موقع الكتابة الثقافي uncategorized 45

حسين عبد الرحيم

كل ما كان يستحوذ على فكري، هو رأسي، ليس رأسي بما يحويه من أفكار ويجمع من تراث لئيم. تراث كاهن، نبي، مبشر. مسحور، عربيد، كافر بالقرب. مشاء يخاطب نفسه في الليل ويتحسس رأسه شبه المذبوح، إذا كل ما يعنيني هو ذلك الرأس المذبوح. كيف حملته كل هذا العمر فوق جسدي، جسدي حر، وعمري ممتد، أنا أبلغ من العمر تسعون عاما وأربعة، وها أنا أمشي في حذائي، محاولا أن أنزع من داخلي من يشبهونني في الحماقة، أنا البطل الذي لم يكمل نصه للنهاية، لم يكن متفردا في مساره إلا بتلك الندبة في الرأس بجانب السأم ومجاورة القبور رغم التقصير في زيارة الموتى.

منذ خروجي من القبر جهة البحر المالح ومشهدي الأبدي المعلق في ذاكرتي منذ عقود، انا ابن الستين والخامسة بعد الستين، والعقود الخمسة بعد رحلة مع أقراني الخمسة، ظلالي الدفينة تخايلني في المسير تحديدا وتلوح لي في الركض، وتلاعبني وقت الكتابة، وتشدني من تاريخي، شعري، خصلاتي الفائرة، رأس دماغي المتآكلة. وتلك الندب الغائرة فوق اليافوخ، ودمي الذي سال مرات، بالغدر والطيبة والعدل والحرية. لست فريدا ولا مميزا كما كنت أرى، في البدء كان البيت هناك، في خارطة مركب صغير رسمته أصابعي على شاطئ الميلاد وسكنني الهدر في ظلال البحر ولم أسكن لتفور ذاكرتي وتعود لتلك الأماكن التي زارتني في منامات سحيقة ولم أعشها إلا أحلام يقظتي وأنا أكفكف دمعي البارد من عين كليلة تطوف لترى مالم يُرَ في ظلام الرحلة، أنا حسن كبريت أسأل نفسي وأنظر ملابسي وأنا أعبر كوبري بولاق وعيني على شرفات كانت هناك مخبوءة في عمري، في الماريوت كان اللقاء الأول مع شفتيها، وتلك الشراشف، وصوت النيل والضوء المتوهج في الطابق 26 ووثبة العنفوان لمراهق منتش، مذعورا وجسورا، يخشي السقوط ويخاف الدوار والأدوار العليا بعد انتصاف الليل في الخريف وهذه التلويحة للنسيان وقت الغروب في ليلة صيف.

كنت لاتعرف حكايا المدينة ولم ترى كل هذا الركام من الغبار المسموم، وأنت تصم أذنيك كل ليلة آنيا بعدما سكن الليل قرب النيل..، تكره الطائرات التي تحلق في سمائك منذ ثلاثون عاما فلا تنام.إلا وأصابعك تتحسس الأخاديد والنقر والجروح القديمة.هذي الأنابيب الشفافة الممتلئة بالدماء والساقطة تتدلى من أعلى الرأس لخلف الأذنين، أسفل فتحتي الأنف الرفيع، أنا حسن كبريت، أعد نفسي للسفر الأخير أتحسس جسدي كل حين لعلني ألمس جديدا يرمي بأمل في توافق خلاياى مع مشوار الغروب كل يوم والذي أداوم عليه غير تنقلي وهجراتي الدائمة حيث اللا مكان والزمن ممتد. رأسي تزم أجتر ما كان، مالقيته هناك، لا بل هو الذي يقتحمني بضراوة، تلك الصور وشريط الصوت في غرف عمليات المصح البحري. ؟!! باب الخلق، سرائن القاهرة، صراخي وحدي بلا خوف وهجومي على الباق من المعتدين. ثلاثة ورابعهم كلبهم، خمسة وسادسهم كلبهم، عشرة. ولكمات في الوجه والفك، وغل يصعد من مسامات عروقي وعظامي التي نفرت فجاة وتمددت وأخضرت وأنقلب اللون في تموجات ماقبل الغروب إلى الزراق وأنا جهة غرفة الطبيب النوبتجي: قلقان عليك؟

