موقع الكتابة الثقافي uncategorized
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

 د.خالد عاشور

 أمنحوتب الرابع أو إخناتون هو إحدي الشخصيات التاريخية الفرعونية المثيرة للجدل إن لم يكن أكثرها علي الإطلاق؛ نظراً لما أحاط سيرته من غموض تاريخي وكذلك لجرأة ما قام به من ثورة دينية غير مسبوقة في التاريخ الفرعوني والإنساني علي السواء.

حكم أمنحوتب الرابع في الفترة التاريخية التي تمتد من 1375 إلي عام 1358 ق.م وهو واحد من حكام الأسرة الثامنة عشرة، ورث مملكة مترامية الأطراف مرهوبة الجانب من جده تحتمس الثالث وأبيه أمنحوتب الرابع. لكن المؤرخين يذكرون أنه تسنم قمة هذا المجد علي طريق الصدفة؛ إذ كان أبوه يعد أخيه الأكبر تحتمس لولاية العرش إعداداً عسكرياً وسياسياً، غير أن المنية عاجلته قبل أن يصل إلي العرش، فاضطر أمنحتب الثالث إلي إشراك أخيه الأصغر أمنحتب الرابع في الحكم بعد أن شعر بوطأة المرض وقرب نهايته.

يذكر مؤرخو إخناتون أيضاً أن الرجل نحا منحيً مختلفاً عن آبائه و أجداده؛ فلم يسع إلي توسيع المملكة المصرية وتعزيز حدودها الجغرافية والسياسية، بل انصرف إلي تصويب مسار العقيدة الدينية وأحيا عقيدة رع (عبادة الشمس) في صورتها الآتونية الجديدة التي نحت نحو التجريد ونفي التعدد والنزوع نحو التوحيد، وهي أفكار سابقة لعصرها ومباديء تحتاج لنضج عقلي وتطور ديني، فلم تقو العقول علي هضمها فضلاً عن الالتزام بها، فكان أن تهيأت التربة الصالحة للتمرد والعصيان التي بذرها كهنة آمون الذين دالت دولتهم ودولته في حقبة حكم إخناتون، ورمي الرجل بالكفر والهرطقة، فنقل مركز الحكم إلي أخيتاتون شمال طيبة. واستمر في نهجه علي الرغم مما حاق بمملكته من تمزق وتفتت واضطرابات عمت الممالك المصرية في سوريا وفلسطين شمالاً ، إذ لم يكن نبي آتون راغباً في استخدام الحرب سبيلاً لتثبيت ملكه.

يتفق مؤرخو إخناتون علي أن الكشف الحقيقي للرجل وثورته الرائعة تمثلت في فنه وليس في دينه؛ ففي عهده بدأ الفن يتنازل عن الكلاسيكية وينزع إلي الحقيقة السافرة في تصوير طبيعة الأشياء، فقد رأينا لأول مرة في عهد إخناتون آثاراً تتخذ من العلاقات الإنسانية موضوعاً لها؛ فتصور الفرعون إلي جانب زوجته في جولاتهما معاً : في دار العبادة ، وفي شرفات القصر وحينما يخرجان للنزهة في عربته وهو يقبلها علي الطريق في غير حرج أو وهما يداعبان أطفالهما. وحين يختطف الموت إحدي صغيراته تظهره الصورة وهو يبكيها كما يبكي الناس موتاهم ثم يقف مع زوجته علي نعشها باكيين نادبين يودعاها.  

يحيط الغموض بمعظم مراحل حياة إخناتون: نشأته، دوافع ثورته، حقيقة علاقاته الأسرية، نهايته. ولعل ذلك هو ما جعل منه شخصية فنية بامتياز كما سنري.

 

مسلسل     اسم المؤلف         عنوان العمل    تاريخ       النشر (·)

 

   نوع العمل
1

 

2

 

 

3

 

4

 

5

 

6

 

7

 

8

 

9

 

10

 

11

 

12

 

13

 

14

أجاثا كريستي

 

أدليدادن فيللبوتس

 

 

علي أحمد باكثير

 

عادل كامل

 

ألفريد فرج

 

أحمد سويلم

 

نجيب محفوظ

 

شوقي خميس

 

مهدي بندق

 

منصور مكاوي

 

إبراهيم الحسيني 

 

وجدي زيد

 

محمد المنسي قنديل

 

 جيلبرت سينويه

إخناتون

 

إخناتون

 

 

إخناتون ونفرتيتي

 

ملك من شعاع

 

سقوط فرعون

 

إخناتون

 

العائش في الحقيقة

 

إخناتون ملك التوحيد

 

آخر أيام إخناتون

 

إخناتون

 

أيام إخناتون الأخيرة

 

الفرعون الأخير

 

تل العمارنة (يوم غائم

 في البر الغربي)

إخناتون … الإله اللعين

1937

 

1938(·)

 

 

1938

 

1941

 

1957

 

1978

 

1985

 

1996

 

1998

 

2002

 

2003

 

2005

 

2011

 

2011

مسرحية نثرية (مترجمة)

مسرحية نثرية (مترجمة)

 

مسرحية شعرية

 

رواية

 

مسرحية نثرية

 

مسرحية شعرية

 

رواية

 

مسرحية شعرية

 

مسرحية شعرية

 

مسرحية  نثرية

 

مسرحية عامية

 

مسرحية عامية

 

رواية قصيرة

 

رواية مترجمة

 علي هامش البيبليوجرافيا:

نلحظ من البيبليوجرافيا السابقة عدة ملاحظات :

  • أن الإنتاج الأدبي عن إخناتون شمل الأنواع الأدبية التالية:

مسرح شعري: أربع مسرحيات

رواية: أربع روايات : ثلاث مصرية وواحدة مترجمة

مسرح نثري: مسرحيتان

مسرح عامية: مسرحيتان

مسرح مترجم: مسرحيتان

أي أن المسرح كان له الغلبة بعدد أكبر بكثير من الرواية، والمسرح الشعري بعدد أكبر من المسرح النثري. ولعل ذلك يرجع إلي  طبيعة الموضوع والشخصية ذات الصلة الوثيقة بالشعر؛ فإخناتون شاعر ترك نصوصاً شعرية خالصة هي :”أناشيد إخناتون” وظفتها كثير من المسرحيات الشعرية في تضاعيف نصوصها بالفعل. فضلاً عن ثورة الرجل وما صاحبها من تطورات مأسوية تمثلت في نهاية إخناتون والغموض الذي أحاط بها. وهي موضوعات أقرب  للشعر منها للنثر. وحتي الأعمال النثرية التي دارت حول إخناتون مثل الروايات والمسرحيات النثرية لم تخل من شاعرية في الأسلوب والمعالجة مثل مسرحية ألفريد فرج “سقوط فرعون” التي يقول في مقدمتها :”إن حرصي علي شاعرية الحوار في هذه القصة ذات الطابع الأثري – بل أكاد أقول ذات المذاق الأسطوري – لم يدع لي فرصة لتجنب الجهد الجهيد الذي بذلته في محاكاة القيم الجمالية في الآثار الأدبية القديمة، والقياس عليها ، ولم يدع لي فرصة الفكاك من عبقرية إخناتون شاعراً وأديباً ومؤلفاً لقصائد من أعمق وأرقي الأغاني والصلوات في كل عصور مصر القديمة”([1]).

ويتكرر الأمر مع عادل كامل ونجيب محفوظ ومحمد المنسي قنديل في رواياتهم عن إخناتون وحتي في المسرحيات النثرية لم تخل المعالجة من هذا الملمح([2]).

  • أن من بين الأعمال السابقة خمسة أعمال لم تحمل اسم إخناتون وهي: ملك من شعاع (رواية) ، العائش في الحقيقة  (رواية) ، سقوط فرعون(مسرحية نثرية) ، الفرعون الأخير (مسرحية عامية) ، تل العمارنة (رواية قصيرة ).

 وبقية الأعمال حملت اسم إخناتون إما مفرداَ أو ملحقاً بكلمات أخري: فقد حمل أربعة عناوين اسم إخناتون فقط هي:  إخناتون (مسرحية شعرية )  أحمد سويلم ، إخناتون (مسرحية عامية ) منصور مكاوي، إخناتون (مسرحية مترجمة) أجاثا كريستي، إخناتون (مسرحية مترجمة) أدليدادن فلليبوتس.

 وحملت أربعة عناوين اسم إخناتون في صيغ مختلفة: فجاء مرة في صيغة العطف: إخناتون ونفرتيتي (مسرحية شعرية) علي باكثير, ومرتين في صيغة التوابع : إخناتون ملك التوحيد (مسرحية شعرية) شوقي خميس، إخناتون .. الإله اللعين (رواية مترجمة ) جيلبرت سينويه ، ومرتين في صيغة الإضافة : آخر أيام إخناتون (مسرحية شعرية ) مهدي بندق، أيام إخناتون الأخيرة (مسرحية عامية ) إبراهيم الحسيني.

