الكتابة حلبة رقص

مي التلمساني

تشبيه الكتابة بحلبة رقص المقصود منه تصوير الكتابة باعتبارها جماع خبرات وممارسات تحكمها الحركة ويهيمن عليها الإيقاع. أفكر في الكتابة بوصفها تعبيرا عن حركة داخلية، في النفس وفي الخيال تتخلق على إثرها شخصيات وأحداث وحكايات. وبوصفها أيضا نزوعا للخارج، حركة تستهدف قارئا وتسعى إليه، تصحبه في نزهة، تدعوه للرقص أو اللعب.

الكتابة أيضا ابنة الحياة، تخضع لإيقاع العيش وتقاومه، تسمح بإعادة ترتيب الأولويات، تتمرد على رتابة اليومي بإيقاع آخر يخصها. حين تحل، تسحبني من عادة التكرار والاستسلام للعادي، تدفعني للقسوة على الأهل والأبناء، لإقصاء كل ما يشكل عائقا في طريقها. يكفي أن تحضر الكتابة لكي ينزاح العالم جانبا. عشتها بهذا الحسم على مدار ما يقرب من ثلاثين عاما باعتبارها حركة طاغية (من الطغيان) وإيقاعا يسيطر على الجسم والروح ويخضعهما إلى حين. حين تحل، أخضع لإيقاعها النزق وتستهين بإيقاعي الرتيب. 

لحسن الحظ أو لسوئه، حركة وإيقاع الكتابة الإبداعية هما استثناء لقاعدة. صحيح أني في حالة كتابة دائمة، إلا أن الكثير مما أكتب بانتظام يقع تحت مسمى الكتابة الأكاديمية والنقد والترجمة. تتحكم تلك الثنائية التي لا فكاك منها في حياتي، من ناحية هناك الكتابة الإبداعية بشروطها وجبروتها وتعثرها وتلعثمها وصعوبة تجليها واستكمالها، ومن ناحية أخرى هناك الكتابة الأكاديمية والنقد والترجمة بإيقاعهم المستقر والمتصالح مع إيقاع الحياة الأسرية والتدريس الجامعي.

حين أكون في حالة تفرغ للكتابة الروائية، وهي حالة محدودة زمنيا بالنظر لانشغالاتي الأخرى، أصحو من النوم في وقت متأخر، أفطر إفطاراً خفيفاً، أخرج للنزهة، أعود لآخذ حماماً وأتناول الغداء، أظل أدور وأدور في غرف البيت بلا هدف، أحيانا أقرأ كتاباً، أو أستمع للموسيقى الكلاسيكية أو أرقص فالرقص هو الرياضة الوحيدة التي أمارسها باستمتاع، أنام قليلا، أتناول العشاء وحدي، أتجنب الحديث مع آخرين، ثم أغلق على نفسي بابا في نحو التاسعة مساءً وأشرع في الكتابة. في الليل، يهدأ الكون وتنشط الهواجس والأفكار والأحلام وكلها من مادة الكتابة الأثيرة لدي. أستمر في الكتابة برفقة الموسيقى، مع إمكانية الحركة على الأنغام والعودة للعمل بالتزامن مع تلك الحركة، وذلك حتى شروق الشمس.

قد تسبق مرحلة الرقص مرحلة الجلوس إلى المكتب، وقد تنقطع رحلة الكتابة الليلية بوصلة رقص هي في حقيقتها حركة عشوائية بين الرياضة والرقص والاحتفال مع محاولة الخروج من حيز الغرفة الضيق أو من الزمن، لا أدري، لكنها حركة ضرورية للياقتي الذهنية أعود بعدها للكتابة. يعطيني الرقص فسحة من الوقت للتفكير ويصفي ذهني من الشوائب، يضعني أحيانا في ثوب شخصية من الشخصيات أو يجرني إلى زمن مضى، زمن الطفولة، أو زمن الموسيقى وزمن مؤلفها. حين أعاود الكتابة، أراجع ما كتبت، أنتقل من فقرة لفقرة، من صفحة لصفحة، أصحح، أطيل، أشطب، أتحرك من اكتشاف أتصور أنه سيبقى لاكتشاف يذبل وينزوي قبل شروق الشمس. حركة دوارة، راقصة على طريقتها، في ملف النص بأكمله أو في صفحة واحدة منه، لا فرق. جملة واحدة شاذة عن السياق تشبه الكعبلة في نهاية الرقصة. أعيد التمرين مئات المرات حتى ينتظم الإيقاع، حتى تنضبط الفينالة.

لا تنفصل الكتابة إذن عن الرقص والموسيقى، ولا أكتب إلا لأتحرك.

