الدمية وإبداع الروح

إبراهيم فتحي

الاسم يوناني وهو اسم مصر الجديدة، وتبدو طريقة كتابة رواية تجريبية عن عملية كتابة الرواية كاتبها یونانی فلا يقرأ، كما قالت لى أدبية في ندوة عن هذه الرواية، ولكن القراءة الثانية تكشف لن يريد بذل الجهد المضني عن كثير من نواحي الجمال، فهي ليست موجهة إلى قارئ الروايات الممتعة سهلة التلقي، ولكنه بعد فك الغازها، أو خيوط الماريونيت المتشابكة الحركة سيجد أنها تحدثه عن نفسه وعن عالمه.

اسم الرواية اسم مكان معروف، ضاحية أنشئت في العشرينيات للنخبة من الأوروبيين والمصريين ذوي الأصول الأجنبية من الإنجليز والفرنسيين والطليان واليونان والأرمن وغيرهم، وهي مدينة دائمة التغير يرجع أصلها إلى مدينة أون المصرية القديمة المقدسة، وهي بيت الشمس المنذورة لعبادة رع، وتغير المدينة التي أصبحت عند العرب عين شمس يجعلها تجسد جوهرا مهمة للحضارة المصرية، ففنونها وأفكارها وأعرافها المخلصة لنبع تراثها القديم كانت ممتزجة مع تيارات التحديث المعاصرة، منصهرة مع ثقافات متنوعة فارسية ويونانية وأشورية وأفريقية، وزمن المدينة المتصل هو زمن أون، أفلاطون الذي جاء ليتعلم على أيدي كهنتها البارون إمبان المالي البلجيكي الذي بدأ التفكير في إنشائها منذ أول القرن العشرين، وقد أقام البارون قصره التحفة الفريدة مستلهمة طراز المعمار الهندی!!  إنها ملتقى طرز معمارية وطرائق حياة ومعتقدات متعددة مثل عائلة البطلة الساردة «میکی».

وليس المهم أن تكون میکی واقعية أو متخيلة فلا حدود فاصلة جازمة بين السيرة الذاتية والرواية الفنية، وفي استعراض لصور الأب المعلقة أو المخبأة لإخفاء علاقة عاطفية قديمة بفتاة فرنسية ترى ذلك الجانب متعدد الطرز للضاحية. إنه يرتدي ابتسامة باريسية ورباط عنق حريرية وسترة من صوف التويد وفي قاع الصوان صورة للفتاة بالمايوه وأخرى بالتايير الضيق، المقهى الباريسي فيه مثقفون مصريون صورتهم ضبابية وأصواتهم مكتومة يحتسون البيرة ويتكلمون عن شارل دیجول وهنری کوربیل بنفس الحماس، وما أثقل مجلدات قاموس لاروس الكبير في مكتبه على ذراعي میکی وما أشد تنوع إنتاجه الفكري، هل يوازی تكوین الأب بعض الشیء قصور وفيللات هليوبوليس غير البعيدة عن قصر البارون بالتصميم الأوروبي والواجهات والزخارف الشرقية، أو هل يعكس الأمر كما تعكسه میکی، وهناك من هليوبوليس فكرة الصعود نحو الشمس، التمرد على قوانين الجاذبية في الديانة القديمة، القيمة الإيجابية للصعود وتتقمص میکی في الصفحات الأخيرة دور فرعون الذي تسلق المسلات والأهرام وظل يصعد إلى الأبد واعية تماما باستحالة بلوغه الشمس.