  • من بين هذه الأعمال مسرحيتان تضمن عنوانهما كلمة أيام في صيغة متقاربة وهما : آخر أيام إخناتون (مسرح شعري) مهدي بندق، أيام إخناتون الأخيرة (مسرح عامية) إبراهيم الحسيني.
  • لم يرد اسم نفرتيتي عنواناً إلا في عنوان مسرحية علي باكثير الشعرية : إخناتون ونفرتيتي .
  • استمر التأليف الأدبي عن إخناتون علي مدي العقود الزمنية منذ الثلاثينيات بواقع عمل واحد كل عقد زمني ماعدا عقد الستينيات الذي خلا من أي عمل وعقد التسعينيات الذي شهد مسرحيتين شعريتين، وعقد الألفية الأول الذي شهد أربعة أعمال كلها مسرحيات(اثنتان عامية وواحدة شعرية وواحدة نثرية) يستثني من هذا الأعمال المترجمة (مسرحيتان) واحدة كتبت عام 1937 ونشرت 1977 (أجاثا كريستي) والأخري تاريخ كتابتها ونشرها غير معلوم علي وجه الدقة (أدليدادن فلليبوتس)
  • نجيب محفوظ هو الوحيد من بين كُتاب إخناتون الذي عرج علي هذه الشخصية في أعمال أخري بخلاف “العائش في الحقيقة” وإن كان ذكرها يأتي عرضاً وليس كشخصية رئيسية وذلك في أعمال: صوت من العالم الآخر (قصة قصيرة 1938) ، السماء السابعة (قصة قصيرة 1979) ، أمام العرش (حوارية 198).

 

ثانياً: مقدمة نقدية:

حين أقبل الكتاب والمؤلفون علي شخصية إخناتون وعصره مادةً لأدبهم، كانوا في ذلك كمن وجد كنزاً فنياً حقيقياً. إذ تنطوي هذه الشخصية علي مجموعة من العناصر تجعلها بحق شخصية ذات مواصفات فنية قياسية.

ففضلاً عن أن إخناتون في الأصل أديب وفنان، ولم يتبق من تراثه إلا ما يدخل في دائرة الفن؛ ثمة عناصر أخري: 

فقد أشرنا إلي مجموعة المتناقضات التي تحيط بشخصه، فوجهات النظر التي قيلت فيه، تقف كل واحدة منها علي طرف نقيض من الأخري: نبي أم مهرطق، مصلح أم مجرم، ثائر أم متخاذل، قوي أم ضعيف، سوي أم شاذ، رجل أم امرأة؟

كما وأن مساحة الغموض التي أحاطت بحياة إخناتون وبمراحلها المختلفة – من البداية إلي النهاية – أكبر من مساحة الكشف في هذه الحياة، فمناطق الظلال أكثر اتساعاً من مناطق الضوء، وما هو غير معروف يربو علي ما هو معروف، واليقين في كلٍ غائب.

أضف إلي هذا أن شخصية إخناتون بما ورد عنها في كتب التاريخ، تجسيد مثالي للبطل المأسوي بالمعني الفني. وقد ظل انتقاء أبطال المآسي في الآداب القديمة لابد وأن يكون من بين الشخصيات المرموقة، ملك مثلاً أو أمير، مثل ماكبث ولير وهاملت شكسبير، أو شخصيات ذات قوة خاصة كما في دكتور فاوست. والتعريفات التي وُضعت لمفهوم المأساة في الفن منذ أرسطو تنطبق علي هذه الشخصية:

فالبطل المأسوي كما يراه أرسطو: “إنسان لا يتفوق فضلاً وعدلاً، لحقت به مصيبته دون سبب من رذيلة أو عوج، بل عن طريق خطأ في حكم، من بين أولئك الذين ينعمون بسمعة عظيمة وازدهار، مثل أويديبوس وثايستس، والرجال البارزين من أسر مشابهة…. والتغير في أحوال البطل يجب ألا يكون من الشقاوة إلي السعادة، بل علي النقيض من ذلك، من السعادة إلي الشقاوة، وعلة ذلك يجب ألا تكمن في أي عوج، بل في غلطة عظيمة من جانبه، وقد يكون المرء ذاته كما وصفنا، أو أفضل، لا أسوأ، من ذلك” ([3])

وثمة تعريفات أخري للمأساة كلها تنطبق علي شخصية إخناتون، مثل: “المأساة رواية أحوال الأبطال أو أنصاف الآلهة من الأشخاص في حال من الشدة”. “تتكون المأساة من قصص حزينة عن الأمم والملوك”. “المأساة حكاية قصة معينة مما تذكره لنا الكتب القديمة، عن امريء عاش في خير عميم ثم هوي من منزلته العالية نحو الشقاوة، وانتهي في بؤس”.

هذا فضلاً عن أن ثمَّ تفاصيل أخري داخل حياة إخناتون، ضاعفت من “فنية” هذه الشخصية، مثل سماته الجسدية والنفسية التي تنزع نحو الرقة والرومانسية والضعف، وإثارة الشفقة والتعاطف.

كذلك علاقته المثيرة للجدل بأمه والتي اقتربت في بعض وجوهها من أن تكون نسخة مصرية فرعونية من “مأساة أوديب”. كما وأن العلاقة العاطفية بينه وبين زوجه “نفرتيتي” جعلت من قصتهما “روميو وجولييت” أخري. 

كذلك علاقة الصداقة المتوترة بينه وبين “حورمحب” والتي تتراوح بين البغض والحب، والصراع من أجل المصلحة العامة والخاصة.

والحق أن ثلاثية العلاقة بين إخناتون وبين كل من أمه وزوجه وصديقه، مثلت معالم فاصلة فيما كُتب من أدب حول هذه الشخصية.

ولا شك أن كل هذه العوامل متفرقة ومجتمعة في شخصية إخناتون وحولها جعلت من هذه الشخصية بحق شخصية فنية بامتياز، أقرب إلي الأدب منها إلي التاريخ.

 

أدب إخناتون:

يمكن أن نقول بحق إن ثمة مكتبة أدبية تكونت إبداعاً حول هذه الشخصية وعصرها وحكاياتها، في الأدب العربي (في مصر) وفي الأدب العالمي أيضاً. اختلفت فيها منطلقات التناول والمرامي السياسية والاجتماعية والدينية، باختلاف الموهبة والتكوين الفكري والفني.

  • نلمس ابتداء عند بعض من كتبوا عن إخناتون شعوراً بأن مهمة الكتابة عن هذه الشخصية – رغم متعتها – مهمة محفوفة بالمخاطر الفنية والفكرية؛ فهي مهمة البحث عن الحقيقة، وما أصعبها من مهمة.

يظهر ذلك في مفتتح رواية المنسي قنديل “يوم غائم في البر الغربي” حين يطرح سؤالاً معبراً عن هذا الإحساس: “مَن يزيح أقنعة الزمن، وينزع لفائف الكتان عن غموض الحقيقة؟”([4])

وفي مفتتح رواية نجيب محفوظ “العائش في الحقيقة” نجد ميلاد الرغبة المثيرة في الكشف: “ولدت الرغبة في أعقاب نظرة مفعمة بالإثارة” ([5]).

غير أن هذا الكشف محفوف بالمصاعب فهو كشف عن أشياء من عالم العدم. تصف الرواية حياة إخناتون حين تصف مدينته، مدينة “المارق” لتعبر عن هذا المجهول:” مدينة تطل من أركانها عظمة غابرة، ويزحف الفناء بنهم علي جنباتها وأشيائها. مترامية بين النيل غرباً ومحراب الجبل شرقاً، متعرية الأشجار، خالية الطرقات، مغلقة الأبواب والنوافذ كالجفون المسدلة، لا تنبض بها حياة ولا تند عنها حركة، يجثم فوقها الصمت، وتخيم عليها الكآبة وتلوح في قسماتها أمارات الموت”([6]).

والشغف بالكشف عن الحقيقة المراوغة تتحول في رواية “العائش في الحقيقة” إلي ملمح أسلوبي ذي دلالة، إذ تتكرر كلمة “الحقيقة” في سياقات مختلفة علي نحو يدعو للتوقف.

  • الإطار الزماني والمكاني في الأعمال التي تناولت شخصية إخناتون اختلفت فيما بينها حسب النوع الأدبي، فبينما نجد بإمكان الرواية أن تعود – زمنياً – بحكاية إخناتون إلي ما قبل ولادته، وذلك لما تملكه الرواية كنوع أدبي من تمدد زمني ومكاني غير محدود؛ نجد معظم المسرحيات تدخل بنا مباشرة في صميم الحكاية وبداية الصراع بين إخناتون وكهنة آمون، وذلك لمحدودية المكان والزمان في فن المسرحية.

وعادة ما تكون العودة للوراء زمانياً لنطَّلع من خلاله علي خلفيات العداء بين الملكة الأم وكهنة آمون وذلك لتغولهم وتمدد سلطانهم المادي والسياسي، كما في رواية “ملك من شعاع” التي تبدأ بفصل تذهب فيه الملكة إلي معبد “آتون رع” لتنذر ابنها القادم له. ومثل ذلك تفعل مسرحية أدليدادن فيللبوتس، في استثناء نوعي.