الفك مكسور وجرح قطعي نافذ قريبا من الرقبة. عمليات كبرى، تخدير، ديتول، وشيش، ماء ينساب في مجاري ومسالك مجهولة بعيدة عن مرمى بصري. وأنا أستعيد طيراني من فوق الأرض في مستشفى العاهات المستديمة والدائمة، ألمح آخر من فشلوا في الفرار فاخلع حزام بنطلوني وأطير في وجوه الثلاث وبقبضتاي وساقاي وركبتاي.أخمش رقابهم، بطونهم محاولا النفاذ للجانب الآخر، من الحشى، من تلافيف ظهورهم المكتنزة بركام لحم ترهل وتدلي قريبا من العانة. لإمرأة فاجرة في صورة رجل أحمق متهور. ينتصب جسدي كله في لمح البصر، قبل رحيل ظلال الشمس من الطرقات والعنابر، قبل حتى نباح الكلاب الذي تنتظر الظلام بفارغ صبر وبطون خاوية إلا هيكل من الجبس لنصف ساق. أفقأ عين الاخير الذي هشم فكي، اطير به من النافذة على الشوارع الخلفي لأراني وقد افترشت سطوح غرف التعقيم، اجتر ن وحدي بجلباب شبه نظيف شبه متسخ، أبيض شبه رماد، يسحبوني على التروللي للدور التاسع. وحدي اضحك فابكي بلا دمع لأسخر من الأقدار، من جاء بي إلى هنا ن ولاين تعبر هذه الطائرات قبل الفجر ومابين المغرب والعشاء، وصفيرى عكس الريح وانا ارتدي جلباني على اللحم القليل والعروق النافرة، أسأل نفسي، من أنا ؟ _ من انت، من هم، كيف كنت فاصرت واصبحت، حتى اذني لم تعد تنصت لأحاديث الليل التي كانت دائما ما تأتيني من فوق البيوت التي تحوط سكني في فراغ الحارات، وضيق المدينة.

_ : ( من انت.، يقول لنفسه. وفي نفسه لعل احدا ما يجيبه وهو الذي يحن للضاحية التي شهدت احلامه البكر وقت ان كان في التاسعة عشر..كم بلغت من العمر الان، ولما كل هذه الجروح في الوجه والقفا والركبة، وجهك الابيض وعيونك الزرقاء لم تعد تحتفظ بتك البريق الاخاذ، يقول في نفسه، كنت ارى نفسي وليس شهوتي ن في عيون البنات، جرأتي، مبادراتي الدائمة في التعرف على الوجوه الجديدة في كواليس مسرح الحياة. ؟!! وسامتي هندامي تناسق ملابسي ألواني المفضلة. مايروق لهند. ماتعشقه ميرنا المهندس، أين ميرنا، الكواليس مظلمة، اسدل الستار وبت اتحسس في عتمة فراغات الديكور أشيائي القديمة، حلى العرض الاخير فرط الرمان، ماسكات، اقنعة فارغة تبحث عن وجوه رحلت من سنين. في الفصول الاربعة مابين النبيذي والاخضر الزرعي والسماوي والاصفر في قمصان البيير كاردان الفرنسية، عندما ترقبك فتيات فنون جميلة وانت تتحدث مع المثال عن الكتلة والفراغ وتفسير جدوى الإشتباك ما بين الفنان وصنعه من الطين مابين البدء والتشكل وقبل طلاء البرونز، أين مني هذا العمر المسروق في جلبة صيف وقيظ، لم يعدن يكترثون بخطوك ولا برقة عينيك لانه الحزن الحاد ن الذي لبد في مقلتيك فباتت سيدات الطرقات يرمين بنظرات الرثاء في غلبة العرق الساخن المنثور مابين صدور الأربعينيات ن هل رأيت ملامحك في المرآة، يسأل نفسه في صمت وهو يتذكر سيرة اخوته الخمسة ن يضرب كفه الايمن باصابعة المعروقة الطويلة البارزة على صدره فيسعل وتنكتم انفاسه وهو يحدق للروزنامة فوق الحائط الأصفر وقت ان انصت لجرس الباب وصوت الكواء وهو ينادي بتكرار يا حسن بيه يا استاذ حسن، يا عم كبريت..المكوة، لي أيام ثلاثة، ثلاثة شهور.أطرق الباب فلا ترد ولا تستجيب اين أنت؟

…………..

* مقطع من رواية بار توماس