الجدار .. حياة معزولة في انتظار التصالح

الجدار هي الرواية الثانية للكاتبة، وصدرت عن درا الرواق في عام 2016.

الرواية عذبة، وكذلك اللغة المستخدمة، وبالرغم من التنقل بين أزمنة وأمكنة مختلفة، إلا أن الأحداث تجري كسحبة بكرة خيط، في نعومة لا تشعر القاريء بحدة أو اختلال خلال تلك النقلات، كطريق مدروس ومعبّد يأخذ بيد القاريء خلال اكتشاف الدواخل والمسببات.

تبدأ الرواية بوعد في حكاية، بينما تجلس حياة أمام آدم (والذي يبدو أنه معالج نفسي) في سيول عام 2015. يطالبها آدم ببداية الدخول إلى الصندوق الأسود، إلى خزائن الأسرار؛ وتنتقل حياة بذكرياتها إلى القاهرة في عام 2009، حاكية عن أول لقاء مع خالد.

الغلاف الرئيسي للرواية نمطي؛ يدور حول خسارة في الحب، فبالرغم من تعلق حياة بخالد، إلا أن خالد يروح إلى مصير مقرر مسبقًا، نحو الزواج من خطيبته التي يعرفها من سنين.

هل كان خالد يحب حياة فعلًا، هل كان في هروبه التزامًا تجاه السنوات التي انتظرتها فيه خطيبته، أو تشبثًا بوضع اجتماعي ما. لم نعرف ذلك، وربما لم تشر إليه الراوية إلا في النهايات وهي تحكي عن احساسه بذنب مؤلم.

في لحظة ما تستلم حياة لخالد، تحت تأثير خدر السعادة الذي يصيب الجميع في ليلة 11 فبراير 2011، والذي يعد بالقدرة وبالإمكان في المستقبل. تحمل في رحمها شهادة بذلك، تتشبث بتلك الشهادة وهي ممسكة بأمل ما للحظات الأخيرة، وحتى يوم زواج خالد. وحين تدرك زوال الأمل؛ تتخلص من الجنين، وتعيش أسيرة لجبرية الإجهاض، معلقة على جدار غرفتها في سيول صورًا لضحايا العنف الأسري، وقتلى الآباء والأمهات.

تحكي حياة عن استعادة لحظات الإجهاض في غرفتها، عن الجلد الذاتي لتخليها عن الطفل والدم الذي تحسه ينساب على بساط الغرفة في كل ليلة مستعيدة ما حدث في ليلة الإجهاض. تحكي عن الأطفال الذين يخرجون من الجدار كل ليلة، وكأن حياة تبث فيهم الحياة وتهبهم القدرة على الخروج من الجدار والتنقل أمامها وفي غرفتها. أطفال معذبين بالقسوة وبتخلي الأهل، منهم من لطم الأهل برأسه في الجدار بقسوة حتى مات وكأنه التصق به بلا حس أو حركة، لكن حياة تستخرجهم، تنفث فيهم الحياة، تعيد إليهم الحواس والقدرات من خلال الاحتفاظ بصورهم وبالتذكر، أوليست الذكرى هي الباب للتشبث بالأحباب وإعادة الحياة للغائبين!

الأسماء في العمل ذات إلى دلالات؛ فبينما حياة تعطي الحياة لراحلين، فهي أيضا تتعلق بخالد، فهل كانت تبحث فيه عن خلود؟ بينما خالد يرغب في حياة ولا يقدر على المطاوعة إلى النهاية، وكأن الخلود يمكن أن يمس الحيوات ويحتفظ بالسِيَر من خلال الذكريات، لكنما دون القدرة على إعطاء وعود قاطعة. وتصحيح مسار حياة وإعادة السعادة من بين ركام الزمن كان عن طريق سعود. وبداية العلاج وزوال التعلقات القديمة حتى لحظة الوقوف على القدمين وبداية حياة جديدة كان من خلال الطبيب النفسي آدم، كما قال خالد لحياة في آخر لقاء «أنا وأنت مساكين، لكنك اليوم تبدأين حياة جديدة».

يظل الجدار حائلًا بين حياة وبداية حياة جديدة. حتى اللحظة التي تنتصر فيها قوة الحب من خلال تيو. ينزع تيو عن الجدار صور الضحايا، ويثبت صور الحياة بدلًا منها. تبصر حياة ويتنصر التصالح بين الحاضر والماضي، متخطية أخطاء لأم، متناولة روحها من خلال المحبة، بلا ملامات أو ضغائن، بأمنيات مبتسمة في رضا ومدركة لحدودها في التحقق.

«أنا سعيدة الآن يا خالد. أخبرت تيو يوم عودتي أن في قلبي رجلا آخرا، يحتل مكانه كطيف دائم. ربما أعيش معه في بعض تفكيري، لكني أود أن أعيش واقعي وحياتي معه هو. مع تيو. حبي الحقيقي».