أما الإطار المكاني فلم يخرج سواء في الرواية أو المسرحية عن آخت اتون وطيبة. باستثناء مسرحية ألفريد فرج التي تتضمن مشهداً واحداً فقط في مدينة منف والبقية في أخيتاتون، ومسرحية أحمد سويلم ومسرحية وجدي زيد ومسرحية إبراهيم الحسيني التي تدور أحداثها كلها في آخت اتون. 

  • ولقد كان الإطار الجسدي والنفسي لإخناتون كما ذُكرت في كتب التاريخ قاسماً مشتركاً في أدبه. فقُدمت الشخصية أولاً من خلال سماتها الجسدية والنفسية ولكن الأدب قام بتوظيفها في سياقات مختلفة:

فأحياناً تأتي السمات الجسدية في سياق”التشخيص”الفني للشخصية وإبراز ملامحها فقط، دون أغراض فنية أخري،مثل ما جاء في رواية “ملك من شعاع”‪

 “كان لا يشفق علي ما يحويه برده من جسم نحيل ضعيف” ([7]). وقوله: “أين هذا الفتي الناحل الجسم، الكبير الرأس، العريض الجبهة، الخفيف الوطء كأنه الخيال؟”([8])

أو في رواية “يوم غائم في البر الغربي”: “انتصب واقفاً بشكله الغريب، بطنه منتفخ كالقربة، وركبتاه ناتئتان تبدوان كأنما جري تركيبهما بطريقة خاطئة، كان جلده العاري قد دبغته الشمس، ومن تحته برزت حواف أضلاعه، بارزة وحادة” ([9]).

وأحياناً تأتي هذه الأوصاف في سياق الإشفاق علي إخناتون من بعض الشخصيات المحيطة به، مثل قول نفرتيتي: “إني أراكم جميعاً وعيونكم محدقة بإخناتون، وهو يسعل وتعتريه نوبات الصرع، وأنتم به محدقون تنتظرون”([10])

أو قول أبيه: “وكان أبوه يكتفي بالنظر إليه مشفقاً، كان قاهر آسيا العجوز ينحدر سريعاً نحو وهن الشيخوخة وهو غير واثق بقدرة الوريث الذي سيخلفه علي العرش من الإمساك بزمام الأمور، ساقان معوجتان، وبطن منتفخ، وملامح جاحظة، ملك مثل هذا.. كيف يستطيع أن يحكم امبراطورية بهذا الاتساع؟”([11])

أو قول المثال بيك عنه لصديقه مري رع

وفي أحيان أخري تأتي هذه الأوصاف في سياق الحنق عليه والبغص له وغالباً ما يكون ذلك علي لسان الكهنة الموتورين:  

“كان ذا سمرة غامقة، وجسم طويل نحيل، وعينين حالمتين، وتكوين أنثوي     لا يخفي علي أحد، أما ملامحه فمتنافرة مثيرة للقلق. إنه كائن هزيل حقير لا يليق بعرش ولا يتصور أن يتحدي بعوضة” ([12])

 “فالشواهد ثم تدل علي أنه طفل لا كالأطفال،

وبرغم السذاجة فيه يفكر فيما تقصر عنه عقول الرجال.

  جسمه المهزول علي الأرض لكن خواطره في السماء”. ([13]) 

أو علي لسان شخصيات غير مؤمنة بقدرته علي ولاية العهد مثل تادو الأميرة الميتانية التي أهداها أبوها إلي الملك أمنحوتب الثالث:

 “فحقيقته لا تعدو رجلاً مخبولاً

يحمل قلب امرأة ومشاعر طفل

لا يصلح ملكاً

……

حدثني وهو يحول عني وجهه

إلا حين تلاقت منا النظرات لبرهة

فوجدت الحزن بعينيه عميقاً

لا معني له

……

أما كلماته، فأعوذ بآلهة الأرض جميعاً

من تلك الكلمات

كلمات تخلع عن كل الأشياء معانيها المحترمة

تتركها توجد عبثاً فاقدة المعني

فيحار المرء ولا يدري كيف يفرق بين الحق

وبين الباطل

ليصير الباطل كل العالم قبض الريح

والأدهي حين يحدثنا بلسان الشاعر في الحب

الحب الحب الحب

ويريد يغير خارطة العالم بنشيد في الحب

هل قائل هذا اللغو

يمكن أن يصبح ملكاً  ؟ لا ([14])

وقد تأتي هذه الأوصاف في سياق مشاعر مختلطة من الإشفاق والبغض ولا يأتي هذا إلا علي لسان “حورمحب” صديق الطفولة: 

“ذلك الشاب المهزول، الذي يتجنب القصر ويهيم بالحديقة. المولع بالأزهار والغناء والطيور مثل فتاة مهذبة. لم لم يخلق أنثي؟ لقد همت الطبيعة بأن تفعل ذلك ولكنها عدلت عنه في اللحظة الأخيرة لسوء حظ مصر”([15]) 

ويرتبط بهذه السمات النفسية والجسدية لإخناتون كحاكم للبلاد، ذهول إخناتون عن أمور حكمه ومملكته، والتفاته فقط إلي أمور الدين، واتسامه بالسذاجة التي لا تتفق مع فرعون ينحدر من سلالة عُرف عنها البأس والقهر والغلبة، وتعامله مع الناس بكثير من النُّبل في غير موضعه. يُعبر عن ذلك ما جاء في رواية “ملك من شعاع” علي لسان الكاهن: 

“كان الكاهن يستمع إلى حديث الملك وهو يغالب نفسه حتى لا ينفجر ضاحكاً. فقد بدا له فرعون فى هذه اللحظة غراً ساذجاً لا علم له بنفوس الرجال” ([16])

ولقد صور الأدباء ذلك الجانب في شخصية فرعون – أحياناً – بشيء من الكوميديا المبنية علي المفارقة، ففي الرواية السابقة يدور هذا الحوار بين خلصاء الملك ومستشاريه عن قرار الحرب، في أجواء عاصفة قرب النهاية، والعدو علي أبواب مصر::

 ” كَفى يا حور محب. واستمعوا إلى أيها السادة. إن شفتى لن تنطقا ما حييت بإعلان حرب على شعب ما، ولن أسمح لنفسى ما دمت فرعون مصر بأن أهدر دماً بشرياً. لهذا أقسمت بألا أغادر مدينة “أخت آتون”، وسوف أحافظ على قسمى.

إذن فقد كان هذا هو المعنى الخفى لقسم الملك… الملك لن يحارب ما عاش وساد صمت محرج لم يجسر أحد على إنهائه بكلمة. وأخيراً التفت الملك إلى “سمنكرع” فقال له فى هدوء لا ينبىء عن تلك الأزمة الحادة التى لا تزال مستولية على أفئدة معاونى الملك:

    – لقد فكرت صباح اليوم فيما كنا نتحدث فيه بالأمس يا “سمنكرع”.

وفتح “سمنكرع” فاه فتكلم أول مرة منذ دخل على الملك.

–  أى موضوع تعنى يا صاحب الجلالة؟

    – عن الروح بعد الموت. ففى اعتقادى أنه لن يكون هناك حساب للميت كالذى تقول الأديان القديمة إنه يتم على أيدى “أوزوريس”. فليس الله كالبشر يؤاخذ الناس على هفواتهم، بل إن “آتون” يغفر كل شىء!” ([17]).

وتحكي أمه مثلاً في مسرحية باكثير- مستغربة – محاولة الاغتيال التي تعرض لها، وكيف قابل الرجل الذي حاول أن يغتاله:

      انظري كيف حاول ذاك الشقيُّ اغتيال ابني

         عائداً من نزهته القمرية ليلة أمس

          هذي النزهات التي طالما كنت حذرته

        منها – لو يسمع لي قولاً يا تاي!

        انظري هل سمعت بفرعونٍ قبله

         يتجرأ إنسان قط أن يغتاله؟

تاي :         لكن الرب حماه وألقي الرعب بقلب الشقي

              لا تخافي عليه فمولاه عاصمه

              من كل شقي يريد به أي سوء

تي :       ربما كان هذا صحيحاً فقد ريع ذاك المجرم

          لما واجه إخناتون فخاطبه ولدي بكلام

           رقيق وساءله ماذا أغراه بقتل مليكه

           ثم أنشأ يدعوه للإيمان بدين أتون

تاي :     حقاً يا مولاتي لم نسمع بأعجب من هذا

تي :      بل أعجب من هذا أنه حال دون عقابه

          وأبي إلا أن يعفو عنه ويشمله برعايته وجميله([18]) 

وأحياناً يصل الأمر لدرجة السذاجة من جانب إخناتون لاستغفال الآخرين له، مثل محاولة “آي” صرفه عن الاهتمام برسالة من والي سوريا يشكو له تدهور الأوضاع عنده؛ بأن يدعوه لسماع بعض الأناشيد، في مسرحية أحمد سويلم:

            صدقني يا مولاي

            الدولة هادئة .. تؤمن بالرب الأوحد آتون

            وتسعد بك

            تنعم في العدل .. وفي الأمن ..

