الترجمة الثقافية وتَشَكُل الوعي الأوروبي الحديث

وليد محمد عبدالعزيز

  • (1)

الترجمة رفيقة الحضارة على مدار الزمان والمكان. ولم توجد ثقافة عالمية منعزلة عن غيرها، حيث كانت الترجمة دائمة الحضور فى كل نشاط إنساني يسعى لفهم ما حوله. وما يؤكد هذا أن أغلب التبادلات الثقافية فى التاريخ كانت تتضمن الترجمة؛ مثل ترجمة النصوص البوذية من اللغة السنسكريتية القديمة إلى اللغة الصينية فى العصور الوسطي، أو نقل كتب الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية فى بداية العصور الوسطي، ثم ترجمة هذه النصوص نفسها من العربية إلى اللاتينية فى أواخر العصور الوسطي. أو مثلا الترجمات الحديثة لنصوص الفكر الغربي إلى اللغات اليابانية والصينية والتى يمكن اعتبارها بدايات التحديث لهاتين الحضارتين فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وكان لترجمة النصوص الثقافية فى تاريخ أوروبا المبكر دورًا محوريًا فى نشأة الحركات الثقافية العظيمة التى شهدتها القارة الأوروبية؛ بدايةً من عصر النهضة وعصر الإصلاح وحتى عصر الثورة العلمية وبزوغ حركة التنوير. فعلى سبيل المثال؛ لم يتبلور عصر النهضة فى أوروبا إلا من خلال الترجمات التى اُنجزت من الآداب الكلاسيكية  اليونانية إلى اللاتينية، وأيضا ترجمة الأعمال الرئيسية من آداب اللهجات العامية مثل ترجمة “دون كيشوت”. أما فى عصر حركة الإصلاح الديني وحركة الإصلاح المضاد، فكانت ترجمات أعمال “إرازموس”، و”لوثر”، و”كالڤن” لها أبلغ الأثر فى تطور الوعي الأوروبي. ويمكن أن نعرف مدى انتشار الثورة العلمية فى أوروبا من خلال معرفة ما تمت ترجمته من كتب “جاليليو” و”نيوتن”. كما أن ترجمة أعمال “مونتسكيو” و”جون لوك” كانت الشرارات التى أطلقت حركة التنوير الأوروبية.

  • (2)

وفكرة أن الترجمة لها تاريخ فكرة قديمة وشائعة، ولكن يظل هذا التاريخ، حتى الآن، نشاطاً مهمشاً أكاديميًا يتمسك بأهداب التاريخ الأدبي والديني. وفى النصف الثانى من القرن العشرين برز إلى الوجود مصطلح “الترجمة الثقافية”؛ والذى ابتكره الأنثروﭘولوﭼيون الذين خرجوا من تحت عباءة عالم الأنثروﭘولوﭼيا الإنجليزي “إدوارد إيڤانز ﭘرتشارد”، ليصفوا ما يحدث فى المواجهات الثقافية عندما يحاول كل طرف فهم أفعال الطرف الآخر. وانتقل هذا المصطلح بعد ذلك إلى مجال الأدب، حيث تبناه مجموعة من الباحثين الغربيين، والذين يعنون أساسًا بما يطلقون عليه “قابلية النصوص للترجمة”.

  • (3)

ويمكننا أن نستعرض أبرز النقاط التى توضح لنا مسيرة حركة الترجمة الثقافية فى تاريخ أوروبا المبكر على النحو التالى:

