أكابيلا  لمي التلمساني.. صوت منفرد في مرايا الآخر

إبراهيم فرغلي

اختارت مي التلمساني لروايتها الجديدة الصادرة عن دار شرقيات بالقاهرة عنوانا لافتا وغامضا. لكن مع تطور الأحداث ربما يمكن إيجاد العلاقة الضمنية المقصودة من قبل الكاتبة، خصوصا إذا عرفنا أن أكابيلا هي مصطلح، إيطالي، يأتي من عالمي الموسيقى والغناء وهو لون من الغناء الفردي الأوروبي القديم الذي لا يصحبه عزف موسيقي. والمعنى هنا هو الصوت الفردي، أو الفردية التي تعد تيمة رئيسة في هذا النص.

العلاقة بين الراوية (ماهي) وصديقتها (عايدة)، أو (إيدا) كما تحب ان يناديها أصدقاؤها أمام الناس فقط، تبدو منذ البداية محيرة وغامضة ومرتبكة. إذ رغم تعلق الراوية بالصديقة، فهي تقدم لها بورتريها يمتلئ بالانتقاد المضمر لسلوكياتها التي تبدو سلسلة من التناقضات. امرأة ترتبط بأكثر من رجل، بينهم زوجها السابق وكاتم أسرارها “أسامة”، ظلت مرتبطة به بعد الطلاق، وكريم وهو كاتب صديق تلتبس علاقتهما ولا تخلو من تبادل الخدمات، وحسام وهو آخر عشاقها، وعادل الطبيب، والصديق المقرب الذي يحبها في صمت رغم أنه متزوج. في النهاية هي فنانة تشكيلية مغمورة، تعيش حياة شبه بوهيمية تختلط فيه المسرات والشهوات بالحب والغيرة.

ثمة اختلاف كبير بين شخصيتي الراوية وعايدة، يبدأ من الانتماء الطبقي، حيث تنتمي “ماهي” لطبقة وسطى موسرة، متزوجة وتحاول أن تعتمد على ذاتها بعيدا عن زوجها الذي يقدم نموذجا لرجل متحرر، ولهما ابن، تعتنق أخلاق الطبقة الوسطى المتحفظة مهما بدت منفتحة ومتحررة. بينما عايدة تبدو امرأة متحررة عصرية، تسبغ على سلوكياتها سمات لطبقة بورجوازية لكنها تظللها بطابع بوهيمي عبثي، لكنها، ليست ابن مدينة، فجذورها تعود لقرية نائية في الصعيد، درست الفن، ومارسته بلا جدية حقيقية.

هذا الخلاف الطبقي، والأخلاقي، ربما، مضافا إليه الحس الأنثوي بالغيرة المشوبة بالحب بين الراوية والصديقة، يسم العلاقة بطيف خفي من التعقد، فتبدو كل منهما مقبلة على الأخرى، محبة لها، حتى أن عايدة تقترض من الراوية نفقات عمليات إجهاض خضعت لها أكثر من مرة، والراوية تفعل ذلك وهي تعرف أن صديقتها لن ترد لها النقود. لكنهما، وعبر ما توسوس نفس كل منهما عن الأخرى تمتلآن بالهواجس.

وهكذا تمر تفاصيل العلاقة بينهما، لتصنع لوحة كاملة لعلاقة تبدو مفتعلة، أو كأنها علاقة مركبة من الحب – الكراهية. لكن بمرور الوقت نشعر أن “ماهي” رغم كل شئ، ورغم كل ما تراه سلبيا في عايدة من سمات الكذب، والمرأة اللعوب، والانتهازية، والغرور المزيف، فإنها تبدو كأنها تضمر لونا من الحسد لشخصيتها، أو ربما من الإعجاب الخفي. كأن عايدة تمثل نموذج الجانب الذي كانت الراوية تتمنى أن تعيشه ولم تستطع. كأنها تعوض الجانب الآخر المقموع في روحها.

“لوهلة تصورت أني لا أعرف عايدة، أو أنها ليست صاحبتي، بدت مثل شخص غريب اعترض طريقي برهة قصيرة من الزمن ثم اختفى وراء ركام من الأشياء الضائعة. كنت أعرف أنها كاذبة محترفة، وأضيفت إلى تلك الصفة صفة السرقة، واكتشفت أن هذا في ذاته يبهرني ويجتذبني إليها بشكل غريب. كأن هذا الجانب من شخصيتها رغم علاته يعدني بمغامرة مثيرة”.

في هذا النص أظن أن مي التلمساني نجحت في إبراز أمراض العصر كبطل رئيس للقصة، مجسدة في الغرور الرومانسي كما يصفه رينيه جيرار كسمات لشخصيات أعمال ستاندال، وهذه السمات هي الغيرة والحقد والكذب.

تتحقق هذه السمات من كون الدوافع لدى شخصيات العصر الحديث ليست أصيلة، لا تنبع من ذواتهم، بل مجرد رغبات مبنية على رغبات الآخرين، يدعي كل شخص أنها رغباته الخاصة بينما هو لا يدرك او يتناسى أنه مجرد مُقلِّد. فكل رغبات عايدة لا تبدو أصيلة، تنبع من ذاتها هي بقدر ما تبدو رغبات ابنة الريف التي ترى مبكرا صورة لفنانة عصرية شهوانية، وهذا شائع في تجارب الانتقال من الريف الى المدينة، وتقرر أن ترتدي قناعها. “كنت أعرف أنها تحافظ على صورة المرأة المجربة بشكل طفولي يجتذب كل من يعرفها، رجالاً ونساءً، كأنها لا تقصد أن تكون الطفلة التي تتمناها سراً، أو كأنها امرأة نسيت أن تنضج”.