            حتي كهان الآلهة الأخري في طيبة والمدن الكبري

            عزلهم الشعب

            حين اقتنع الناس

            بعدالة آتون الرب

إخناتون : (يبدو مقتنعاً)

آي     : هل يأذن مولاي

            أن ألقي بعض الأشعار مناجاة للرب الأكبر آتون          

  إخناتون : حسناً .. حسناً([19])    

  • علاقته بأمه: تحتل الملكة الأم “تي” مكانة خطيرة في حياة إخناتون كما هي في حياة عصره، فهي واحدة من الملكات المعدودات في تاريخ مصر القديم بأساً ودهاءً ومقدرةً علي سياسة الأمور، ولولا أن “تي” لم تجلس علي عرش مصر – وإن كانت هي الحاكم الفعلي في حياة زوجها أمنحوتب الثالث – لتوقف التاريخ عندها كما توقف عند “كليوباترا” و”حتشبسوت”.

ولم تختلف صورة “تي” في أدب إخناتون عن صورتها التاريخية إلا قليلاً؛ فهي منبع الثورة الدينية عند وليدها من خلال تنشئته علي بغض”آمون” وحب “آتون”، كما جاء في مسرحية باكثير:

             ما أحسب أن الرب أمون

             الذي بغَّضتِ إلي قلبي دينه

             وأشدتِ بقسوته وبقسوة من يعبدونه

              أقسي قلباً من هذا الرب الجديد الذي تعبدينه([20])

والمعنى نفسه يتردد كثيراً في بقية الأعمال، مثل ما ورد في مسرحية أجاثا كريستي:

إخناتون: إنك تكرهين طغيان آمون، وقد علمتني هذا البغض وأنا بعد طفل،

          وقد كرَّسْتني – لا لآمون – بل لرع، إله هليوبوليس. ومع هذا          

          تستخدمين الألفاظ الناعمة، وتبتسمين، وتُخفين كراهيتك؟

تـــي   : إن دهاء الأفعوان أجدي من زئير الأسد! ([21]) 

والجملة الأخيرة تعبير دقيق عن سياسة الاحتواء التي كانت تمارسها الملكة الأم مع الكهنة، وهو مالم يفعله إخناتون. بل كانت نقطة الخلاف بينهما . وفضلاً عن هذا فإن الملكة الأم ظلت هي السند الحامي لإخناتون والمدافع عنه حتي بعد أن ترك طيبة وهاجر إلي مدينته المقدسة “آخت اتون” وإن لم تؤمن إيماناً كاملاً بعقيدته الجديدة.

تي: فلتعلم أيضاً ان الملك عليه أن يفعل ما يجب “

لينقذ وطنه                  

      حتي لو كان الثمن الفادح

      أن يخفي بعضاً مما يؤمن به   

        تلك هي الفطنة

إخناتون: لن أفعل هذا وأصارحك بأني أمقت تلك الفطنة

تي: المصلحة العليا للوطن الآن

تدعوك لكي تتواضع وتضحي        

إخناتون: قولي لي بوضوح

        مع من أنت الآن

        معهم أم معنا ؟  

تي : قلبي معكم

        أما عقلي

إخناتون: عقلك معهم

تي: لا ، بل مع مصر

إخناتون: مصر آمون

         أم مصر آتون؟

تي : لا هذا أو ذاك

       مصر الدنيا

       من علمت الحكمة والعلم شعوب الأرض

         مصر الأمس        

          ومصر الغد       

إخناتون: واليوم؟

تي: اليوم

إن لم تتصالح معهم                   

       تتمزق مصر

       تشتعل الحرب ولن تتوقف إلا أن قتلوك

إخناتون: أفأنكر ديني كي أنجو؟

تي : لك دين ولهم دين

     لا تجهر بعداوتك لهم       

       وتفاهم معهم بالحسني”([22]).      

 ولقد أجاد عادل كامل في روايته تصوير أشواط العداء بين “تي” وكاهن آمون، والتي كانت تدور سجالاً بينهما([23]).

وهي في نظر ابنها في مكانة سامية تصل لدرجة الأسطورة والقداسة:

‫”ولكن من كان يمتلك قوة كقوتها؟ أبوه “أمنحتب” نفسه، الذي أذل الحيثيين والنوبيين، كان يقف أمامها مرتجفاً مجرداً من ألوهيته، كانت “تي” إلهة حقيقية تلبستها روح إيزيس، كان حرس القصر يتهامسون بأنها تتحول في الليالي المقمرة إلي ذئبة جائعة، تمرق في طرقات القصر وهي تعوي من فرط الرغبة، ظل يخشاها حتي بعد أن بلغ طور الشباب”([24])

وكان إخناتون يراها أجدر بالنبوة منه، فبعد موتها يقول عنها في مسرحية باكثير:

إخناتون : ويح الأنثي ! لا تكون الأنثي قط رسولا

                           يرحم الرب أمي ! لو أن الرسالة نالتها قط

                           أنثي لنالتها أمي

                           حسب الأنثي فخراً أنها تلد المرسلين! ([25]) 

علي هذا النمط جاءت صورة “تي” في أدب إخناتون، إلا في عمليْن هما: مسرحية مهدي بندق، ورواية المنسي قنديل. ففي مسرحية “آخر أيام إخناتون”  يقوم الصراع في جانب منه علي سر “دفين تحرص نفرتيتي وآي علي كتمانه عن فرعون، ويتلخص هذا السر في أن “ميريت” الابنة المدللة لإخناتون والأقرب إلي نفسه، هي نتاج علاقة آثمة تمت بينه وبين أمه “تي” دون معرفتهما بذلك، حيث تم ذلك في ميتانيا. ويَعرف إخناتون هذا السر من زوجة أبيه الميتانية “مايا” التي تقص له تفاصيل ما حدث: ذهبت “تي” إلي ميتانيا لتقضي ليلة عشق قدسية حيث كانت تحيا في حرمان دائم من زوج يملك زوجات عدة، فانطلقت هناك في قافلة الرغبات المكبوتة تلبس قناعاً، ولا تعرف أن الذي يقبل عليها هو إخناتون ابنها، الذي كان سكران في تلك الليلة. ولأن هذا الأمر (أن يتزوج امرؤٌ بأمه) ليس فيه حرج عند الميتانيين، فعقيدتهم تبيح ذلك؛ فإنهم قالوا للملكة الأم التي كادت تهلك حزناً لما حدث، وحاولت دون جدوي أن تسقط حملها من تلك الليلة دون جدوي. أما إخناتون فقد عاد إلي مصر من ليلته تلك وتولي العرش مكان أبيه، وتزوج نفرتيتي وتم الاتفاق من وراء ظهر إخناتون علي أن يُنسب ذلك الحمل إلي نفرتيتي حتي لا يمس هذا مركز الأسرة خاصة من كهنة آمون المطرودين، مما يهدد بضياع العرش.

علي أن هذا السر – وقد أريد له أن يكون نسخة أخري من “مأساة أوديب” – لم يخدم الصراع في المسرحية علي نحو كبير، إذ بدا منفصلاً عن الخط الأساسي للصراع في العمل، وهو صراع الزنزانة والقصر كما سنري. وذلك بخلاف رواية “يوم غائم في البر الغربي”، التي جعلت من سر آخر مشابه يتعلق بالملكة الأم، العقدةَ التي تحرك الأحداث، وتقف وراء ثورة إخناتون الدينية وبغضه التام لأمون: “الإله الذي انتهك شرف أمه”، فقد رآها إخناتون حين تسلل – وهو لما يزل طفلاً – إلي قدس الأقداس في معبد آمون؛ رآها عارية بين يدي كاهن آمون، وهي تمارس طقساً داعراً من طقوس هذا الإله اللعين.

ورغم ذلك تحاول الرواية أن تحافظ للملكة “تي” علي صورتها القوية النقية كملكة فرعونية خالدة، إذ تسوق علي لسانها مبرراً دينياً لما رآه إخناتون الطفل:

“كان هذا طقساً مقدساً، علينا أن نقوم به كلما فاض النيل، الذي رأيتَه لم يكن جسدي، منذ أن اكتسي بالدم أصبح جسداً يخص الإلهة “ياموت” وكان هذا زوجها الإله آمون” ([26])     

  • علاقته بنفرتيتي: ظلت نفرتيتي في أدب إخناتون في صورة نمطية، فهي الزوجة الحبيبة الوفية، وهي الملهمة لأشعاره، وقد برز ذلك بصورة أكبر في الأعمال التي اقتربت زمنياً من سيطرة الاتجاه الرومانسي في الأدب المصري الحديث مثل أعمال باكثير، وعادل كامل؛ إذ تفنن الأديبان في إبراز الوجه الرومانسي الحالم للعلاقة بينهما، فقد حملت مسرحية باكثير عنوان “إخناتون ونفرتيتي”، وهو عنوان يذكرنا في صياغته الثنائية للاسمين علي الأقل بـ”روميو وجولييت”. وامتلأت المسرحية بالأشعار الرومانسية من إخناتون لحبيبته، بعد أن أعادت نفرتيتي له الحياة مرة أخري حين كادت تعصف به أزمة وفاة زوجته الأولي. بل إن من خلالها وفي  عينيها يتلقي إخناتون وحيه من السماء، وهو ما كان يثير غيرة “تي”:

