الأمير .. هل خرج فعلا؟!

أحمد عبد الحميد النجار

محاولة الكتابة النقدية عن متتالية محمد عبد النبي “بعد أن يخرج الأمير للصيد” محاولة مفخَّخة؛ فهذا النص السردي القصير مبني على أزمة وجودية عميقة تصيب بطله الضد، فؤاد الملقب بالأمير، وهذا ما يجعل القراءة النقدية تقع بسهولة في “شرك” شرح المشروح وتفسير المفَسَّر، وتسقط أبعادا أخرى ممكنة للقراءة، فنية أو اجتماعية، بالإضافة إلى فخ آخر وهو تصور هذه المتتالية تنويعا آخر على سرد “الموت” كمصطلح شاع في التنظيرات السردية الأخيرة.

وها أنا ذا أستجيب للفخ عامدا مستمتعا، ربما كبداية فحسب. تكمن أزمة “فؤاد”، القلب المنهك، في بحثه الدائب دونما جدوى – كما يعترف هو – عن الإمساك بالمطلق المتعالي في سعي صوفي (بمعنى الانطلاق من وحدة الوجود) ينضجه الألم المستعذَب، مثلما تكمن في وعيه الحاد بالانفصال المسيطِر على العالم: انفصال الذات عن ذاتها، انفصال الأنا عن الآخر، انفصال الصور عن الأصول (الفن عن الواقع)، انفصال النسبي عن مطلقه، ولا غرابة – إذا – في أن يصدر النص ببيت الحلاج:

كفى حزنا أني أناديك دائبا           كأنـي غريـب أو كأنك غائب

ولا غرابة كذلك في هذه المراوحة في الحكي بين ضميري الأنا والهو، لتجسيد حالة من التمرئي، أو انقسام الذات على نفسها، وكذلك غلبة الحوار الداخلي على الوصف المشهدي. إنه من ثم مشغوف بالبحث عن “الاتصال” الذي قد يفضي إلى الاتحاد (الحضور الصوفي مرة أخرى) في كل شيء من حوله. كما أن النص منشغل بسؤال النهايات أو بالأحرى يتعجلها (النهايات مطلق أيضا) كما يبين من معاينة التأطير؛ بين البداية بالسؤال الوجودي القلق: “وما نهاية هذا كله؟”، والنهاية القائمة على المناجاة اللاهثة: “أنا عريان إلا من الروح فخذها إلى الواحد الفرد الصمد من وسم الأنامل لتقودنا إليه أطراف الأنامل في النهاية ومن زمان”.

   وسأعطي بعض الأمثلة للتدليل على تأسيس النص لبلاغة “الاتصال” التي توازن حس البطل الضاغط بالانفصال، وهي أمثلة دالَّة لأنها متكررة، سواء كان هذا التكرار نصيا أو منصوصا عليه من قبل الراوي، كما أن بعضها ذو طابع يجمع بين الأيقونية والترميز، متناسبا مع ولع البطل بالرسم والتصوير: أيقونة الأم والابن التي تطارده من أيام إيزيس وحورس وحتى على أكواب محلول معالجة الجفاف البلاستيكية، الحد الأقصى من الاحتضان… هذا الرسام البارع يجذبه بشدة الحاجبان المتصلان بشعر خفيف، ولو على سبيل التخيل (ص 23 ، 31)… العينان اللوزيتان للمسيح وكرم بخيت، وهما قوسان متعانقان، أمارة الاكتمال والمعانقة… كرم بخيت، الجار الصعيدي الأسمر الذي يقدمه الراوي بإعجاب، نموذج آخر لتضايف الضدين (ص 41) … صورة التوأم التي وضعها على الغلاف، وحكاية التوأم التي في الفصل الأول، دليل على افتتان خاص بالبحث عن “الأنا” المتمم لـ “الأنا” والمطابق له… اندماج المقدس بالشهواني في مقاطع لافتة بشعريتها العالية… تيمة القتل (معكوس الفناء في الآخر) التي هي – في إحدى تأويلاتها ووفقا لمنطق الحكي – تعبير عن رغبة الانا في الامتلاء عبر احتواء الآخر.

   هذه الأزمة الوجودية بقدر ما تسعى بصاحبها إلى التخلص من عبء الضرورات: الزمان والمكان والجسد، يمكن في المقابل أن تسعى به إلى التقوقع بغية الطمأنينة عبر التشرنق، وهو ما يفسر حنين البطل للمكان الرحمي: الضيق المغلق العتيق (حجرة الزاوية – الكنيسة …).

