موقع الكتابة الثقافي uncategorized 25
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

نها أحمد رزق 

“متفردا بصبابتي، متفردا بكآبتي، متفردا بعنائي..”*

صعبٌ على الصغيرة أن تفهم لماذا لا تبتسم لها الخالة؟ وأين تغرق نظرتها كل هذه الساعات، تضحكها، تغالي في إضحاكها وتحيط بها من يمينها وشمالها ولا تنجح محاولتها. لا تغضبي يا صغيرتي فالبحر أيضًا قد فشل في دغدغة مشاعرها، تبتسم نصف ابتسامة باهتة وهي تنظر الي اللاشيء، لا بد أنها تري شيئًا، هنا يتمشيان جنب إلى جنب، يضحكان سويًا ويتلامسان عن قصدٍ أو بغير.
تعرف.. كما يعرف الجميع أن ما كان بينهما لم يكن كبيرًا.. ليس في كبر قرص الشمس التي إذا ما غابت استحالت دونها الحياة، ولكنه كان حلوا وشهيًا كنهر من أنهار الجنة التي وعدنا بها الرحمن إذا ما صبرنا ووفينا عهدنا اليه. 
حسنا يا الله.. كان ظني خاطئًا بعض الشيء.

في المساء، ألتف حول وسادتي، أريح قلبي وأضلعي قليلا، أتركها تتحمل كل هذا الثقل عني لبضع ثوان قبل أن يبكي قلبي مرتبكا كالصغير الذي ظن انه فقد أمه للتو. أشاهد فيلما لفاتن حمامة، لطالما كانت اختياري الأول، أنبهر بكم الفتنة التي تثيرها حولها هذه السيدة الجميلة في كل التفاتة وقول وأفكر لأي مدي قد يحمل المرأ ما يدل عليه من اسمه، من سنوات وأنا لا أشارك صورها مع الاصدقاء، أخشي أن يلحق بها ولو قدرا قليلا من الأذي وهي بين يدي الله الآن فأتجاوز صورتها وأدعوا لها بالمغفرة،
 فعلي قدر المحبة يأتي إعتنائنا بالمحبوب.

هل أكرهه؟ هل أكرهه الآن؟
يبدو التوقيت مناسبًا.. قلبي منفطر تمامًا، عقلي مشوش وحديثي مرتبك.. أفوت كل إشارات التوقف رغمًا عني، فأركض أركض دائمًا بغير اتجاه ولا وجهة محددة.. غير أني لا أحتمل البقاء هكذا.. أريد طبيبًا ينتزع مني ذلك الشعور الذي لا يفهمه أحد غيري.. أنا أم لطفلٍ في الحادية والثلاثين من عمره، لا يملك أي صفة تجعلني فخورة به، أنا حبيبةٌ لقلبٍ مجرد من الإحساس والإنسانية.. لا يعرف شيئًا عن الحب ولا الأحباء.. لكني مؤمنة أيضًا أن قلب كل حبيبة هو في الأصل قلب أم، وأمومتي تحتم علي ألا أتخلص من حبه حتي إن أردت! لا أحد يفهمني ولا حتي ذلك الطبيب الذي أحضروه!
 
أستعين بسعاد حسني كخلفية لهاتفي النقّال، تعزّز ثقتي بنفسي كلما رأيتها تبتسم لي، تلك الشقية التي احتفظت بحلاوتها حتي بعدما طالها من الهم، تبدو في الخمسين من عمرها في هذه الصورة، تلك المرحلة التي بدت فيها كامرأة مكتملة التجارب، ولأن عيني سعاد دائما ما تشي بها، تغرق الشاشة بدموعي حتى تكاد أن تختنق.

كيف أتخلي عن كل شيء.. أتركه ورائي وأمضي قدما كأن لم يمسسني ألم.. كيف أتجاهل تلك اللدغة التي تأصلت في دمي وجلدي وروحي فصرت كلما أغمضت عيني رأيت أفعى كبيرة تعتصر جسدي ولا أجد سبيلا للصراخ فأضحك..
في الصباح أحشر نفسي في ثوب الرزانة وأؤكد ان الأمور تحت السيطرة وأنا لا أدري أنه حتي الثوب نفسه يحتاج لمن يدفع عنه كدره وخوفه وألمه.  