                  لا بل أعظم من هذا يا تاي

                  إنها لتريد الشيء لها فيه مصلحةٌ

                  فيخيَّلُ لابني أن الرب يريده ([27]) 

وهو ما يصرح به إخناتون نفسه حين يقول لربه إنه يعبده في وجه نفرتيتي: 

                 ربي هل يعلم هذا النائم أن به

                 قام برهان لك ساطع؟

                 هل يعلم هذا النائم أن به عُدت لي

                بعدما كدت تذهب عني؟

                هذا الصنم الغافي: هل يعلم أني

                سأحْطِمُ أصنام الدنيا بيديه الناعمتين؟

                وستشرق من وجهه أنوارك في العالمين؟

                ربي! لا تسخط علي إذا أسلمت فؤادي إليه

                 ما أعبده يا رب ولكن أعبد وجهك فيه  ([28])   

ورواية عادل كامل تنتهج النهج نفسه أيضاً في إبراز هذا الوجه في علاقتهما، وهي ملأي بالقطع النثرية الرومانسية في الحب والوصل والفقد والهجر…إلخ

غير أن مسرحية أجاثا كريستي “إخناتون” تخطو خطوة أبعد في هذا الإطار حين ترتفع بقصة الحب بين إخناتون ونفرتيتي إلي مصاف قصص الحب الأبدية، فتقرنها بقصة روميو وجولييت، وذلك حين تجعل النهاية واحدة في القصتين، حيث “ترفع نفرتيتي الكأس إلي شفتيها… بينما تنزل الستار” وتموت بجوار حبيبها بعد أن مات بنفس الطريقة ولكن تآمراً عليه من قبل الكهنة.

وفي مسرحية إخناتون ملك التوحيد تترك نفرتيتي زوجها وحبيبها بناءً علي طلبه هو؛ إذ يأمر إخناتون الجميع- بمن فيهم نفرتيتي –  بأن يتركوه لمصيره المحتوم وهو الاغتيال علي أيدي الكهنة. فتتساءل نفرتيتي:

“نفرتيتي: الآن إن رحلت

         سوف يقول الأصدقاء والأعداء

           قد هجرت نفرتيتي

           الزوج والحبيب

           بعد أن تحول الزمان

            يلطخون سيرتي

           هل أستحق كل هذا؟

إخناتون: سوف تحتملين كل هذا

           من أجلي، وأجل ما عشنا له معا

           إن قال عنك الناس قد هجرتني فكيف ننسي أن

           نور الله سوف يأتي

           ويفتح العيون والآذان

           ويعلم الجميع يا نفرتيتي

            أنك لست خائنة

            أنك قد هجرتني من أجلي

           إطاعة لأمر خالق الحياة”([29]).  

غير أن موقف نفرتيتي من ثورة زوجها وعقيدته الجديدة، وما جرَّته عليه من متاعب وصراعات، يتراوح لدي كتاب إخناتون بين السلبية وانتفاء الدور كما في معظم الأعمال، إذ لم تتعد هذا الدور المساند عاطفياً، إلي الإيجابية والدور المدافع، كما في مسرحية مهدي بندق، وإلي تحول هذا الدور ليشكل واحداً من أطراف الصراع، كما في مسرحية ألفريد فرج، وإلي الانسحاب الإيجابي خوفاً علي حبيبها كما في “العائش في الحقيقة”:

ففي مسرحية “آخر أيام إخناتون” تقف نفرتيتي في موضع الاتهام من المحيطين بإخناتون، لأنها هي التي جعلت منه حاكماً ذاهلاً عن أمور حكمه ومملكته، بتحملها عنه كل الأعباء والمسئوليات علي نحو غير مقبول. وقد مر بنا في هذه المسرحية كيف تحملت هي السر الكبير بأن نسبت لنفسها سر الحمل والإنجاب من “تي” و”إخناتون”. ويصور الحوار التالي بينها وبين “آي” أيَّ دور كانت تقوم به نفرتيتي تجاه إخناتون:

آي : ذلك أنك أنت المسئولة وحدك

                  أنت المسئولة عن تلك الخفة في إخناتون

                  أعطيت الرجل الفرصة ليحلق مثل الطائر

                  اخترت له دور الطفل وصرت له أماً 

                 ‫(ومقترباً أكثر) آن أوان فطام رضيعك يا نفر

                 ذاك لصالحه ولصالحك معاً

                 بوحي بالسر لزوجك يهبط من علياء سعادته الوهمية

                 فيسير علي الأرض كما نمشي نحن جميعاً

                 هذا ما قد يبقيه علي العرش إلي حين

نفرتيتي: أو يحطمه تحطيماً

آي    : لم يتحطم طفل لفطام قط

                 جاء الوقت لإخناتون ليصبح رجلاً

                ([30]).  يحميك ويحمي الأسرة والدولة

 لكن نفرتيتي تقوم بهذا الدور بدافع حبها لإخناتون الذي تراه كواحد من أبنائها، وكذلك بدافع الخوف علي الصالح الوطني العام، فهي تبدو في هذا العمل أكثر عملية وبراجماتية في إدارة شئون الدولة. ومن هذا المنطلق فقط آمنت بدعوة إخناتون

نفرتيتي: (بانتصار) أرأيت؟!

                    ذلك ما كنت أقول دواماً

                   لكنك كنت تحدق في الشمس فتعشي

                   حتي لتظن البشر جميعاً مثلك

                    يشتاقون إلي تجسيد المثل العليا

إخناتون: ولكن

نفرتيتي : (مكملة) ولعلك أدركت الآن

                     أن العامة لا يصلح معهم إلا السَّوْق

                      هم خُلقوا للاستخدام وهذا ديدنهم

                      ‫وهي تعد له كأساً) فاصرف همك للخاصة يا إخناتون)

                       وحاول أن ترضي قواد الجيش ([31])

أما في مسرحية “سقوط فرعون” فيتطور دور نفرتيتي لتنضم إلي أطراف المؤامرة علي إخناتون بدافع الحب أيضاً له وللوطن، ولكن حين يكتشف إخناتون هذه المؤامرة يزج بأطرافها في السجن: حورمحب، ونفرتيتي، وغيرهما. وبعد أن يتم تهريب نفرتيتي من السجن بواسطة حورمحب وجنوده، تبدأ نفرتيتي في البحث عن الحبيب الضائع الذي يُرغم علي التنازل عن العرش ويختفي، ثم يعود لآخت آتون متنكراً في زي العامة وينضم لـ”مري حور” في دفاعه عن المدينة/ الرمز ضد حورمحب وجنوده إلي أن يموت دفاعاً عن مدينته وما تمثله من حلم للفقراء. إلا أن نفرتيتي يعييها البحث عنه دون جدوي، حتي ينادي عليها وهو يحتضر وسط المعبد المحترق، فتلتفت إلي مصدر الصوت فتجد شخصاً ميتاً في حضن امرأة، وهي المرأة التي أشفقت عليه وأوصلته لـ”مري حور”فتقول:

         لا مستحيل إنه يحتضن امرأة

بك:  بل هو … هو

نفرتيتي: لا. أنت لا تدري يا بك. (تبكي) كيف تستطيع التعرف عليه؟

         النار أكلت وجوههم جميعاً. ليس هو. ليس هو

                   ‫)تهم بالخروج (

إخناتون: (يتناهض) نفرتيتي. (يموت. تتوقف نفرتيتي).

بك:  أما سمعت؟

نفرتيتي: (وظهرها لباب المعبد) كلا. أنت واهم. انتهي كل شيء. انتهي([32]).

 

لتشكل العلاقة بنفرتيتي علي هذا النحو الجانب العاطفي من مأساة النهاية في حياة إخناتون.

وفي “العائش في الحقيقة” تُلخص نفرتيتي قصتها مع إخناتون كما تصورها الرواية في الجملة التالية: “انجذبتُ إليه انجذاب الفراشة إلي النور. وتقرر مصيري بأن أكون الفراشة التي تنجذب إلي النور حتي يهلكها” ([33])

ولكن حديثها عن فرعون يفيض بالحب والمودة الخالصة، مشيدة بقوته التي ينفرد بها، وهي قوته الروحية:

“وفي تلك الفترة من حياتنا عرفت مدي قوة زوجي المستترة وراء ضعفه الجسدي، لمست صلابة روحه، وقوة تصميمه، وعنف شجاعته، وصموده أمام التحديات. قال لي مرة: “إن أحجار الأهرام مجتمعة لا تستطيع أن تثنيني       عن هدفي” ([34]).

لكننا نعرف من رواية الأحداث علي لسان الشخصيات المتعددة التي ترويها أن نفرتيتي تخلت عن إخناتون، وتركته وحيداً يلقي مصيره المجهول، وهو ما تشرحه هي للراوي (مري مون) قائلة:

“وتساءلتُ في حيرة معذبة كيف أُنقذ حبيبي من الموت؟ وخطر لي أنني إذا هجرته فلعل ثقته بنفسه تتزعزع فيذعن لمشيئة رجاله، ويتنحي عن العرش. أجل سيؤمن بأنني خنته كالآخرين ولكنني لم أكن أملك وسيلة أخري. هكذا أقدمت علي هجر حبيبي وقصري، فلذت بقصري الخاص في شمال آخت آتون باكية العينين، دامية القلب”([35]).             

