موقع الكتابة الثقافي uncategorized 23
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

كريم محسن

-1-

مؤخرًا أفضل التبول واقفاً.

دخلت الحمام مسرعًا، بعد ساعة من حصر البول والسيطرة عليه بنجاح، وقدرتي على تجاهل آلام المثانة، مُخدرًا بالكسل ودفء اللحاف، مُتسمرًا أمام شاشة اللابتوب أشاهد فيلمًا لفرنسوا تروفو.

بحثت عن الشبشب فلم أجده، دخلت حافيًا، قافزًا بخفة على أطراف أصابعي، تلسعني برودة السيراميك.

في آخر قفزة -التي وضعتني برشاقة راقص باليه محترف أمام المرحاض- تسربت قطرة من البول. اضطربت وبدأت سريعاً في إخراج عضوي قبل أن أبول على نفسي، وجهت البول المتدفق داخل قاعدة المرحاض، لكنه تناثر على حواف القاعدة وطال البلل ملابسي.

أخفقت الهدف، وذاب وعيي لحظيًا في سيولة البول، أغمضت عيني تحت تأثير الراحة المفرطة من إفراغ المثانة المتوترة.

نظفت بنطالي ورفعته، غسلت يديَّ، سحبت الخرطوم المثبت في الحنفية الأرضية، رششتُ المياة حتى أخفي أثر البول ورائحته.

تقمصت دور الجنايني، رويت المرحاض والسيراميك بمياه الخرطوم.

وبطرف عيني، لمحت الظل يتحرك على الزجاج المزركش، يقترب ويبتعد.

-2-

في ميدان رمسيس، تتصاعد رائحة الأمونيا من كل بقعة ظليلة.

انتظرت الميكروباص المتجه إلى الحي السابع، بعد قضاء يوم لطيف في رووف توب بحي الزمالك، شربت فيه البيرة مع الأصدقاء وأكلت السوداني والترمس المعصور عليه نصف ليمونة.

“رايح فين؟” سألني السائق، دون أن ينظر إلي.

“عايز أنزل عند شركة إنبي”

“اركب”

 حشرت نفسي في ميكروباص نصف ممتلئ بالركاب. رفع السائق صوت المهرجان، بعد أن أشعل جوينت محشور في علبة سجائره.

“وقت الفراغ فراغ، نعمل دماغ دماغ”  بدأ السائق يغني كصدى صوت للمهرجان، يتراقص الجوينت على طرف فمه. يتراقص كتفه مع الجوينت. يتراقص جسده مع نبض الموسيقى.

انشغلت به طوال الطريق. لاحظ السائق نظراتي، غمزني في ركبتي، فتناولت منه الجوينت بدون اعتراض.

“أنتَ مش فاكرني؟ أنا سامبو، سائق الميكروباص الرسمي بتاع معاليك” قالها ثم ضحك.

لم أكترث لما يقوله، ضحكت في وجهه حتى يستمر الجوينت في الحركة البندولية بيننا.

مع الوقت، شعرت أن الجوينت يتحرك بيننا بإرادته، اكتسب وعيًا وبدأ في القفز بين أصابعنا، وأحيانًا يقف في المنتصف، يتراقص على نغمات المهرجان.

“أشغلك مهرجان للفنان حمو بيكا؟”

هززت رأسي بحركة لا تعني الرفض أو الموافقة، لكنها تعني ضمنيًا: “كفاية كلام وارحم دين أمي”.

لم يتبق في الميكروباص غير كهل عجوز غائب في نوم قلق، جسده هزيل يتراقص مع حركة الميكروباص وموسيقى المهرجان.

طلبت من سامبو، مستغلًا مزاجه الرائق، أن يتوقف بالميكروباص على أي جانب.

“ثواني وجاي “

“عيوني يا صاحبي، أنزل أساعدك كمان لو عايز، بس أنا مستغرب أنك قاعد على القاعدة وعايز تنزل تطرطر في الشارع.”

استغربت كلامه، لكن شعرت وقتها ببرودة تلسع مؤخرتي.

