشته «كان ثدياها الكبيران اللامعان بماء الغسيل يهتزان بإيقاع متناغم مع هزة فردتى ردفيها» فلا يمكن للصبى أن يتحدث عن أمه بهذه الطريقة، ولو كنت من أبيه وقرأت هذا الوصف لأعدت كىّ أصابعه بحرص هذه المرة كى يتأدب).

ممدوح رزق

(لكن أعتب عليه بشدة طريقته فى وصف أمه عندما علمت بسقوط أبيه مغشيًا عليه فى ورشته «كان ثدياها الكبيران اللامعان بماء الغسيل يهتزان بإيقاع متناغم مع هزة فردتى ردفيها» فلا يمكن للصبى أن يتحدث عن أمه بهذه الطريقة، ولو كنت من أبيه وقرأت هذا الوصف لأعدت كىّ أصابعه بحرص هذه المرة كى يتأدب).

هذه السطور لم يكتبها أحد القراء في مراجعة له على موقع جودريدز، وإنما كتبها (الناقد الكبير الدكتور) صلاح فضل في مقاله عن رواية (الحريم) لحمدي الجزار في جريدة (المصري اليوم)، وتحديدًا في 18 أغسطس 2014. لكنها بالفعل تبدو سطورًا يمكن أن يكتبها أي قارئ. أي قارئ (أبوي) لا ينظر إلى الجنس سوى بعين الاختزال التقليدي، وبصرف النظر عن أن هذا الاختزال في حد ذاته لا ينبغي تحريمه أو تجريمه فإن علينا الانتباه إلى هذا الوعي العام بجذوره الثقافية الصلبة، والذي لا يُفرّق بين الشخص الذي يتم اعتباره ـ بحسب التصنيف السائد ـ قارئًا عاديًا، وبين الناقد الأكاديمي القدير، أو عالِم اللغة المخضرم.

(هناك كتابة أدبية يضاف لمنجزاتها قدرتها على فضح الوهم الفاصل بين “الناقد”، ومن يسمى بـ “القارئ العادي” .. بين رسول كليات الآداب، المنتفخ بفاشية قيم وأخلاق “السيد أبو العلا البشري”، والمكلف بإخضاع البشرية للثوابت التي لا صحيح غيرها للسمو والجمال، وبين الشاب الذي يعتبر نفسه “قارئًا عاديًا”، ولم يخطر في باله وهو يكتب ريفيوهات للكتب على “جودريدز” أو “أبجد” أن يسمي نفسه “ناقدًا”، رغم أنه يبحث أيضًا في كل رواية عن “الحكاية”، وعن “المغزى النبيل”، ويرفض “البذاءة”).

أما هذه السطور فمن مقال سابق لي بعنوان “الناقد المخصي” نشره موقع “الكتابة” في 31 أكتوبر 2014، وكان بمثابة نوع من المراقبة الهازئة لأحد النقاد الأكاديميين، الذي تحوّل إلى “حارس أمن هزلي، بائس لبوابة الكتابة”: أنت تعبر .. أنت لا تعبر.

أستطيع أن أمتد بهذا الخط على استقامته الآن كي أفكر في هذا الخطاب النقدي المهيمن عبر التاريخ، والذي تقوده (أسماء) لم تمتلك (السلطة) إلا بفضل الأنساق المعرفية (المؤسسية) التي تكوّنت وتراكمت تدريجيًا من خلال آليات الفرز والتنميط والإقصاء، ولم يعد لزمنها الخاص تعريفًا إلا بواسطة لامركزيتها، أي التناسل العشوائي لعلاقات القوة المتشابكة داخل أنظمتها المحكومة بالمفاهيم. تُشكّل هذه الأنساق إذن منهجًا من القواعد التي تُخضع القراء بصورة عفوية لـ (بداهتها المطلقة)؛ حيث كل إدانة، أو كل إقرار للصواب أو الخطأ يمارسه القارئ سيستمد (شرعيته الجمالية) من هذا الوجود المعرفي الذي يمتد طغيانه كغرائز توجيهية وإرشادية تمثل (الحقيقة). لماذا لا أفكر في أن هذا العمل الأدبي (سيء) لأن الكاتب (لم يفعل) كذا أو كذا؟. لماذا لا أكتب أن هذا العمل الأدبي (رديء) لأن الكاتب (أخطأ) في هذا أو ذاك؟. لماذا لا أصدق أن هذه الاستجابة التلقائية في مقاربة الأعمال الأدبية حتمية، وصحيحة، وغير قابلة للشك؟ .. أليس النقاد الذين يدرّسون في الجامعات، ويصدرون الكتب، وينشرون أبحاثهم ومقالاتهم في الصحف والمجلات يفعلون ذلك؟. أليس أولئك الذين يمتلكون (العلم) الذي لم نحصل عليه يتحدثون بهذه الطريقة؟. كيف يمكن للنقد أن يتجنب إصدار الأحكام كما حلم “ميشيل فوكو”؛ أليس هناك إله وشيطان، طيب وشرير، جنة ونار؟. هذا هو الصوت المشترك بين الناقد والقارئ، أو بالأحرى الهوية الموحدة لهما، التي تم تشكيل وعيهما ـ التربوي ـ داخلها.