ولا تصور الرواية الضاحية بحيث تقدم لها انطباعة موحدة أو روحها للمكان، تسری کھوائها الذي كان نظيفا ومطلبا لساكنيها فيما مضى، فما من تجانس أو شمول بين الأجزاء، بل تقدم عناصرها مفككة متغايرة بواسطة تجاور وتعاقب تلقائی غير مخطط من ناحية العمارة وطابع السكان، وتبدو الضاحية تجمعا من تراكم أطراف ابتعدت تدريجيا عن قلب متحول الموضع، والقارئ ينتقل على الصفحات عبر مراحل وشوارع جديدة أو متغيرة الاسم لا تقدم تمثيلا موحدا يسوده طابع خاص، ويبدأ إدراك میكی للمكان بخبرتها بجسدها وبذاتها المنطوية تحت اسم التدليل، ومنذ السطور الأولى نلتقي بسبحة تأملية تجريدية من شروح استدلالية ضئيلة المادة القصصية على نحو متعمد، فالحدث الشخصي الرئيسي في الرواية هو التكوين المتدرج لمیکی، التي تدرك جسدها ووعيها وغرائزها باعتبارها جميعا تنتمي إلى ماريونيت خشبية ليست موحدة الحركة أو ممتلكة لروح أو شخصية متكاملة، فهي تحصي الخيوط المشدودة إليها ذاتها الخشبية وتجدها في توالد مستمر، وتسأل صورتها في المرآة من أنت؟. وترتاد الرواية طرق متعددة ليدرك بها الأنا ذات نفسه كموضوع، وإن يكن الدمية خشبية يسمح لها تعدد الخيوط بحرية أكبر في تحريك نفسها وإبداع ذاتها الخاصة، ففي عالم الرواية تتردد أصداء نزع الطابع الشخصي أو الطابع المميز للضاحية والناس والأشياء عبر عمليات التوحيد القياسي لتنوعات طرق الحياة والأذواق والأفكار وصيغ الكلام حسب النماذج المتعددة المقترة المفضلة، وان تكن معروضة في نهاية الأمر فهل أصبح «أنا میكی كفاعل جد شبحي الوجود حدود اختياره هي التحرك بين إملاءات متعددة متناقضة”.

 وليس السؤال هنا «من أنا؟» عن جوهر ثابت للصفات الشخصية تمكن معادلته بحزمة من الصفات بل عاصفة سائدة سنكتشفها تدريجيا، وان تكن الشخصية الرئيسية مصورة كذات دائمة التغير ووعي يتسم بالتناقضات فاقدة إحساسها بالتكامل، كأنها أرض معركة بين ذوات متعارفة فإن الأمر لا يقف هنا، فالرواية لا تصور الإستكانة لعالم التشيو المسيطر لأن البطلة الساردة تهدف إلى أن تحيا حياة حافلة بالمعنى على نحو خلاق، أن تحيا ككاتبة وأن تحكي لنا عن إبداعها لذاتها الفكرية الكتابية الروائية المنطلقة.

إن عالم الاحتكارات والسعي المحموم نحو أعلى أرباح وتحويل الأشياء والأفكار والعواطف إلى بضاعة حاول أن يجعل من الإنسان دمية، منتجا صناعيا، تشده خيوط آلة استهلاك ضاربة الرواية لا تقول ذلك ولكنها تصور أثاره، فالأنا متشيء متخشب ضائع في آلية مجتاحة، ولكن الكائنات الإنسانية متفاوتة الخضوع أو المقاومة لهذا الوباء، والنوع الروائی کانت قصته الحديثة هي سعى الفرد لمعرفة ذاته وتجديدها وتعريفها سعيا دائما، وذات میکی في هليوبوليس توجد داخل الأوضاع المتغيرة المتآلفة من أشياء تجمدت فيها حرية الاستعمالات، ومن أدوار اجتماعية وعلاقات عائلية رغم تفسخها تصلب في استجابات ميكانيكية، ولكنها ترفض ذلك ويعنيها الكائن الإنساني في كل الأشياء وتصور نقل الافتقاد الخانق لمشاركة جمعية حقة في العائلة والموطن، وتتحسس طريقها صاعدة نحو التحقق بالكتابة وهو في نفس الوقت تحقيق امتلاء احياتها الداخلية، فهي ليست مجرد دمية أو وعاء يمتلئ رغما عنه بمعان عمومية جاهزة، إن مصيرها الإبداعي الفردي يتعالي على أن يكون مصير دمية حية تسكن ضاحية تحكمها قوانين آلية، بل هو ازدهار فرديتها وتفتحها، والاهتمام بالجزء منها الذي يختلف عن القوالب المفروضة وعن الآخرين والذي يشكل قيمتها الخاصة وهو الكتابة. إنها تقوم بكسر قشرة ذات خشبية منصاعة لتوجيهات الآلية وإبداع ذات الكاتبة الباطنة، ذات الخيال والذاكرة والرغبة والتدفق الحر التلقائي.

