موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

نسمة سمير

دسني فى معطفك كقطعة خبز سرقتها من أمك، لا تخف سأتمسك بك كمغفرة”، كنت أتمتم بها بصوت غير مفهوم، ووجدت طفلا صغيرا لا يتعدى عمره الخمس سنوات وكلامه يتعدى الخمسين عام، يرتدي سروالا من ورق الريحان وكأن شجرة احتضنته وتركت رائحتها بجسده الصغير، يقترب مني قائلا” سلام من سهيل على قلب منكسر”.

جلس على ركبتيه كما كنت أجثو، قائلًا: ماذا تفعلين.. تسقين هذا الطين منذ شهور أمازلتِ تعتقدين أنه سيزهر مرة آخرى؟، نظرت له بعينين ممتلئتين بالدموع وصوت غاضب ومنكسر: لا أعتقد بل أؤمن. ثم أجهشت بالبكاء بصوت متقطع: بل أرجو الله أن يزهر.. أنا من أهملته ياسهيل حتى جف وأصبح صلب وحاد كالسكين، كنت أعتقد أنه سيتحمل كثرة الماء ووهج الشمس وعواصف الخريف.

وضع يده الصغيرة على قلبي: ما كل هذه الندوب، ما كل هذا الألم، ألم تسمعي عن ملك الريحان، مسحت وجهي بيدي الملطخة بالطين، وسألته: من ملك الريحان؟، أجابني: ملك قريتي يزرع بدموع الصابرين رياحين لا تذبل أبدًا، تحمست قائلة: حدثني عن ملكك ياسهيل، ولكن نشعل الحطب أولًا فأنا أخاف الظلام، أخافه كثيرا، ألا تخافه ياسهيل، قال: لا أخاف فالخوف يجعلنا نخسر ما لا نتحمل خسارته.

وكأنه التقط الكلمة من عقلي، خوفي هو ما جعلني أخسر ما كنت أخاف فقدانه، داعب وجهي بورقة ريحان عندما وجدني شاردة الذهن، قائلًا: إلى أين ذهبتي؟، قلت له: إلى جدار قلبه كان رقيقا لينًا تنفذ منه الأحلام وتراقصني، أحبني وأنا لم أكن أحب نفسي، جعلته يرى الحجرةة المظلمة المغلقة فى صدري، التى كنت أخاف رؤيتها، كنت أعتقد أني احتضنه ولكن ياسهيل المنكسرين ‏‎لا يمكنهم احتواء أحدًا قلوبهم حادة تجرح كلما حاولت المواساة وأنا منهم.

نظر سهيل إلي وهو يمسك بيدي قائلا: سنعقد صفقة، قلت له: أي صفقة؟، أجابني: سأحكي لكِ عن ملك مدينتي، وستحكي لي عن صاحب الجدار اللين، أومأت برأسي بالموافقة، قال: اتفقنا، ملكي يحب المنكسرين، ودائما يكون بالقرب منهم، لا أشرار بينهم، الأشرار لا ينكسرون، يعلمنا كيف نحول أطرافنا الحادة إلى عشب لين يظلل على أحبابنا فى نهار الصيف، ويدفئهم فى ليل الشتاء، ابتسمت: ياله من ملك طيب أريد أن أراه، ينظر إليك كل يوم وأرسلني لكِ لأمنحك بعد البذور الطيبة تلقيها فى الطين الذى أفسدتيه، طالما الجذور صالحة تطرح الأوراق من جديد، فأياكِ وإفساد الجذور، قلت بتعجل: هيا أعطني البذور لأغرسها بالطين، ضحك قائلا: هوني على نفسك ياصغيرة الصبر يثلج القلب ويغلق الجراح ولكن العجلة تفسد الجذور.

ثم بدأ يعلمني كيف أنثر البذور بقلب مؤمن لا قلب عنيد، قائلًا: هيا دورك.. من هو صاحب الجدار؟، قلت: كنا نحرس البستان معًا، نستيقظ فى الصباح نحتضن بعضنا، ويمنحني قبلة فوق جبيني ليضيء، ثم ينظر فى عيني لتلمع، ويمسك بيدي لتدفء، ويخبرني أن عيوني مجرة يسبح فيها، نبدأ فى سقي الزرع وتهذيب الأشجار وتنقية التربة من الدود الذي يأكل الجذور، وفى المساء نجلس نرتشف الحساء الدافيء، ويلقي على جسدي المتعب غطاء من الصوف غزلته أمه له، ثم يبدأ فى مداواة الجروح التي تركتها الأشواك فى قدمي، و يدسني فى معطفه قائلا بصوت حنون: تُذكريني بخبز أمي الطازج الذى أسرقه منها، هنا كنت اخبئه ويشير إلى جيب بجوار قلبه.

وفي أحد الأيام غُرس بقلبه غصن سام، كنت قد رأيته ولكني خفت أن أنزعه فتركته له، هكذا اعتدت أترك له كل ما أخافه، ولكن الغصن ترك جرحًا عميقًا، وأصابته الحمى، جلست بجواره أنظف له الجرح، وأجفف عرقه الذى كان يملأ آبار، أمسك بيدي وهو يرتعش قائلًا: الجدار لم يعد لينًا، والغصن سيظل منكسر رغم الاعتذار، لم أصدقه يومها، قلبه لا يمكن أن يتصلب هو كالعجين الطازج، طاهر، لين، لا يجرح، ولكن ربما كان طيبًا بما يكفي أن يجعله الظلم وحشًا، يخفى طيبته خلف غصب عينيه، يجرح الجميع، وكأنه يخشى نفسه يخشى أن يعود طيبًا، أو ربما بات يخشى غبائي.

بدأنا نتشاجر كثيرًا، وبدأ يخبرني أن البعد يمنع الجرح، جُن عقلي، وأصبحت كالطفل الذى يمسك بثوب أبيه عندما ينوي السفر، أركل الأرض وأبكي وأصرخ وأحطم كل شيء يأتي أمامي حتى لو كان وجهي بالمرآة، بدأ هو يهمل زرعه بالبستان، وأنا أكثر من الماء ليزهر زرعه، لم أكن أعرف إني أغرقه، حتى مات زرعه، فكسر جميع الأواني وبعثر الطين ورحل، ومن يومها أجمع الطين وأضعه فى الأواني التى أصلحتها بما أملكه من عجين القمح، لم يعد لدي قمح أخبزه، ولكن بماذا يفيد الطعام والروح جائعة؟.

أشعر بالذنب كثيرًا ياسهيل، لو لم أتركه ينظف البستان من الأغصان السامة، ما كان أُصيب قلبه، ولو لم أزيد الماء ما كان الزرع غرق، ولو لم  أتشاجر معه كثيرًا ما كان رحل، بدأ سهيل ينظف وجهي من الطين قائلًا: لا تحزني من تبعده المشاكل والألم يعود بعدما تخمد نار الغضب، ولكن من يبعده الملل لا يعود.

 بكيت بحرقه قائلة: كان يحترق فى الليل وأنا أعتقد أنه ينير لنا الظلام، دفع ثمن من غرس بذور السم بالبستان، أريد الجدار ياسهيل، أريد الخبز والرقص والضحك، أريده يعود لي ليدسني بقلبه، وينزع الشوك من قدمي، لأخبره أنه لم يكن فقط يهتم بالبستان ولكن كان لقلبي صلاة، كان أرض طاهرة ألقى بجسدي عليها دون خوف، أتعلم يا سهيل، أتمسك به كمغفرة.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:766. Generation time:18.908 sec. Memory consumption:291.41 mb