في حركة الكتابة أعثر على إيقاع يلائمني، أبطيء حين أريد، أندفع حين أريد، أصدح بصوتي ولا أحد يسمع سواي، أحتفي بجسدي ولا أحد يرى سواي. أنساق وأحلم وأعيد ترتيب العالم في كل مرة بما يتناسب مع قانون العمل الأدبي: دوام الحركة وانتظام الإيقاع. في الكتابة، أحتل مسرحا وهميا، أنطلق في أرجائه، أغادر الخشبة أحيانا وأعود إليها فجأة، تماما كما أرتب فصول الرواية بشكل يسمح للقارئ بحرية الحركة رغم كونها محسوبة. تعجبني اللعبة وأراها مثمرة، مدهشة، حرة.

أرقص وأنا أتخيل وجود مرايا وأكتب كأني انعكاس لآخرين مروا بي ومررت بهم. يستعين الراقصون بالمرايا في تمارينهم اليومية للتأكد من دقة أدائهم وإصلاحه إن لزم الأمر. أتخيل أني بطلة من بطلات الرقص في أفلام كارلوس ساورا حيث تضفي المرايا على الراقصين بعدا ميتافيزيقيا وترفعهم الموسيقى درجات فوق الأرض. أفلام مثل عرس الدم، كارمن، أو تانجو، حافلة بالمرايا. هي كتابة وموسيقى وشعر وصورة وحركة تنحدر من أعالي جبال الفن. أمنى نفسي أن أصل بالكتابة لتلك الأعالي. تسعى أفلام ساورا لترسيخ فكرة هامة هي فكرة محاكاة الحياة للفن. تلعب المرايا لعبة خطرة مع الشخصيات والراقصين، تذيب الفروق بين الراقص وبين الدور الذي يلعبه على المسرح. أحيانا، أجدني قريبة الشبه بشخصيات ساورا: أكتب وأتمنى أن أكون ما أكتب، أن أكون المكتوب عنها. أتمنى أن تنعكس حركة شخصياتي على حياتي، لعلي أحيا بشكل أفضل.

في فعل الكتابة لا أكون وحدي على عكس ما يبدو للوهلة الأولى. ألجأ للكتابة لأنها ملاذ من الوحدة. أحيانا أدعو قارئا ضمنيا للرقص معي. قد يتحول لشخصية أو يظل مجرد آخر افتراضي، لكني في كافة الأحوال لا أبقى وحدي. ربما لا ينتظم الإيقاع بيننا، ربما أسرع أو أبطيء، ربما أقود الرقصة ويتبعني، أو يتمرد على ويغادر الحلبة إلى غير رجعة. الدعوة لطيفة ليس بها إلزام. فيها بالطبع شيء من الغواية، وكأني بي أتسلل لقلب وروح وعقل هذا القارئ وأنا أدعوه لحلبة الرقص. بتجربة النشر، وبعد أن لبى الكثيرون الدعوة، انضم آخرون لحلبة الرقص على أنغام رواية لي أو قصة قصيرة أو يوميات. أعرف أن الدعوة للحركة بركة، وأننا جميعا ننتظرها كي تصبح حياتنا أقل سوءا ولو قليلا، ويصبح عالمنا أكثر رحابة ولو في الخيال.

الكتابة رقصة يتبعها الغاوون، ولعبة الرقص تتضمن اتفاقا ضمنيا على أن العمل الأدبي ليس فقط انعكاسا لحياتي وحيوات الشخصيات، هو أيضا انعكاس لحياة القارئ الذي تبعني للحلبة ووافق على الرقص معي. الأمر الذي يسمح بمضاعفة صورنا في المرايا وشعورنا بأننا جماعة.

ليس للكتابة من منتهي أو غاية، بالنسبة لي، أبعد من لحظة الوصل مع جماعة، عندما أصبح ضمنيا في حضور آخر أو أخرين لنبدأ الحركة معا، وننهيها معا، نبحث عن أشياء متشابهة، بعض الدهشة، بعض المتعة، بعض الأمل. تستمر الحركة أو تنقطع، ينتظم الإيقاع أو ينفرط، لا بأس. ثمة وعد دائم بإمكانية الوصل. والوصل بيني وبين الجماعة عبر رقصة الكتابة هو في منتهاه حب للفن وللكتابة وللآخر. فالبعيد يصبح قريبا حين أتحرك نحوه ويتحرك نحوي وكلانا يبحث عن إيقاع يلائم حركتنا ويتجاوزه نحو معرفة هي أشد وأقوى من أواصر الدم والقرابة. الكتابة في تجربتي حتى الآن وربما لسنوات أخرى قادمة غائية، هي كتابة سعي نحو الجماعة الإنسانية وهي حركة هدفها وصل ما انقطع من حديث مع الغائبين.  

 

عودة إلى الملف