هذا القناع الذي تضعه عايدة، سيظل العامل المتسبب في ارباك علاقة الراوية المتحفظة بعايدة، لكنه أيضا سيظل مجسدا لسر إغواءها لكل من يتعامل معها. هذا القناع هو سر فتنتها في الحقيقة، وخصوصا من الراوية التي ستحدث نفسها علنا عن مقتها لسلوكيات عايدة، بينما في منطقة اخرى من الوعي ستبدو تتمنى لو استطاعت أن تفعل شيئا مما تفعله صديقتها. وقد كان، حين قررت ماهي أن تسرق هي أيضا من صديقتها “كراس اليوميات” الخاص بها.

وفي درجة أخرى من التعقيد تقول ماهي أنها تشعر حيال صديقتها بنوع من الأمومة أيضا “صففت لها شعرها كأنها ابنتي. لا أعرف مصدر هذا الشعور تجاه أصدقائي، شعور باأمومة والمسؤولية كأني الابن الكبيرة في أسرة من عشرات الأخوة والأخوات(..) حكيت عن تلك المشاعر ذات مرة لعايدة فسخرت منها في البداية، لكنها تعاطفت في قرارة نفسها مع حالة الأمومة المفرطة التي اتهمتني بها واستغلتها لمصلحتها كلما سنحت الفرصة”.

في تطور درامي مباغت تموت عايدة، بلا سابق إنذار أو مرض، أو حتى تطور درامي بالانتحار، بل هكذا فجأة وبشكل عبثي، مثل طعنة في القلب، وتصاب “ماهي” بصدمة عنيفة بعد أن تتلقى الخبر، تحزن حزنا قويا وتتالم ألما روحيا عميقا لا تجد منه مهربا إلا النوم مستعينة بالمنومات، حزينة وباكية حتى في عز النوم، بينما تسللت الأحلام إلى ذهنها مقاومة موانع الحبوب المنومة، لتفتتح مسرح خيال “ماهي” في مشاهد عديدة تلعب بطولتها عايدة، طيفا شبحيا مثل كل زائر للأحلام.

وتبدأ في استعادة تفاصيل العلاقة بينهما، وتقرر أن تعيد كتابة يوميات صديقتها عايدة التي كانت قد حصلت على بعضها قبل وفاتها ثم حصلت على البقية الباقية منها بعد وفاتها. وفي تلك اليوميات تكشف عايدة عن جانب رومنطيقي يجعل “ماهي” تشعر بوجود خيط من الحساسية والعاطفية يمتد الى فرجينيا وولف، وتعبر فيه عايدة عن حساسية أنثوية رهيفة، وعن رغباتها وأشواقها الحسية وعن غموض تصرفاتها التي لا تعرف كيف تبررها، بنبرة شفافة وصادقة.

سترى “ماهي” في اليوميات ذكرا لها، لاذعا وانتقاديا، بشكل يسبب لها صدمة من الكيفية التي تراها بها عايدة، تتأمل مسلكها البورجوازي وتسخر منه، كأنها تقول أن كونها تنتمي لطبقة موسرة لم يمنع عنها التعاسة، فهي تذكر واقعة لم تذكرها الراوية وهي أنها أجرت عملية لتمنع نفسها عن الإنجاب بعد أن علمت بخيانة زوجها لها مرة في عام زواجهما الخامس. غفرت له، لكنه قررت أن تعاقبه بطريقتها. ومع كل ذلك تعبر عايدة عن أنها اكتشفت أنها تحب “ماهي” رغم كل ذلك وإن بدت كل تصرفاتها بالنسبة إليها داعية لإثارة أعصابها. إنها لعبة مرايا مزدوجة بين الاثنتين، كل منهما تحاول أن تتامل ذاتها عبر شخصية الأخرى.

في علم النفس تشير العديد من المراجع إلى أن مريض السرقة يعبر عن نزعة باطنية عن التملك، وفي جانب آخر منها تعبر عن إحساس بافتقاد الأمان، ولعل هذا ما يضئ شخصية عايدة، التي تبدو رغم كل ما تثيره حولها من فتنة، في اعماقها تفتقد للأمان. أما “ماهي” التي تسرق يوميات عايدة فهي تعبر ضمنيا عن تعلقها الشديد بعايدة لدرجة الرغبة في امتلاكها، وهي في الوقت نفسه تعبر عن مرض العصر، الغرور الرومانسي، الذي يجعلها تتخلى عن شخصيتها لكي تصبح معادلا لعايدة بعد موتها.

تتجاوز مي التلمساني هنا فكرة السيرة الذاتية كما اقترحتها في “دنيازاد”، وتتجاوز أيضا فكرة استعادة الزمان والمكان كما في “هوليوبوليس”، لكنها لا تزال تعبر عن الطبقة البورجوازية التي تعيد تأمل فئات مختلفة اخرى منها، وتقترح هنا نصا تقريبا بلا مكان، فالمكان غائم الملامح، كذلك الزمن الذي لا نعرف عنه شيئا، ما يمنحه سمة عولمية، إلى حد ما. نص جيد ومركب رغم ما يهبه من إحساس خادع بالبساطة.

 

عودة إلى الملف