غير أن العلاقة بنفرتيتي تجاوزت عند كُتَّاب أدب إخناتون، إخناتون نفسَه، ليرصد الكتَّاب علاقتهم هم: الوجدانية والتاريخية بهذا الوجه الخالد من وجوه الجمال والفتنة والرومانسية

ويتجلي هذا بصورة واضحة في رواية “العائش في الحقيقة” حيث يُعَد الفصل المخصص لنفرتيتي أطول صفحات الرواية. وكأن الرواية كتبت عن نفرتيتي وليس إخناتون. كذلك لم يخلُ فصل من الفصول دون ذكر نفرتيتي والإشارة إليها وإلي جمالها ودورها في هذه الثورة وتأثيرها علي إخناتون، وتفسير عزلتها وتخليها عنه في نهاية المأساة، كما سبقت الإشارة إلي ذلك.

يقول مري مون الراوي – والذي ينطق بلسان نجيب محفوظ نفسه – وهو في طريقه للقائها:

“خفق قلبي وأنا أقترب من ختام رحلتي، وكأنني لم أقم بمغامرتي المثيرة إلا من أجل لقاء هذه السيدة الوحيدة” ([36]).

وحين يمْثُل أمامهـا يقــول : ” فغضضت بصـــري المفتـــون بجمـالهـا ولـــذت بالصمت”([37]).

وحين يعود الراوي لأبيه ليخبره بنتائج رحلته في “مدينة المارق” يقول:

“ودعتها بكل إكبار، وانصرفت علي رغمي مفعم القلب بأريج الجمال الفاتن والذكريات الآسرة.

ولما رجعت إلي المدينة إلي سايس استقبلني أبي بشوق، وراح يسألني عن رحلتي وأجيبه، وامتد الحوار بيننا أياماً وتشعب. وقلت له كل شيء تقريباً، ولكني أخفيت عنه أمرين: ولعي المتزايد بالأناشيد. وحبي العميق لتلك السيدة الجميلة“([38]).

في إشارة إلي أن ما تبقي من إخناتون هو فنه المتمثل في الأناشيد، وكذلك الجمال المتجسد في تلك السيدة الرائعة نفرتيتي.

وفي مسرحية “آخر أيام إخناتون” يضع الكاتب هذا الإعجاب التاريخي الشديد  بنفرتيتي علي لسان شخصية قادمة من القرن العشرين، وهي شخصية “ديب”. (ولنلحظ أن هذه المشاعر تخرج في العملين من شخصيات من خارج زمن الأحداث) 

يركع “ديب” أمام نفرتيتي في أحد المشاهد ويقول لها:

           كنت دواماً أحلم بنفرتيتي العظمي

           فاتنة الشعراء المقبلة علينا من ماض ساحر

          الحسناء الطيبة، فماذا لو تستمعين إلي قليلاً؟ ([39])

وأما التمثال البديع لرأس نفرتيتي، والغموض الذي يلفه، فيشغف به الكتاب أيضاً وهم يكتبون عن هذه الحقبة، فنري رواية “العائش في الحقيقة” تستنطق المثَّال بك هذا السر الذي حار في تفسيره العلماء فتقدم علي لسانه أحد هذه التفاسير:

“وإليك سراً لا يعرفه إلا الأقلون، فقد نحتُّ لنفرتيتي تمثالاً نصفياً آية في الحقيقة والجمال، لعله يوجد الآن في القصر المهجور أو في قصر نفرتيتي، إن لم تكن انتقمت منه يد التخريب، وعندما هجرتْه الملكة بغتة مخلفة في قلبه طعنة لا تندمل طمس عين التمثال اليسري معرباً عن خيبة أمله مع الإبقاء علي بقية التمثال رمزاً لحب خالد، وإيمان راسخ لم يتزعزع إلا في لحظة بأس أخيرة”([40]).

ومسرحية “سقوط فرعون” هي الأخري – التي يحتل فيها “بك” مكانة درامية متميزة – تجعل من تمثال نفرتيتي معادلاً لراية دعوة إخناتون التي لا ينبغي لها أن تنكسر رغم الهزيمة، ففي وسط الدمار ونهاية آخت آتون والحرائق تحيط بالمعبد في الفصل الأخير، يخرج بك مهرولاً وتحت إبطه تمثال نفرتيتي، وهو يقول:

“حمداً لآتون، أنقذت تمثالك يا نفرتيتي” ([41])

وفي مسرحية أجاثا كريستي، وبعد أن يموت إخناتون تأمر هي “آي” – عقاباً لنفسها وقبل أن تشرب السم باليد ذاتها التي سقته بها – بأن تؤخذ جميع النماذج التي تُمثِّل يديها لتُحطم بمطرقة وتدمر نهائياً، “لأن يدي نفرتيتي ملعونتان منذ اليوم” ولكن تمثال رأسها يُستثني من هذا التدمير العقابي، وهذا هو سر بقائه حتي يومنا هذا:

      وليُحمل تمثال رأسي هذا الذي صنعه الملك بيديه فيدفن سراً حيث لا يعلم

      أحد، وبذلك ينجو من التدمير الذي سيحيق بالمدينة حتماً علي يدي آمون

     ‫”حالمة” وقد يحدث في السنين الموغلة في المستقبل أن يعثر عليه أحد،

      فيقول الناس:إن من صنع هذا كان من أعظم المثالين الذين عرفهم العالم

علي الإطلاق. وهكذا مهما اندثر اسم إخناتون، يعيش الجمال الذي صنعه  ([42])

  • علاقته بحور محب: نموذج إنساني غريب وبديع، ذلك الذي تمثله علاقة إخناتون بصديق طفولته، وقائد جيوشه “حورمحب”. فهي علاقة تجمع بين مالا يُجمع، وتحوي متناقضات كثيرة؛ تجمع بين الحب والكره، الشفقة والقسوة، التعاطف والازدراء، مقتضيات الصداقة ومصلحة البلاد العليا، تعاليم الجندية و مسئولية التاريخ…وغير ذلك من مشاعر متباينة كان “حورمحب” ضحية صراعها في داخل نفسه.

أما مشاعر إخناتون تجاه صديقه فكانت واحدة لم تتغير؛ تعبر عنها تلك الجملة التي وردت في رواية “يوم غائم في البر الغربي”:

‫”ولكنه كان يحب حور محب، لم يفترقا منذ أن كانا صغيرين، هو الذي يتدخل دوماً في اللحظة المناسبة ويوفر له الأمان“([43]).  

وفي مسرحية أجاثا كريستي يدور حوار بين إخناتون ونفرتيتي، حوار كاشف لهذا النوع العجيب من العلاقة بين إخناتون وصديقه :

إخناتون: لا شيء . لماذا لا يعود حور محب ؟

نفرتيتي: الفئران تغادر السفينة الغارقة …

إخناتون : حور محب ليس فأراً.

نفرتيتي: ومع ذلك فإنه ذهب إلي” طيبة”.. لا إلي إقليمه في الشمال.

إخناتون: (باسماً) لن تجعليني أشك . حور محب هو الصدق والولاء بعينه.

نفرتيتي: قد يكون الأمر كذلك.

إخناتون: كم يبدو بعيداً ذلك العهد منذ رأيته أول مرة، في فناء قصر أبي، وكان مع كبير كهنة آمون، ويومئذ وفي مدي ساعة قصيرة نضج حب كل منا للآخر ، ولم يخمد هذا الحب ولم يذو قط.

نفرتيتي: لماذا تحب هذا الرجل هكذا .. هذا الجندي الفظ الغبي الذي لا يهتم فتيلاً بالفن أو النحت أو الجمال .. ولا يستطيع أن يفهم أفكارنا أو يشاركنا رؤانا؟

إخناتون: الحب دائماً سر خفي ! ([44])

وفي المسرحية ذاتها وبعد أن يحسم حورمحب موقفه ويقول لصديقه الملك: طريقانا مختلفان، ساعتها فقط يقول إخناتون لنفسه: “حورمحب ..حورمحب … ذهب … الكل ذهبوا… وحيد ….وحيد أنا تماماً”

لكن المشاعر المقابلة عند الصديق هي التي كانت عرضة للتغيير،كانت تتجاذبها الأحوال والمواقف والمتغيرات الدينية والسياسية التي عصفت بالبلاد. كانت المشاعر في البداية تميل ناحية الإشفاق وليس التمرد:

( ‫يخرج إخناتون من جيبه دمية يريها لحورمحب)

إخناتون: انظر لقد أمرت صديقاً لي نجاراً أن يصنع هذه اللعبة لميكيتاتون

          مفاصلها كلها تتحرك وثغرها يفتر..

ميكيتاتون: أبي. هل لن تأت لتتم القصة؟

إخناتون: هاأنذا إليكن مسرعاً يا أفراخي! (لحورمحب في سرعة) إنني جد

سعيد هذه الليلة         !