بين الترجمة الفردية والترجمة الجماعية

معظم الترجمات التى تمت فى أوروبا كانت من عمل أفراد. ولكن يمكننا أيضا أن نجد الأعمال التى تصدى لترجمتها فرق عمل جماعية فى العصور الوسطى (مثل مدرسة طليطلة، ودير فادستينا بالسويد)، وبهذه الطريقة قام الناشر الألمانى “زخارياس بالثين Zacharias Palthen” بتجميع فرق عمل من المترجمين لترجمة أعمال الطبيب السويسرى “بارسيلسوس Paracelsus” إلى اللغة اللاتينية، بينما قام الشاعر “ألكسندر ﭘوﭖ” بتوظيف مترجمين لمساعدته فى ترجمة “هومر“. شاع هذا النوع من الترجمة التشاركية فى تلك الفترة، وخاصة فى حالة ترجمة “الكتاب المقدس“؛ ليس فقط بسبب طول النص، ولكن بسبب المسؤولية التى تتضمنها عملية الترجمة فى توصيل “كلمة الرب“. فنجد أن النسخة الإنجليزية المعتمدة للكتاب المقدس – وكذلك النسخة التشيكية والألمانية والدنماركية والسويدية والفنلندية – والتى تم انتاجها فى تلك الفترة المبكرة كانت كلها من عمل مجموعات من الباحثين. ففى حالة ترجمة الكتاب المقدس إلى الإنجليزية مثلا، تصدى للترجمة “ستة مجموعات”؛ مجموعتان فى أكسفورد، ومجموعتان فى كمبريدﭺ، وأخرتين فى لندن. وتأسيس تلك المجموعات اتبع نموذج الترجمة السبعينية الشهيرة، حيث يُفترض أن هناك اثنين وسبعين مترجما اجتمعوا فى الاسكندرية لترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية.

مترجمون هواة ومترجمون مهنيون

أغلب من قاموا بالترجمة فى تاريخ أوروبا المبكر كانوا من المترجمين الهواة؛ الذين مارسوا الترجمة مرة أو مرتين طوال حياتهم. ومن الطريف أن بعض هؤلاء المترجمين الهواة سيصبحون حُكَاما فيما بعد؛ فالملكة إليزابيث “Queen Elizabeth”، والملك “جيمس الأول James I”، والملك “ڤيليب الرابع Philip IV”، والملك “ڤيليب الخامس Philip V” جميعهم مارسوا الترجمة. وظهر فصيل آخر من المترجمين الهواة؛ وهم المترجمون الذين كرسوا جهودهم لنقل كتب تقع ضمن معارفهم العلمية، فمثلا الأطباء ترجموا كُتبا عن الأدوية والأعشاب وعلم التشريح. والمؤرخون ترجموا كتب المؤرخين الآخرين؛ وعلى سبيل المثال قام المؤرخ “ليوناردو بروني Leonardo Bruni” بترجمة كتب “ﭘوليبوس Polybius” و”ﭘروكوبيوس Procopius”.

وعلى عكس العديد من المترجمين الهواة، ظهرت مجموعات صغيرة نسبيا من المترجمين المهنيين الذين كرسوا جزءا كبيرا من وقتهم للعمل فى الترجمة، وغالبا بمقابل مادي. والعديد من الأدباء والكُتَّاب مارسوا الترجمة باعتبارها جزءا من نشاطهم الأدبي؛ مثل إرازموس، وألكسندر ﭘوﭖ الذى حصل على مبلغ أربعة آلاف وخمسمائة جنيه استرلينى لقيامه بترجمة الأوديسة إلى الإنجليزية بالاشتراك مع بعض معاونيه.

المهاجرون والمتحولون دينيا والعمل بالترجمة:

برزت أيضا مجموعتين من المترجمين شبه الاحترافين، تكونت المجموعة الأولى من المهاجرين الذين تركوا بلادهم وأقاموا فى بلدان أخرى، وبطبيعة الحال كانوا خير وسيط بين لغتهم الأم ولغة البلدان التى هاجروا إليها؛ فكان لهم دور كبير فى حركة الترجمة والنقل بين اللغات الأوروبية. وفى الإمبراطورية العثمانية ظهرت مجموعة أخرى من المترجمين شبه الاحترافين وهم الأفراد الذين تحولوا من “المسيحية” إلى “الإسلام”. وكان لهؤلاء المترجمين إسهام فى نقل العديد من المعارف فى الإمبراطورية العثمانية.