يحاوطني صوت السيدة فيروز من مذياع  سيارتي، مؤكدة علي وجهة نظري التي ظللت أحاجّ بها أمي أيام طوال “يا رحلة في مدي النسيان موجعة، ما كان أغني الهوي عنها وأغنانا”
لا أستطيع التخلص من ذلك السؤال الواحد الذي لا تعرف إجابته أمي ولا صديقاتي ولا هو نفسه، هذا الوجع القائم الذي لا يغادرني يتوحش في تلك السويعات قبل غفوتنا وحين نستيقظ لا نتذكر عند اي نقطة توقفنا فنعيد الكرّة غدا وبعد غد ولعدد لا يستهان به من الأيام القادمة:

يا هذا، كيف أمكنك ان تفعل هذا بي؟
يهيء لي أن أقابله، أقف أمامه بكل شجاعة، ألقي على مسامعه ما أردت قوله كله دفعة واحدة، لن أتوقف مهما ترجاني أن أفعل، سألقي اليه بكومة الغضب والاشتياق، والقسوة والحب، والكذب والجبن والخيانة.. ذلك الشعور بالتخلي والضياع بعدما أوهموك أنك أخيرًا وجدت وجهتك المفقودة..
يا هذا، كنت أحبك.. لماذ أهنتني؟
ولكن كيف..؟ من أين لي بذلك الثبات الذي يضمن الّا تتحطم كل ماكينات دفاعي وتفاجأني دموعي.. فأستعيض بالبكاء بدلا عن كل هذا وينتهي الأمر قبل أن يبدأ، كحكايتنا تمامًا.
بالأمس حين رأيتك في الحلم أشحت وجهي عنك وتعللت بسبب – لا أذكره الآن- كي نتشاجر. أريد فرصة واحدة.. سببا واحدا أقصّه علي نفسي كل ليلة كي تستطيع النوم، أريد فرصة واحدة كي أتعارك معك، أصرخ في وجهك.. أبعد ذراعيك في عنف حين تحاول احتوائي وبعدها أرحل. أرحل دون حاجة لأن أدعو الله ان اقابلك صدفة لأني -ولخجلي الشديد من روحي- مازلت أشتاق إلى وجهك المحبب إلي.  

أفكر في تلك السيدة التي قرأت عنها منذ يومين وكيف أنها تخلت عن كل شيء في مقابل أن يشعل احدهم فتيلها الأنثوي وكيف أنها فوجئت بينابيع من المتعة والرغبة لم تكن تدري أنها تحملها بداخلها.. لأول مرة أتفهّم ما قد يدفع اليه الغياب والشوق والاحتياج.. لأول مرة افكّر لو أنه رد على هاتفه حين اتصلت للمرة المائة وشاركني بعض من أحداث يومه الحقيقية، ما قضيت ليلي متكدرة ولا كانت فكرت هي في خيانة زوجها وخيانة نفسها..

أحتاج الآن لنساء العالم لأن يجتمعن حولي، يربتن علي كتفي ويمسحن ذلك الألم بأصابعهن الموجوعة اصلا كترنيمة من كل بنات حواء ابتهالا الي الله العظيم كي يزيل هذا الصدع القائم في صدري منذ قرر أن يرحل عني.. حتي وإن كنت أعرف حقيقة قدره وأدرك صغر حجمه.
أذهب إلى حجرتي ليلا مهشمة الخاطر والفؤاد، ستصير الأمور اذن بخير لا أعرف متي بالتحديد ولكن.. له من الله ما يستحق مثلما يردد أبي كي يخفف عني الأمر قليلا.. وأن كان لا يخف.
 صحيح..
سأكرّس بعضًا من وقتي كي أدعو الله لك ان تنال ولو شيئا من اسمك وتصبح “درويشا” بحق!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*خليل مطران

كاتبة مصرية

31/07/2019
2.30 am