                     ‫)يسرع خارجاً(

حورمحب: أحمق ظالم طفل! (ضاحكاً) هه! المفاصل تتحرك. ،مثلها تعمل

          عقول عداك! “وثغرها يفتر” ! ومثله يفغر الخراب فاه ليلتهمك أنت

          وأسرتك الوديعة بينا تتغني بأغاني السلام وتقبل أطفالك

)          ‫يسمع ضحكات أطفال) كيف لي الآن أن أفضي إليــه بهــذه الشكاوي

          إنني بذلك أهدم سعادته وسروره إنني أحبه وأخشي عليه هول الصدمة

          يالي من جبان. وإذاً فهذه الرسائل لن يقرأها.. ولكــن لا بــد لمصر أن

          تبقي في أمــان مهما كلف ذلـك! لأدع الملك وسعادته الليلــة وسأذهب

         إلي كاهن آمون كما وعدته…       ([45]) .

 ولكن كان حتماً علي قائد الجيوش ساعتها أن يفكر بعقل المحارب لا بقلب الصديق، أن يفكر في مصلحة عامة لامبراطورية لا في رغبة خاصة لفرعون:

“ولما ازدادت الحال سوءاً تمنيت مرة أخري أن أقتله بسيفي وأنقذ البلاد من جنونه. تمنيت أن أقتله باسم الحب والولاء. وتبيَّن لي أن ما حسبتُه قوة جبارة تنطلق من أعماق هيكله الضعيف ما هي إلا جنون أهوج يجب حصره وشكمه”.([46])

غير أن هذه الرغبة لم تقترن أبداً عند صديق الطفولة بكراهية أوعداء: “والحق أني تمنيت قتله دون أن أضمر له أي شعور بالكراهية”([47]).

والحق أن “حورمحب” تُسند إليه كلُ الأعمال تقريباً رسمَ النهاية لإخناتون وإخراجه من اللعبة السياسية، وذلك بإجباره علي التنحي كما في “ملك من شعاع” و”يوم غائم في البر الغربي” و”إخناتون ونفرتيتي”. وحتي حين يرسم الموت هذه النهاية، يكون حورمحب أول شهود اللحظات الأخيرة في حياة صديقه كما في بقية الأعمال.

وحتي في أشد لحظات التمرد علي إخناتون والانقلاب عليه، ظل حورمحب يتسم بالوفاء والخوف علي صديقه وسيده؛ كما في مسرحية “سقوط فرعون”، ومسرحية “آخر أيام إخناتون”:

الياور     : لولاك لسحل الغوغاء الفرعون بلا رحمة

            كانت معجزة أنا هربناه

حور      :  هل لاحظتَ علامات الدهشة في عينيه؟!

الياور    : كان يسائلني بالعينين الغائمتين.. لماذا ؟؟

حور     : لماذا بعتَ أخاك أيا حور؟!

الياور   : لكنك لم تسلمه علي أية، بل وعبرت به آخر بوابات أخيتاتون

           وتركتَ له عربتك الحربية تنقله ورفيقيه إلي حيث يشاء ([48])

وترصد رواية “يوم غائم في البر الغربي” لحظات النهاية في حياة إخناتون علي بوابات أخيتاتون في حضور حورمحب الذي لم يشأ أن يترك صديق عمره، فتسلل وراءه، ليحتضنه بين ذراعيه، ويودِعه إخناتون كلماته الأخيره قبل أن يسلم الروح. وهو مشهد من أجمل مشاهد الرواية وصفاً وحواراً.

وإدارة الصراع داخل نفس حورمحب احتاجت لوقت طويل قبل أن يحسمه لصالح المصلحة العامة وضد رغبة صديقه وسيده. فقد حسمها هكذا لعلمه بأنه بذلك لا يحمي البلاد والعباد فقط، بل ويحمي صديقه نفسه من نفسه، كما قال له “أميني” كاهن آمون وهو يحاوره:     

أميني: أنت رجل ذكي يا حورمحب. قلبك عظيم. لا يدرك الإنسان

         أعماق نفسك.ومع ذلك ساءلت نفسي: هل يستطيع حورمحب

         أن يتصور ثورته علي إخناتون الملك، حماية لإخناتون الصديق.

         صديقك الحبيب إلي قلبك إخناتون يحب السلام، ويكتب الشعر،

         وهو خالد كأخلد ما يكون الشعراء والمبشرون. ولكنه ملك يحمل

         صولجاناً. وكلمة السلام في شفتي الملك معناها الاندحار والخزي

        ([49])  والعار. ثُرْ علي الملك يا حور محب تحمي عقيدة المبشر.

إن قصة إخناتون كلها تلخصها هذه المواجهة بنهايتها المعروفة في رواية “يوم غائم في البر الغربي” بين الصديق الحالم والصديق الواقعي، بين الفرعون وقائد الجيش، بين ضوء الشمس وضوء السيف: 

“وقفا متواجهين وهما يرتجفان، كان مصير الدولة الواسعة يتقرر في هذه اللحظة، أي قوة تعتمد عليها: ضوء الشمس أم البريق المنبعث من نصل السيف؟!، كان علي الفرعون أن يختار، ولكن ذلك لم يكن في قدرته، لم يرد أن يفقد قائده وصديقه، ولم يدر أين تكمن الحقيقة، في قلبه أم في سيف حور محب”([50]).

ويفعل حورمحب هذا مكرَهاً وهو يعلم أنه يرتكب خطأ في حق سيده وفي حق التاريخ، كما قال في مسرحية “آخر أيام إخناتون”:

   ليتك تعلم أنا سُندان بمحكمة الغد

   ليتك تعلم يا هذا الضابط([51]).

ولكن هل أدان التاريخ حقاً حورمحب علي ما فعله بإخناتون؟

  • نهاية إخناتون: لم تكن نهاية إخناتون الفنية غامضة مثلما كانت كذلك تاريخياً؛ فقد استغل الأدباء ذلك الغموض خير استغلال كي يتم توظيف “النهاية” توافقاً مع البناء الفني للعمل، ورؤيته الفكرية، ومغزاه العام. ومن ثَمَّ جاءت النهايات مختلفة فيما بين كل عمل وآخر:

فمرة يُرغم علي التنحي ( آخر أيام إخناتون)، ومرة يُرغم علي التنحي ثم يموت (ملك من شعاع)، ومرة يرغم علي التنحي ثم ينتحر (يوم غائم في البر الغربي)، ومرة يموت ميتة طبيعية دون أن نعرف شيئاً عن مصير الحكم، وإن عرفنا أن له خلفاً وهو سمنكاورع (إخناتون ونفرتيتي) (إخناتون أدليدادن فيللبوتس)، ومرة يموت وهو يدافع عن مدينته المقدسة ورمز دعوته وثورته: أخيتاتون (سقوط فرعون)، ومرة يموت مقتولاً بالسم (إخناتون أجاثا كريستي)، ومرة يموت بالسم يناوله له كاهن آمون بعد أن يهجر الناس أخيتاتون ويأمر هو كل شيعته أن يتركوه ومصيره (إخناتون ملك التوحيد)، ومرة تُترك النهاية غامضة فلا يشار إلي الطريقة التي اختفي بها من علي مسرح الأحداث، أو يشار إلي ذلك علي سبيل التخمين والظن حسب رواية كل شخص (العائش في الحقيقة)، ومرة تترك النهاية مفتوحة حيث ينزل إخناتون من علي خشبة المسرح باتجاه الصالة منسحباً من الحياة وباحثاً عن مكان آخر يصلح لتقبل دعوته (إخناتون أحمد سويلم)، 

غير أن قاسماً مشتركاً بين كل هذه النهايات المأسوية نلمسه في أدب إخناتون: المشاعر المختلطة التي يموت عليها إخناتون، وهي مشاعر خليط من اليأس والقنوط والشك واليقين والاهتداء لمعرفة الحقيقة ومحاولة إصلاح أخطائه بعد فوات الأوان وغير ذلك

فثم شعور بالشك في أمر هذا الإله الذي كان يعبده، ولمَ تخلَّ عنه:

‫إنني الآن مليء بالشك. وضعف الثقة يساور عقلي كطيف ساخر”([52]).”

“تخلي عنه آتون ولم يوجهه للطريق الصحيح، كان هو نفسه قد بدأ في الشك فيه فكيف يؤمن الآخرون به؟”

“لماذا ابتعدت عني إلي هذا الحد، وجعلت الأعداء يدنون مني إلي هذا القرب..؟!”

‫”كان إخناتون وحيداً كما لم يكن من قبل، يتأمل قرص الشمس الذي ينحدر ببطء خلف الأفق، لن تنفع عشرات المشاعل مهما استعرت ألسنتها من أن تنقذ قلبه من الظلمة التي تزحف عليه……… كان هو الوحيد الذي فقد أسلحته وضاعت منه آلهته”([53]).

                      أين لطفك بي ؟ أين عونك لي ؟ أين تأييدك ؟

                      ربي أين أنت ؟ أموجود أنت أم شبح

                       ما كنت أظن إلهاً يسمعني ويراني ؟!