وبحلول القرن السابع عشر جاء دور اللاجئين الفرنسين البروتستانت، الذين انخرطوا فى مجال الترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية، وكان أكثرهم شهرة على الإطلاق هو “بيير كوست Pierre Coste” الذى قام بترجمة أعمال “لوك” و”نيوتن”. وأيضا لا يمكن إغفال دور جماعات “اليسوعيين”، وكانوا متخصصين فى الترجمة الثقافية يسيرون فيها على خطى مؤسس الجماعة القديس “أغناطيوس لويولا Ignatius Loyola”. حيث كانت الترجمة بالنسبة لهم طريقة لهداية غير المسيحيين.

رعاة الترجمة

علينا أن نأخذ فى اعتبارنا أن الرعاة (سواء أكانوا أفرادا أو مؤسسات)، هم الذين كان بإمكانهم تنشيط حركة الترجمة، أو إعاقتها. وكان بعضهم شخصيات قيادية فى الكنيسة. وأبرز هؤلاء هو البابا “نقولا الخامس Nicholas V” صاحب النزعة الإنسانية الذى انتُخِب بابا عام 1447م. وكان نقولا أول باباوات عصر النهضة الحقيقيين. فقد جعلته التطورات الفكرية في فلورنسا التي كانت المركز الرئيسي للحركة الإنسانية بإيطاليا، أن ينفق أموالاً طائلة لاقتناء مجموعة مهمة من المخطوطات الإغريقية القديمة والرومانية ومخطوطات من عصر الكنيسة المبكرة، وأصبحت هذه المخطوطات بمثابة العمود الفقري لمكتبة الفاتيكان.

كما رعى نقولا عددًا كبيرًا من الإنسانيين (أصحاب النزعة الإنسانية) في روما الذين قاموا بترجمة الكتب الإغريقية إلى اللغة اللاتينية، إذ كان يرى أن الدور البابوي ليس مجرد رئاسة الكنيسة، وإنما زعامة الحضارة الغربية أيضًا. بينما كان الكاردينال “خيمنيث دى سيسنيروس” راعيًا لنسخة متعددة اللغات للأنجيل، ومجموعة أخرى من كتب الصلوات. أما كاردينال اللورين فقد شجع ترجمة الأعمال المتعلقة بالشعائر الدينية والصلوات من الإسبانية إلى الفرنسية.

عدد من الحُكام أيضا ناصروا وشجعوا حركة الترجمة وأولوا لها اهتمامًا خاصًا. ففى القرن الثالث عشر قام الملك “ألفونسو العاشر Alfonso X” ملك قشتالة، والمشهور بـ”الحكيم” أو “المتعلم”، بتكليف المترجمين بترجمة عدد كبير من النصوص العربية المكتوبة عن “التنجيم”. كانت تلك النصوص المخطوطة تصل إلى جمهور محدود جدا.

صعوبات واجهت المترجمين

تمثلت الصعوبة الرئيسية بالنسبة للمترجمين فى تلك الفترة من تاريخ أوروبا المبكر فى ندرة الموارد المتاحة لهم؛ وعلى الأخص النقص الشديد فى المعاجم والقواميس ثنائية اللغة. فعلى سبيل المثال كان لزاما على المترجمين الإنجليز أن ينتظروا حتى عام 1580م ليتوفر لهم قاموس فرنسي/إنجليزي، وحتى عام 1591م لقاموس إسباني/إنجليزي، وحتى عام 1598م لقاموس إيطالى/إنجليزي. قبل هذه التواريخ كان المترجمون الذين يواجهون مشكلة تتعلق بلغة معينة يلجئون إلى اللغة اللاتينية أو يطلبون المساعدة من أحد أبناء هذه اللغة.

يظهر لنا مما عرضناه فى هذا المقال، دور الترجمة الفعال والخطير فى تشكيل صفحة مهمة من صفحات التاريخ الثقافى لأوروبا، حيث كانت الترجمة، وستظل، معبرا مهما من معابر التواصل الحضارى، ورافدا غنيا يرفد نهر الثقافات العالمية ويثرى تنوعها.