أحمد صلاح حسنى.. جدع

نهلة عبد السلام
الجدعنة شجاعة قبول ارتداء ثوب الشرير.. وبينما تحصد كراهية الجمهور يفوز آخر بمحبته.. آخر يرفل فى عباءة الكمال.. آخر مخلوق من حبر كاتب.. موجود فقط بأوراقه.. أما وأرضنا الأم محال أن تنبت إياه، لذا جاء “عزمى” حقيقيا إمتدادا لجده قابيل المُفترى عليه.. الحاقد الطامع وختاماً القاتل، ولكى نبدع أسطورة بطلنا المختار فى سيرة تبهر أضواءها العيون فلا تلتفت لما بين السطور كان لابد من كبش يحمل عنه أوزاره ويتدنس بخطاياه.. اللامنطقى هو أن نجعل من الكل كباش! ووحدهم زمرة السذج والسطحيين من سيهللون ويكبرون حين نحرهم فداءاً للمعصوم.
“صابر أبو شديد” تنكر للوصية المكتوبة بيد رفيقه “أحمد الجبالي” من قُتل غدراً.. لم يكتف بالطمع فى الفتونة بل تستر على الجانى أو على الأقل المشتبه به “سيد اللبان” إذ يمتلك الدافع وتتوافر له المصلحة.. التفاحة التى لا تفتأ تغوى حتى تمزق ثوب الإنسانية تكشف العورات وتعرى الغرائز.. تمنى وتعد بكنز الذهب، إذن فوالد “عزمى” لا يقل شراً عنه بل وربما يفوقه بيد أن المرايا المغبشة تعكس صوراً مشوشة فتغفر لأبو شديد بينما تدين عزمى.. تقهره وتكسر نبوته ونفسه فى تحدى تلو آخر وتقدمه للحرافيش لينهشوه.. يسدد فاتورته وفواتير زمرة معه من المشاديد وفرج وأبو شديد والخانعين والخاضعين بانتظار ملثم يوم يتوجونه بطل ثم وعلى إثر كلام مرسل بلا دليل ولا بينة يصير إلى مجرم.
“عزمى” انتصرعلى قسوة قلب والدته “حسيبة” التى تجهر ببغض أخته غير الشقيقة “ليل” وتحرضه على معاملتها بجفوة وخشونة.. لجأ إلى الاحتيال، الغلظة تحت سمعها وبصرها، فإن هى غابت لان فأغدق على “ليل” المحبة واكتست نبرته بحنان بالغ وبرغم حظوة أخته لدى والده وتمتعها بمنزلة تفوقه وهو امتداده كان انتصاره الأكبر.. فأشد ما يؤجج نيران الكراهية صنع فوارق بين ذريتنا وكأننا بمكتب تنسيق وحسبما يجتمع لك من نقاط تتحدد منزلتك فوق الروؤس أو تحت الأقدام.
“عزمى” جدع لم ينتحل صفة شخص آخر كما فعل “عابد” وارتدى عباءة الشيخ “مبروك” وتعامل على إنه ابن للشيخ “هلال” فتسلل إلى أوراقه ونبش أسراره وأستباح الكنز الملوث بالدم.. بل وتسلل إلى قلب “شكر” فبادلته حباً بحب تمادى بكذبته لم يبح لم يعترف وبالنهاية غُفر له، “عزمى” جدع لم يتخل عن والدته “حسيبة” مع علمه بواقعة ترويع ضرتها وإدعاءها عليها ومن ثم فرارها لتنجو من بطش زوجها الفتوة تاركة خلفها طفلتها “ليل” لتحيا طفولتها ومراهقتها وشبابها كيتيمة بينما والدتها “أحباب” على قيد الحياة.. بينما “عبده” ومع عشقه “لنورا” ابنة “حسن الجبالى” تناسى عداوته ووالده “سيد اللبان” وصراعهم على نفس المرأة وبعد قتله وكأنه جزاء مستحق لمن هو من صلبه أجتمع شملهم بما لا يشوبه ذرة شك أو لوم أو أيا مما ينتاب البشر الطبيعين.. نبتت الأجنحة للجميع ورفرفت وفى جنة الفتوة “حسن الجبالى” كان الغفران للجميع و”عزمى” موجود ليكفر عن ذنوب العالمين.
“عزمى” جدع تزوج “جميلة” وفى أوج قوته وبطشه أكرمها فلم يهرع لأخرى حتى بعد أن تأخر حبلها أما والده “صابر أبو شديد” فلا تجد مبرر لإهانته ابنته “ليل” ذات الحسب والمال والجمال والشباب بتزويجها “سيد اللبان” فتوة المدبح.. صديقه الذى بعمره وله من الزوجات ثلاث.
فى ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ كان الفتوة بشرياً تاريخه به من الوصمات كما البطولات أما “حسن الجبالى” ومن قبله “أحمد الجبالى” فتوات مقدسين منزهين وغير مقنعين لذوى الألباب.. الجدعان يرتدون أثواب من بياض طالها شيء من دنس.. هكذا هم كمثل “عزمى” جدع حقيقى بكل ما يحمله من بياض ودنس.