                      ليت شعري أأنشأتني أنت أم أنا أنشأتك ؟

                  أنا من صنع يمناك أم أنت يا ربي من صنع خيالي؟ ([54])

وثمَّ شعور آخر بأن دعوته أخطأت طريقها، ولم تجد المكان ولا الزمان المناسبين كي تثمر وتنمو، ولعلها تجد ذلك في مكان وزمان آخرين:

                           يا سادة هذا الوادي

                        حتي لو أني واصلت الحكم ولم أتنازل عن عرشي

                        فأنا لن أجد مكاناً بينكم للدعوة والحب

                        فقلوبكم أرض جرداء .. لا تصلح للزرع

                        ولا يرويها الماء

                        وأنا لا أدعو لخراب العالم !

                        أترككم أبحث عن أرض أخري صالحة تتلقي

                         كلماتي

                        تنمو فيها كلماتي([55])

وثمَّ شعور ثالث بالندم علي الحقيقة التي ظلت غائبة عنه، وعرفها بعد فوات الأوان، وهي أن لا مناص من استخدام القوة لحماية الحق والسلام:                 

                      إن رحمتك العظمي رحمة الجرَّاح الذي

                      يبتر العضو كي ينقذ الجسم من قرحةٍ ساعية.

                      حكمة غابت عني فانهار صرح أعمالي.

                        ‫)يلتفت إلي حور محب(

                     كم ذكرتني يا صاح بها – ليتني أصغيت إليك!) ([56]))

وهو يعود إلي صوابه ويحاول أن يصحح مسار ثورته، رغم فوات الأوان. ففي مسرحية “سقوط فرعون” ينضم إلي الشعب في دفاعه عن آخت آتون بقيادة مري حور، وحين تقول له المرأة “تيني”: ستموت، يجيبها: بل سأحيا، ويأخذ الرمح.         

وأحياناً يكون تصحيح مسار الثورة بالتعويل علي الشعب الذي لا يحمل في عروقه الدم الفرعوني كما قال له مري حور: “نحن الذين لا نحمل في عروقنا لعنة الدم الفرعوني، سنبني بحرابنا آخت آتون”

وحينها يقول له إخناتون: 

وستصبحون أنتم الحاكمين. فلا تخطئوا (يترنح) اذهب وارو قصتنا

         فكم سيعبث التاريخ بالحقائق. مري حور. ([57]) 

فالشعب هو المثل الأعلي الذي ظل يبحث عنه:

    هل تذكر قولي صبح اليوم

     حين رأيتك ألا تركع لي بل للمثل الأعلي؟!

      هل هو ذا يا ديب المثل الأعلي يرقد بين ذراعيك([58])

 والشعب هو القوة القادرة علي التغيير دون حاجة لوصاية أو معجزة من السماء، وتلك شروط التغيير التي لم تتوافر في ثورة إخناتون:

                     فاحلم في نومك أن الشعب سينهض يوماً

                     لينفذ مشروعات المستقبل

                     ويضمد جرح الزمن الغائر ما بين الحاكم والمحكوم

                     ما بين الأمم المتعددة الرؤية والأخلاق

                     وسينهض هذا الشعب بأمثالك يا شي

                     لا ينتظر وصياً أو معجزة تهبط من أعلي

                       بل يعتمد علي يده ليكون

‫…………….

إخناتون : فاجر كريح عاتية تدرك هرمس

                     ولسوف يعيدك هذا المخلوق لعصرك

                     وهناك تذكَّر أن الأجداد أرادوا التغيير

                     لكن شروط التغيير لديهم كانت نيئة لم تنضج

                      فتولوا أنتم يا ديب الأمر([59]) 

 

تلك كانت صورة بانورامية لأدب إخناتون ومعالمه الفنية علي نحو إجمالي. غير أن ما أشرنا إليه من خطوط فنية وفكرية لا يتضح إلا من خلال رؤيتها داخل النسيج العام لكل عمل فني. فكل عمل فني له استقلاله ورؤيته الخاصة ومراميه الفنية والفكرية.

 …………………………

 (·) لم يعتمد البحث تاريخ النشر مرجعاً في هذه البيبليوجرافيا وإنما اعتمد تاريخ الانتهاء من الكتابة في حال التوصل إليه، فإن لم يكن فتاريخ نشر الطبعة الأولي حتي يكون الترتيب الزمني متسقاً

 

 (·) هذا التاريخ تقريبي؛ فالمسرحية في طبعتها لم تتضمن أي إشارة إلي تاريخ نشر أو كتابة، واعتمد البحث في هذا التاريخ علي دار النشر وهي دار الجامعة للنشر قريبة الصلة بمجلة الجامعة التي أسسها وأدارها محمود كامل في الفترة من 1932حتي 1948

 

 ([1]) ألفريد فرج: مسرحية سقوط فرعون – الأعمال الكاملة المجلد السادس طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989 ص 158

 ([2]) ينظر في هذا التحليل النقدي لهذه الأعمال في كتابي: الثائر الأول إخناتون بين الأدب والتاريخ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2016

 ([3]) نقلاً عن موسوعة المصطلح النقدي الجزء الأول – ترجمة عبد الواحد لؤلؤة – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة الثانية ١٩٨٣

 ([4]) محمد المنسي قنديل: يوم غائم في البر الغربي –  دار الشروق ط الرابعة ٢٠١١ ص ٤١٨

 ([5]) نجيب محفوظ: العائش في الحقيقة – مكتبة مصر بدون تاريخ ص ٣

 ([6]) السابق نفس الصفحة

 ([7]) عادل كامل: ملك من شعاع – طبعة مكتبة الأسرة 1998 ص 37

 ([8]) السابق ص 92

 ([9]) يوم غائم ص 419

 ([10]) ألفريد فرج: مسرحية سقوط فرعون – الأعمال الكاملة المجلد السادس طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989 ص 195

 ([11]) يوم غائم ص 421

 ([12]) العائش في الحقيقة ص 18

 ([13]) علي أحمد باكثير: مسرحية إخناتون ونفرتيتي طبعة مكتبة مصر بدون تاريخ ص 23

 ([14]) شوقي خميس : إخناتون ملك التوحيد الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة سلسلة مختارات فصول 1996 ص24

 ([15]) العائش في الحقيقة ص 51

 ([16]) ملك من شعاع ص  152

 ([17]) ملك من شعاع ص  178

 ([18]) إخناتون ونفرتيتي ص 74

 ([19]) أحمد سويلم: إخناتون – المسرحيات الشعرية الكاملة طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب المجلد الأول 1999 ص 55

 ([20]) إخناتون ونفرتيتي ص 36

 ([21]) أجاثا كريستي: إخناتون ترجمة: محمد حلمي مراد طبعة روايات الهلال بدون تاريخ ص  31

 ([22]) شوقي خميس : إخناتون ملك التوحيد ص 48

 ([23]) ملك من شعاع الفصل السادس

 ([24]) يوم غائم في البر الغربي ص 421

 ([25]) إخناتون ونفرتيتي ص 130

 ([26]) يوم غائم في البر الغربي ص 450

 ([27]) إخناتون ونفرتيتي ص 77

 ([28]) إخناتون ونفرتيتي ص 62

 ([29]) شوقي خميس: إخناتون ملك التوحيد ص 107

 ([30]) مهدي بندق: آخر أيام إخناتون – الطبعة الثانية – الهيئة العامة لقصور الثقافة 2004 ص 101

 ([31]) السابق ص 104

 ([32]) سقوط فرعون ص 309

 ([33]) العائش في الحقيقة ص 135

 ([34]) السابق ص 146

 ([35]) السابق ص 163

 ([36]) السابق ص 132

 ([37]) السابق نفس الصفحة

 ([38]) السابق ص 166

 ([39]) آخر أيام إخناتون ص 103

 ([40]) العائش في الحقيقة ص 63

 ([41]) سقوط فرعون ص 304

 ([42]) أجاثا كريستي ص 141

 ([43]) يوم غائم في البر الغربي ص 425

 ([44]) أجاثا كريستي ص 126

 ([45]) إخناتون أدليدادن فيللبوتس- ترجمة عبد الخالق محمود – مقدمة بقلم محمود كامل المحامي  طبعة دار الجامعة للطبع والنشر بدون تاريخ ص 70

 ([46]) العائش في الحقيقة ص 56

 ([47]) العائش في الحقيقة ص 53

 ([48]) آخر أيام إخناتون ص 135

 ([49]) سقوط فرعون ص 181

 ([50]) يوم غائم في البر الغربي ص 428

 ([51]) آخر أيام إخناتون ص 135

 ([52]) أدليدادن فيللبوتس ص 133

 ([53]) يوم غائم في البر الغربي ص 493

 ([54]) إخناتون ونفرتيتي ص 141

 ([55]) أحمد سويلم ص 112

 ([56]) إخناتون ونفرتيتي ص 146

 ([57]) سقوط فرعون ص 307

 ([58]) آخر أيام إخناتون ص 144، 145

 ([59]) السابق

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:213. Generation time:3.604 sec. Memory consumption:44.23 mb