ويطرح بناء الشخصية الروائية المبدعة كقيمة محورية في هليوبوليس للمناقشة دور السارد القصصي، هل تكون میکی دمية تحركها خيوط آلة القص التراثية التي تنتج المغزى الأخلاقي والاجتماعي كما تتمثل في كامل الكيلاني للأطفال وحواديت أمها عن الهناك والبعيد والأرض التي تشيل الأبطال أو تحطهم. ولكن الأطفال الزبائن الأبديين للحكي يتخيلون ألوانا من المغزی تسخر من المغزى المقصود في تلقيهم المتجدد ويتمنون مسارات ونهايات مختلفة للحكايات عندما تحكي لهم میکی القصص التقليدية، وهل تلتزم کمبدعة بباترونات «قص، الأزياء الروائية الحداثية ومواصفاتها المقولبة لتسجن طاقتها الإبداعية في وتر متخشب كجزء من إيقاع متكرر لجوقة الإنتاج والنقد الأكاديمي الرسمية، في الكتابة أيضأ صراع كثيف من أجل الذاتية والتلقائية الابتكارية يتمرد على الضغوط الميكانيكية للانقياد بكل أشكاله، وكما أن الضاحية ليست قوة شخصية قائمة بذاتها، فلست الكتابة قالية يمتلك شخصية موحدة عند الجميع. إن الذاكرة الخاصة مفتاح يفتح الحقائق المتضاربة للزمن الماضي المعاش، والخيال عندها مزود بالقدرة على اعادة اقتناص المعاني المختلفة للأشياء وبناء الحركة من عناصر ساكنة بمجرد تغيير زاوية النظر، وفي عظام الجملة اللغوية عموما يوجد دائما تصور للوظائف الاجتماعية والنفسية المنفصلة: فعل . اسم. صفة . حال – تشبيه ، استعارة . كناية، تجسد احساسات ومشاعر وتجريدات فكرية، فكيف تغلبت الساردة على ذلك الانفصال بتشكيل اكثر عيانية؟، إنها تجعل الذكرى تقفز أمامنا كتصور فكري يلتف حول نفسه مثل قطة كبيرة تومي، وتشير، ويصبح تأمل الذكري معادلا لحضورشی، محدد ملموس محسوس به، وهی تصور «اعتداء، بائع المكتبة على شقيقها الصغير في الركن المظلم بكلمات کاحمرار الوجه وتبعثر الشعر ولا تطلق اسما على ما يمكن أن يكون من اشمئزاز أو خوف ولا نحاول تشخيص الشعور في اسم، ونقف عند وصف حرکات شینية ولا تسبغ انفعالا على الذكري بواسطة الاستعارات، والماريونيت الدمية في الرواية ليست ممثلا يتكلم، إنه كلام يتحرك والسارية تحرك الكلام تخلط الضمائر والأسماء لتقدم زمن حكاية تقصها للمرأة كل صباح وبدايتها من أنا؟ والحدث الأكبر في حكايتها عن الطفولة اثناء لعب العيال وترديد الكلمات العبثية في الأغاني البذيئة هو التكرار وليس اللعبة، إعادة تمثيل اللعبة بتنويعات جديدة وتفاصيل لامتناهية المشكلة توليد الحدث الروائي من قلب التكرار، فالمختلف هو الصيرورة الدائمة لنهر الحياة، والصيرورة الدائمة للأشخاص، انمياه جديدة وأشخاص مختلفة بنفس الاسم بيدعها تيار الحکی، فالكتابة كشخصية تتخلل الرواية هي إعادة تنظيم وترتيب وتقييم التجربة الإنسانية المتحولة في عالم اليوم، أي إنقاذها من فخاخ الكتابة التاريخية الكاذبة بواسطة الاهتمام بمتقابلات الزمان وإيقاعاته المختلفة ونغماته اللونية المتباينة في المواقف التي تمسك بها الذاكرة الشخصية وهي تتحول. العمة تتقيأ وتتقلص أمعاؤها بعد أن يشركها الزوج قسرا في خیالات شريط الفيديو الإباحی، خیالات يحبها بنفس قدر كراهيته لتنفيذها قسرا، وتشعر الزوجة بأنها زكيية من الرمل الناعم يغطس ببطء في برميل من الزيت

