موقع الكتابة الثقافي writers 29
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

صفاء النجار

مضى سبتمبر، مضت الأيام التى تأمن فى أوقاتها من قيظ الصيف وبرودة الشتاء، وهى امرأة وحيدة تلتحف بظل «كافورة» عتيقة دائمة الخضرة. من شرفتها تتابع العمال الذين يقلمون الأشجار ‏المغروسة فى جزيرة الطريق أمام بيتها.‏

أى حزن يضرب الروح لمرأى الأشجار عارية فى سبتمبر، لتساقط الفروع حية خضراء غضة، تخاف أن يدوس عليها أحد، وهى التى تابعت خريطة نموها، شهورا وأياما، الآن تراها شابة نضرة، ‏تنزف مستقبلها على الرصيف، مع ضربات مقص العمال، يتصاعد الإيقاع الحزين، يعيد لها صدى ذكريات نسيتها، أو تناستها، لكنها تطاردها كل ليلة.. تذكرها بنفسها فى أحلام غير مكتملة، شىء ناقص، ‏مبتور، غائم، موعد دواء، شعلة بوتاجاز تركتها مشتعلة، طعام يجب وضعه فى الثلاجة، يتردد صدى الحلم فى نفسها ما الذى كان عليها فعله ونسيته؟!، أية صفحة أهملتها من كتاب الكيمياء فى الثانوية ‏العامة؟!. يخايلها وجه غائم لكن صوته واضح «حاولت أحبك، ما قدرتش»، من هذا الرجل؟، زميل دراسة؟، ابن الجيران؟. طفل يبتسم لها وقطار يتحرك، لا تلحق بالقطار، الطفل جالس فى العربة، يلوح ‏بيده وهى تجرى على الرصيف، تسرع بكل قوتها، ملهوفة على الطفل، وهو مبتسم مطمئن، لاهثة مذعورة، تتوه فى زراعات واسعة، مساحات شاسعة، تشاهدها فقط على شاشة السينما، والقطارات تحاذيها ‏ذهابا وإيابا. ‏

تستيقظ فزعة، تجرى لحجرة ابنتها، ليس لها ابن، فأى طفل نسيته؟.. تعيد الغطاء المنزاح إلى وسط طفلتها، تتأملها، يتصارع فى داخلها الرجاء والخوف وعندما يأتى الصباح وتركب صغيرتها «الأوتو» ‏تستودع الله ابنتها خالية البال، لكنها حين تخلو بنفسها تخايلها كفوف مبتورة، فتغتم. ‏

تعود لنومها، فيحضر ما نسيته، خبيثا، مراوغا، وتعود القطارات خالية من ضحكات الصحاب، من عناق أيدى العشاق الصغار.. من أحد القطارات يرتفع عويل مكلومين، لا تظلهم سكينة الموت بل ‏تعصف بهم ريح الغضب فلا يكاد يستقر لهم مقام على الأرض، يقف قطارهم الذى لا يتحرك أمام رجل بهى الطلعة، ينزل الغاضبون، يلتفون حول الرجل يسألونه: ندعو فلا يستجاب لنا، فيعيد الرجل ‏الإجابة التى ذكرها لجدودهم من قبل. ‏

تقف السيدة حائرة، هل تلحق بالرجل؟، هل تسأله تفسير حلمها؟، لكنها مازالت نائمة، لا تمتلك إرادة حركتها، هى فقط تتحرك وفق صانع أحلامها، تستسلم السيدة لتيهها، تسند ظهرها لجذع نخلة. ‏

يجتاح أذنيها نحيب طفلة وحيدة جائعة، منزوية فى ركن لا يرقبه أحد، يزداد الصوت وضوحا كلما بدأت فى إعداد الطعام، أو عندما تفتح الثلاجة وتعيد ترتيب رفوفها بما يسمح بتوسعة لعلبة جديدة تضاف ‏لثلاجتها المكتظة، تتلفت بحثا عن مصدر الصوت، تفتح باب الشقة، تتطلع لباب الجارة، لعلها ذهبت للعمل وتركت ابنتها نائمة فاستيقظت الصغيرة جائعة، يطول تحديقها بالباب المغلق، وقبل أن تتحرك نحوه ‏تفاجأ بالطفلة ممسكة بيد والدتها العائدة من العمل. هل هو صوت القطة المحبوسة فى المنور؟!، تطل من النافذة، القطة غارقة فى نومها، يدفعها الصوت لالتهام شريحة كيك، ورك دجاجة، قطعة لحم. ‏أيام، شهور، يزداد وزنها كثيرا والطفلة الجائعة لا تشبع، استسلمت. تآلفت مع الصوت حتى إنها أصبحت ترصد أوقاته وأتاحت لها استكانتها أن تلاحظ اختفاءه فى الأيام التى يكون لديهم فيها مدعوون على ‏الغداء. فهمت ما يريده واستجابت له، وإذا حدث يوما ونسيت يذكرها بوعدها، فتنزل مسرعة متعللة بشراء كيس ملح، أو علبة كبريت. وفى يدها علبة طعام تمنحها لأول عابر سبيل تقابله فى الشارع. ‏

ويأتى أكتوبر، فيطيب البلح، لكنها الأيام لا تطيب.‏