إنجازية الجسد.. قراءة تربّصية في “كتاب المراحيض”

 قيس عمر

تسعى هذه القراءة إلى الكشف عن المهيمنات الجمالية/ المعرفية، التي تُعدّ واحدة من أدوات هذا الكتاب، إذ شكّلت تحالفاً لا يمكن هضمه إلا وفق مفهوم (الكتابة) العابرة التأطير، ومن هنا يمكن لي أن أعدّ هذه الكتابة كتابةً (غير ضالة) بالمعنى المؤدلج، تسعى إلى توصيف الكتابة بوصفها تحولاً متواصلاً، قادماً من المستقبل دوماً؛ لهذا سيبقى مفهوم (الكتابة) خارج مفهوم كل قراءة تربّصية مؤطرة بالمواضعات المدرسية.

إنّ مشغل (لؤي حمزة عباس) يمتاز بانفتاحه على مفهوم الكتابة بوصفها مشغلاً عابراً كلَّ أفق، وفعلاً متجاوزاً كلَّ حدود أجناسية ممكنة، يسعى بقوة هائلة لكسر وتدمير كلّ أوّاليات كتابية خاضعة لسياق النموذج، و(كتاب المراحيض) هو: كتابة لا يمكن إخضاعها للمهيمنات الأجناسية السائدة؛ ذلك أنها كتابة عابرة ومتجاوزة لكل اشتراط قارّ، كتابةٌ دؤوبة تحاول سحب القارئ من البعد الخارجي وإدخاله إلى الداخل؛ لينتقل الوعي من مجاله القشري – بفعل التكرار والنمطية – إلى العمق في رحم الكتابة ورحم الواقع المطمور، إلى حيث جسده الذي توقف عن التحديق إليه، وصار منشغلاً بالتحديق في الخارج القشري، هي كتابة تتخذ من الجسد والمكان مشغلاً حيوياً؛ لتمنح الكتابةُ فيه نفسها بعداً ذاتياً عبر التحديق والرصد، والتأمّل، إذن: هي عملية تحديق طويلة إلى الانسان والمكان؛ ليقدّم لنا مشهداً بانورامياً لفعل الانسان داخل المكان، في لحظته المعزولة عن العالم، كاشفاً بهذا إنجازيةَ الجسد الكبرى، لا سيّما أنّ هذا النوع من الكتابة قادرٌ على إعادة منح الأدب بعداً معرفياً، لا يتقوم إلا بالموضوعية، التي وردت عبر التآزر بين التخييل/ المعرفة، وهذا التضايف الجديد أعاد الثقة بالأدب، ومنحه بعداً يزاحم العلومَ الموضوعية بكل جدية ورصانة.

يرصد (لؤي حمزة عباس) الأماكن الأكثر هشاشة و(بذاءة)، أماكن بقيت القراءة القديمة تسقط عليها مواضعات ثنائيات تاريخية تتمثل بــ(الطاهر/ المدنس)، أماكن تمّ وصمها في الذاكرة المخيلاتية العربية والانسانية عامّة بـ(الهامشيّ المدنّس)؛ لتتحول بعد الممارسات الواصمة إياها إلى فضاءات هندسية معاقة ومنفصلة عن فعلها (الأرشيفي) في حفظ إفرازات الانسان، ومعزولة عن مرجعياتها التراكمية وهي تتحول وتتنوع، (فالمرحاض) مكان تم محوه من خارطة الطوبوغرافيا (الطهرية) لينتقل إلى طوبوغرافيا (المدنس)، وهذه الانتقالة الخطيرة للأماكن من حيزها الطبيعي، وسحبها إلى فضاء هندسي يقوم على ثنائيات تاريخية جعل (المرحاض) يلتحق بفضاء (الغرق التداولي)، الذي لا يستدعي إلا دلالة تقليدية تنهض على قراءات (تربصية مؤدلجة) محكومة بثنائيات تاريخية، بفعل مرجعياتها الدينية والسياسية والاجتماعية.