   هذا المضمون الذي لا يعكس واقعا خارجيا تمثيليا بقدر ما يعكس تجربة داخلية ذاتية يفسر – للوهلة الأولى على الأقل – شعرية السرد (الانعتاق من أسر النثر)، وهو ما يذكرنا دون شك برمزية الاستخدام الصوفي للغة، ليس للتقية، ولكن لأن تعالِي التجربة وخصوصيتها يتطلب بداهة لغة مماثلة في الخصوصية والتعالي. كما أن الاحتفاء بالأساليب الإنشائية من أمر واستفهام في تلك المقاطع التي يضطلع فيها الراوي بمهمة التعليق – يعكس قدرا كبيرا من الانفعال المناسب لتوهج التجربة وحرارتها.

   وتصل الشعرية إلى ذروتها في بعض المقاطع التي تجسد بلاغة الاتصال (المفتقد): “يا صائد الغزال من أجل المسك والغزال حر تقيده السهام إلى جرح الصحاري المفتوح على الوقت ولا يفنيه الوقت يمر به خفيفا كالغزال في صحارى المولى الكريم يا رمح السؤال يا سهم الله ثابت في الوقت رغم سفره من صدري إلى صدري..” (ص36) من خلال الإلحاح على صيغة النداء (السعي نحو الآخر)، والوصول إلى الحد الأقصى من تعانق النثر والشعر، واختفاء علامات الترقيم على نحو متعمد لنفي أي إيحاء بصري بـ “فواصل” ولو كانت شكلية.

   ولا يمثل السرد في المتتالية خطا صاعدا، بل إنه يبدأ من نقطة واقعية يفارقها مفارقة ناعمة إلى تأملات الراوي سرعان ما يعود معه الراوي بنا إلى نقطة واقعية أخرى وهكذا فيما يشبه التكوين الدائري. وبالمثل تفعل اللغة في علافتها بثنائية الشعر / اللاشعر؛ فهي تبدأ من نقطة تمثيلية تفارقها مفارقة هينة لتصعد إلى سماء اللغة الشاعرة، ثم تعود عبر تكوين دائري مشابه إلى نقطة تمثيلية أخرى وهكذا.

   أما الراوي فهو مهيمن على المحكيّ، وهو حاضر بوصفه ذاتا مفارقة تحكى من موقع المثقف صاحب الحساسية النقدية المتأملة، لا يتماهى مع بطله دائما؛ إنه أحيانا يشاغبه ويختلف معه، وربما يشتبك مع تصوراته / أوهامه: “حاولوا أن تجعلوه يفهم يا أولاد الحلال أن الألم ليس هو اللذة وأن الحب مفردة أخرى غير الموت” (ص 14) ، “طيب لو أن نجما قد احترق واختفى إلى الأبد لكن ضوءه يبقى مسافرا في الزمن، ويروح يراوغ هذا المتصوف المتوحد في صومعته بالخلاء. انظروا إليه كيف يكدح ويشقى في حب نجمه الواحد الذي رأى فيه حقيقة العالم كله.. لا تضحكوا منه فربما ذات ليلة عادية يصل إليه، إلى النجم الذي لم يعد له وجود بالمرة في سماء الله” (ص 48). المتتالية تمتح من بئر ما بعد الحداثة، من فتنة التلاعب بمفهوم “الحقيقة”، غير أن الكتابة لا تتلاعب من أجل التلاعب.. إن حيرة البطل وتردده بين الأضداد تعبير فني عن عمق أزمته الوجودية.

   إن إحدى مهمتي التوجه الاجتماعي في القراءة النقدية هي الكشف عن طبيعة العالم الاجتماعي داخل النص كمقولة قابلة للدراسة المستقلة في انسجامه (وربما تناقضه) مع دلالة النص. إن هذا الحس الضاغط بالانفصال لا يجد اكتماله في الوقائع الاجتماعية التي يعيش فؤاد بداخلها وعبرها، ولكنه نابع بالأساس من مفارقات هذه الوقائع: التمزق بين أب راضٍ وأم ساخطة، بين شعور بالتميز لدى الجميع (الأب – الأم “وديعة هانم” – الابن “فؤاد”) وواقع لا يناسب هذا التميز (وإن رآه القراء مفترضا)، بين تفوق البطل الدراسي والفني من ناحية وافتقاد المتع الصغيرة وتفاهات العيال من ناحية أخرى.. الخ. بل إن فؤاد كمثقف مثالي تجسيد لازدواجية مؤرقة يستشعرها هو نفسه: “كان يريد أن يغتسل من نزيف المشاوير الضائعة والكلام المزيف وجداول المواعيد الأسبوعية فارغة المعنى، من ضجيج المقاهي واللقاءات وتصنع المثقفين المقرف، من أصحابه الذين شربوا من دماء بعضهم البعض حبا وغيظا” (ص 41).

   هذا البطل / المثقف الذي يعيش محاصرا بالنصوص (خطابات تمثيل الذات) كما يقول راويه، ليست مشكلته في أن الحياة تضيق عليه (وهذا هو النسق الثقافي الصغير الذي يحاول تمريره عبر لغة سرد فاتنة)، بل في أنه يعيش فوق الحياة، متعاليا عليها، كراويه ولغته وطموحه.

عودة إلى الملف