السميك، وهناك موقف میكى الصغيرة وقد حركها امرأى فخذي الخادمة العاريتين ناصعتي البياض التمارس حب جسدها ومدها وتشعر للمرة الأولى أن اثمة خيوطأ تشدها لأعلى وتكاد تجبرها على الإتيان بحركات لا عهد لها بها من قبل، وهي بين الدهشة اوالانبساط ترك جسدها. يعلو.. ليلامس سقف الحمام الأبيض، انبثاق الحدث الكرية أو الممتع من روتين العادة والغريزة.

لقد بين لها أبوها أن الطريق الأمثل للالتفاف حول الدور الروتيني المفروض هو أنه مادام من الضروری أن تلعب دور الدمية فلا أقل من أن تفرج بنفسها على نفسها وأن نستمتع بالدور قدر المستطاع، وها هي تكتب فرحتها ووعيها بذاتها كتيار من التدفق المستمرة لا في سيال شعور غامض معتم، بل عبر تأكيد تيار من التأمل في أسئلة ومحاولات للإجابة تمتلك خطوطة خارجية سميكة لتحديدها، فالفرد الدمية محل الكثرة من الذوات يدرك واقعه الداخلي بواسطة تصورات اوسط تدفق الذكريات ذكرى الأشياء الكثيرة في طوابق البيت العائلية، في أثاث حجرات الصالون والمائدة والمطبخ المتناظرة عند الجدة والعمات، وتلك الأشياء هي أفعال واستجابات وتقييمات إنسانية متجمدة، ووصف الأشياء في السرد هو نمط امتلاكها، جمل وعبارات تدور حولها وتبنيها أمام أعيننا، فهذه الحركة اللغوية تصوغ، تكشف الأشياء وهي لصيقة بالأدوار المقرة المستبطنة لأصحابها في عالم تتوسط فيه الأشياء العلاقات بين الأفراد، وعدسة كاميرا التأمل مثبتة على هذه الأشياء وعلى الأدوار المتخشية الضمحلة للأفراد كأنهم ظلال أبقة من منظر غسقى، ولكن الصراع في الرواية كما سبق القول يدور حول ابداع الذات عبر التلقائية الحية وأشواق التجاوز والعلو والعمل الخلاق نحو الكمال وصياغة عالم فنی حافل بالقيمة أي عبر كتابة تحول الأماكن والأشياء إلى أبنية معنى خصب في مواجهة الطرز الثابتة المفروضة، وتحفل بالأشواق إلى الحرية في العلاقات العاطفية وسكب الحياة في الشرايين المتكلسة لعائلة أصبحت لها بنية خشبية تراتبية كأنها جزء من العائلات النباتية، الدمية تكتب وتتهجى أسرار العالم الخارجي والداخلي وتحلق عبر الكتابة واعية بالعالم وبذاتها، فالإبداع وعد بحياة أعلى للروح.

 

عودة إلى الملف