إيمان مرسال: المدهشة

 المقطع أصابني بدهشة بالغة من اللغة البسيطة والمباشرة إلي الصور الصادمة والمبتكرة الي الحزن الواثق القوي الذي يقفز من كل صورة بالنص، وكان هذا بالنسبة لي أول خيط يربطني بهذه الشاعرة، بعدها عكفت علي البحث عن كل ما قد اصل إليه من شعر لها او من كتابات عنها علي صفحات الإنترنت، و هنا كانت الدهشة الثانية، إذ يبدو ان المجتمع الذكوري قد شكل وجداني بامتياز أنا التي تدعي الانحياز للمرأة و عقلها و حقها، لأني تصورت أن اجد إيمان مرسال شاعرة عجوز، دميمة، نظرا لجمال قصائدها و ثرائها، و حين رأيت صورة لها ترتدي بلورة سوداء تخفي رقبتها و تحدد فقط وجهها ،وجدتها صغيرة السن و جميلة وللمرة الثانية يظهر أمامي هذا الخيط الذي ربطني بقصائدها، الحزن الواثق القوي الذي لا ينوح ولا حتي يلوم قدر ما يواجه و يسرد ما حدث بشاعرية من فرط واقعيتها تبكيك، كل هذا وجدته في نظرة هذه الشاعرة، وكأنها تحدق فيك وتتحدي قدرتك علي الاعتراف، وهنا أتذكر لها بيتين من قصيدة “سلم الي القمر”:

حيث تبدو أي شجاعة في الصعود

قبول بأن لا شيء يحمي من التهشم

ثم دخلت الي عالم إيمان مرسال وقصائدها،الهزائم و الصلابة في مواجهتها، قسوة الواقع والأصدقاء، الحياة ومحاولة البحث عنها

صديقتي التي تركتني آخذ ترام مصر الجديدة القديم

بقميص مبقع بالدم

لم تكن قاسية.

لقد أرادت أن تجعلني قوية

فحاولت ألا أخيب ظنها

وواجهت عيون الذاهبين إلي وظائفهم

بالجلوس علي كتف السائق

أغني

بقميصِ مبقع بالدم، ولا حرج؛

حيث لا يجرؤ علي الغناء في القاهرة إلا المجانين.

مثلاً في المقطع السابق من قصيدة “أشباح” نجد إيمان تبرر قسوة الصديقة وترد عليها بشيء من العبث و الجنون ولو في صورة الغناء في القاهرة !

ثم جاء موقع الفيس بوك ووجدت إيمان مرسال عند العديد من الأصدقاء، ثم واتتني الجرأة لأرسل لها طلب صداقة وهذا ما لا افعله عادة مع احد ليست لي به علاقة شخصية وتوقعت أن تهمل طلبي تماماً، لكني فوجئت بأنها تقبله بل وأنها تتابع ما أكتبه وًترد علي رسائلي لها وكانت هذه دهشة ثالثة، فكثير من أنصاف الموهوبين الذين أتاحت لهم علاقتهم في الوسط الثقافي المصري فرص للنشر والانتشار والتلميع يرفضون حتي النظر لكاتب جديد، فأن تتعامل قامة شعرية ثرية مثل إيمان مرسال بهذا الود والتواضع كان مدهشاً بالنسبة لي، ويبدو أن علاقتي بإيمان مرسال هي ببساطة الانتقال من دهشة لدهشة علي المستوي الشعري و الشخصي، فحدث أن جاءت إيمان لمصر في زيارة وفوجئت أنها تطلب هاتفي وترتب لقاء في كافيه بوسط البلد وهالني هذا الود والبساطة، وكأني التقي بصديقة قديمة نتحدث عن إخبارنا و نلتقي باصدقائنا المشتركين.

يظل ديوان جغرافيا بديلة هو الأقرب لقلبي من شعر إيمان مرسال، الا ان ديوانها الأخير”حتي أتخلي عن فكرة البيوت” ديوان لافت جداً في تطور كتابة إيمان مرسال إذ يحمل من الهدوء والحكمة ما يشبه جلوس الشاعرة علي هضبة عالية وتأمل مشوارها كله من البداية حتي لحظة كتابة الديوان، محاولة لفهم الحياة و تلخيصها والوقوف علي حقيقتها وأسباب الحزن، محاولة لسرد الإجابات بدلا من البحث عنها.

مثلا في هذا المقطع من قصيدة “حياة”:

حياتي التي فشلتُ دائماً في لمسها، في أن أجد صورةً لي معها، بجانبي على نفس السرير، تفتحُ عينيْها بعد غيبوبةٍ طويلةٍ، تتمطّى كأميرة واثقة أن قصر أبيها محميٌّ من اللصوص، أن السعادة تحت الجلد رغم الحروب التي لا تنام.

هنا محاولة واضحة للتصالح مع الحياة/ الذات

وهذا ما لم أجده سابقا في أي من شعر إيمان مرسال

كذلك في قصيدتها “النجاة”، تقول إيمان:

هل النجاة أن تكون في صحراء كهذه، وتحت قدميك جوهرة لم تكن تعرف أنك تبحث عنها؟

كأنها تقول أن الحياة كلها، ألمها وأسئلتها، كانت أبسط من كل هذا الحزن فقط تجاهلنا جوهرة تقبع تماماً تحت أقدامنا.

حتي التأمل في عناوين قصائد هذا الديوان:

المرشد الأمين للبنات والبنين بعد سن الأربعين

كتاب الرغبة

فكرة البيوت

وكأنها تلخص ما فات وتكتشف هدوء الحكمة وتتخلى عن هذا التحدي الذي ملا قصائدها سابقاً

في النهاية لا أجد إلا أن ألخص علاقتي بإيمان مرسال في كلمة “دهشة”، تلك الشاعرة والإنسانة التي أدهشتني دائما.

 

عودة إلى الملف