وجدت نفسي أجلس على مرحاض أبيض يشبه المرحاض الموجود في حمام البيت.

خلعت البنطال، شرعت في التبول جالساً أراقب الشارع، لكن البول انحبس في المثانة، شعرت بحاجز يمنع تدفقه من الداخل، حَزقت حتى تحدث السيولة المطلوبة وترتاح النفس وتهدأ، لكني استيقظت فجأة على صوت المنبه، يعلن بوقاحة أن الساعة السابعة صباحًا، ولمحت الظل واضحًا من تحت عقب الباب، يتحرك ببطء أقرب إلى الزحف.

-3-

ينقسم باب الحمام إلى جزء خشبي يمثل ثلاثة أرباع الباب، وزجاج مزركش محاط بإطار خشبي يمثل الربع العلوي، يستطيع الواقف خارج الحمام أن يرى بشكل ضبابي ما يحدث داخله. سيراميك الحمام لونه أبيض ناصع تحت ضوء اللمبة النيون، الحوض يقع بالقرب من المرحاض، لدرجة تجعلني أحيانًا أستند عليه بمؤخرتي أثناء التبول واقفًا. على نفس حائط الباب توجد غَسالة، يستقر فوقها سبت غسيل لونه بني داكن، تختلط فيه الملابس المتسخة.

وقفت بجوار المرحاض، عيني مثبتة على الزجاج المزركش، أنتظر ما سيفعله الظل. يتدلى الخرطوم من يدي اليمنى ويتسرب الماء على الأرض بلا اتجاه محدد.

دائمًا ما يتبع ظهور الظل صوت طرقات على باب الحمام، تحثني على الإسراع، تلك المرة الأولى التي يظهر الظل فيها بدون طرقات.

تحرك الظل جهة اليمين، وبعد دقائق سمعت أحد أبواب الغرف الثلاثة يغلق بهدوء.

أغلقت الحنفية الأرضية و وضعت الخرطوم مكانه.

خرجت من الحمام، وأخبرتني ساعة الحائط أن الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

من الأفضل أن أنام.

ضبط المنبه على الساعة السابعة صباحًا، أغمضت عيني، وتذكرت كلام الظل لي في الطفولة عن مخاطر التبول واقفًا.

-4-

أعلم أن الظل غاضب مني.

لا يمكن إنكار علاقة الحلم بالظل، بل ويمكنني القول أن الظل فضل استخدام طريقته المفضلة للتواصل معي.

لم نعد نمتلك لغة مشتركة يمكننا من خلالها فهم بعضنا البعض، ماتت اللغة على لساننا، وامتلكنا أسلوب تواصل خاص يليق بعلاقة مضطربة بين إنسان وظل.

عندما استيقظت في السابعة صباحًا، راودتني رغبة في التبول ورغبة أخرى في استكمال النوم والتغاضي عن محاضرات الجامعة.

غفوت لمدة نصف ساعة، وراودني حلم آخر، رأيت فيه سامبو والظل يتعاركان في موقف ميكروباصات رمسيس. الظل يتعارك بجدية وعنف، يحاول أن يسدد ضربات سليمة وقوية، تعرف هدفها رغم إخفاقها في الوصول. بينما كل ما يفعله سامبو هو تفادي الضربات بخفة ورشاقة تُظهر أنه يعرف جيدا كيف يلعب مع الظل و يراوغه.

لم يتوقف الظل عن الضرب.

لم يتوقف سامبو عن اللعب.

-5-

في السابعة والنصف صباحا، استيقظت مرة أخرى وقررت الذهاب إلى الجامعة.

الظل يجلس إلى السفرة ويتناول طعام الإفطار مرتديا بذلته، مستعداً للذهاب إلى عمله بعد ذلك.

مررت بجانبه، متجها إلى الحمام.

وفي الداخل، تبولت واقفًا كما اعتدت على ذلك مؤخرًا.

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:764. Generation time:16.659 sec. Memory consumption:291.35 mb