إنه يمسك بتلك التحولات والتبدّلات التي صاحبت هذه الأماكن، ويحرّر القراءة ويذهب بها عبر فعل الكتابة إلى متابعة المكان وسرد انهماماته الغارقة في (البذاءة) والسوائل الكريهة المتبوعة بالروائح النتنة، ولا غرابة أن يكون المرحاضُ حجرَ الزاوية الذي عبره سيتم رصدُ خطاطات المكان ثقافياً، والامساكُ بشواغله المتنحّية عن العين الرائية، فالمرحاض يقوم من خلال معماريّته على إشاعة مفهوم دلالي هو (السجن)، إذ هو أكثر الأفعال البشرية سِرّانية وحميمية وخجلا، فـ(فكرة المرحاض تستدعي سجنا تسجن مدلولاتها فيه، حفاظا على كائن أكثر نظافة وأشد ترفعا)([2])، إذ أنّ فلسفة المعمار المراحيضيّ ليستْ إلّا وليدة بنية ثقافية، عملت بشكل تاريخي تعاقبي على منح الجسد بعداً (تأثيميا) في لحظته الحميمة، لحظة (التخري) بوصفها فعلاً مفارقاً، ومخجلاً وخادشاً لمفهوم (الكمال الجسدي)، وهو ممارسة لا يمكن حشرها إلّا في خطاطة التطهّر والتطهير من الدنس، ليكون أكثر ترفعاً وأكثر روحانية، حين يتخلّص من تلك الافرازات، بينما يذهب لؤي حمزة عبر فحصة (المعرفي/ السردي) إلى قلب معادلة (مركز/هامش)،  فيذهب إلى لحظة تحطيم المركوز في البنية الثقافية ويتمكن من الامساك بتلك الممارسة: (فعل الجسد)، ويذهب بها إلى مديات أعمق في بعدها الموضوعي المتضايف مع فعل المخيلة (من بين الأفعال العارضة التي تكاد تكون بسبب عرضها وبساطتها غير مرئية، ينبثق فعل الجسد في المرحاض، ليعيد توزيع الأدوار والمهمات في لحظة الملاحظة وإجالة  النظر التي يجلس فيها المرء على المقعد، إنه يُخضع جلّ أفعاله للفحص والتثمين وهي تستعاد أمامه في حركتها اليومية، ينظر إليها من خارجها ويشعر بها شعوراً عميقاً كما لو كان ما يزال بداخلها بحكم ما يوفره المرحاض من فاعلية مكانية مزدوجة حيث يكون المرء داخل الفعل وخارجه، راصداً ومرصوداً في آن)([3])، هذه المفارقة المعرفيّة التي يسوقها هنا، تكشف عن فعل الجسد  وهو في لحظته (الانجازية الجسدية)، المتوّجة بفعل (التخري)، هي لحظة يكون فيها الرائي ممارساً للرؤية والفحص والتثمين من الداخل، عبر فعل انبساط العضلات وتقلصاتها التي يقوم بها جسده، فهو داخل الفعل وممارسٌ لسلطته العضلية على فعل الجسد، ويحاول التخلّص منها ودفعها للخارج، ليتحوّل بشكل مباشر دون أي فاصل أو مسافة إلى كونه خارجاً عن الفعل، متحولا إلى الآخر عبر رصده للخارج من جسده.

إنّ الجسد هنا يقوم بفعله (الانجازي) منصتاً لنفسه فقط، إنه الانصات الأكثر أصالة لفعل الجسد وهو يقوم بإنجازيته، مانحاً الذات منظوراً غريباً يجعله ينتقل من (أنا) الى (آخر) دون فاصل وبشكل سريع، فهو يمارس الفعل ويستشعر خروجه، وينتقل بذات الوقت إلى (خارج) عن الفعل من خلال النظر والتقييم والتثمين للخارج من جسده، إنه يصغي لفعله الأزلي وعزلته.

……………………………………

[1] – كتاب المراحيض، لؤي حمزة عباس،، نشر وتوزيع دار المعقدين، ط2_2018.

([2]) كتاب المراحيض، لؤي حمزة عباس، نشر وتوزيع دار المعقدين، ط2_2018: 136

([3]) كتاب المراحيض: 75.