وجوه سكندرية .. سيرة مدينة

علاء خالد
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

مدونة Don Quijote

عرفت بصدور الكتاب وظللت أبحث عنه طيلة إسبوعين ولم أجده ، بائعو الجرائد هنا دائما يصلهم كل شيء متأخرا ، سرتُ وصديقي ليلا نتحدث في كل شأن ، ثم كان حديثنا المفضل عن الكتب ، قال إنه اشترى الكتاب ولم يقرأه ، قلت أريده حالا ، قال سآتيك به في لقاءنا التالي بعد إسبوعين ، تضايقت ، فإذا بي ونحن سائران أجده عند بائع الجرائد جوار البيت ، قرأته على الفور وانتهيت منه في بضع ساعات .

هذا كتاب يرتّق فراغات الذاكرة ، يحفظ المشاهد والناس والأيام ، بعد انتهاء القراءة سنعرف أن علاء خالد وضعنا في مأزق ، فلن نستطيع أن نفلت من إساره كلما زرنا المدينة . الشاعر المشّاء ، العارف بالدروب والناس ، يكتب عن المدينة الملهمة أصلا بشاعرية دافئة وحميمية ، هذا الكتاب سيظل مرشدا في شوارع الإسكندرية لكل من قرأه لفترات طويلة . يضم الكتاب العديد من الصور الفوتوغرافية شديدة الجمال ، وإن كان عيبها الوحيد أنها بالأبيض والأسود فضاع كثير من جمالها .

لم يتعامل مع المدينة بشكل تقليدي ، وضع ذاكرته نقية بين أيدينا ، الحضور الأقوى للبشر والأماكن ، والبحر يغلف كل هذا برائحة اليود وطعم الملح . جمال الدولي يكتب على الحائط ” أنا بحب ليلى علوي ” ، وكلما طُلي الجدارعاد يكتب من جديد ، عباراته كأنها احتجاج على شيء ما ، يكتب متخفيا بالليل ويهرب ، لم يرَ أحد جمال الدولي ولا يعرفه أحد ، وظلت سيرته متناثرة تتناقلها الألسن .

المغني الهندي يسير جوار الترام البطيء يقدم عرضه ، يسير بالدراجة ، يد تمسك المقود ، ويد تحمل الكاسيت الكبير ، يوازن نفسه ويغني ، تعابير وجهه تشي بنشوة كاملة ، العرق يتفصد من جسده جراء المجهود ، ويظل يغني ولا يبالي بأعين الساخرين ، عايدة بائعة الورد ، تظهر في كل مكان ومن لا مكان ، وغالبا ما تظهر في المقاهي حاضرة البحر ، كبريائها يشي أنها كانت تعيش حياة مستورة ، يجبرك كبريائها أن تشتريَ منها وردة ، عايدة لم تعد تظهر منذ أعوام وقال البعض انها ماتت .

في مقهى الحاج صالح وأولاده تختفي الحواجز تماما ، أولاد الحاج صالح ، محمد وعبده وأختهما الكبرى عايدة أو عيدة، يعيشون حياتهم كاملة في المقهى وسط الجالسين ، يأكلون ويشربون وينامون ويتشاجرون ، كل شيء يتم بأريحية تامة ، كأن الجالسين من أهل الدار ، عبده الفتوة ، محمد الذي يجمع عشاق الاتحاد السكندري في المقهى كل أسبوع ، وعيدة الضخمة السمراء ، العانس طيبة القلب ، وإن أظهرت غير هذا .

عم عربي الشحاذ الذي أراد أن يفر من أسر الحياة فيه مس من جنون وشذوذ ، هؤلاء المدينة دونهم ناقصة ، وصف علاء خالد يجعلك تتمنى أن تراهم إذا ذهبت إلى الإسكندرية .

بطبيعة الحال ، لا يمكنك أن تتحدث عن الإسكندرية ولا تتحدث عن البحر ، كل شيء يرد إليه ، هو أصل المادة الخام التي منها خلقت المدينة وله فيها كل شيء ، يصلح لكافة الأغراض ، تكلمه وتبث إليه همومك وسوف يتقبلك دون أي اعتراض ، يمنحك ما تريد عندما تجلس مع الحبيبة ، يوفر لك ما تشاء عندما تسير مع الأصدقاء ، تستلهم منه الرحابة إن كنت ضيق الصدر .

وأينما وليت وجهك ناحية المدينة ستكون المقاهي المطلة عليه ، التجارية والوطنية والكريستال ، وللأخيرة الحضور الأهم ، حيث كانت في التسعينيات – وحتى الآن على ما أظن – الراعي الرسمي لنقاشات مثقفي وكتاب الإسكندرية ، مقاهي الإسكندرية بشكل عام تختلف عن المقاهي في أي مدينة أخرى ، فلن يكون مستنكرا أبدا أن تجد عائلة كاملة تجلس على المقهى ، فالمدينة تتحول إلى مصيف طيلة 3 شهور كاملة .

بار الشيخ علي وبار الوطنية – تحولت إلى مقهى الآن – وبار سبيد فاير ، كلها في مربع واحد تقريبا ، ورويدا رويدا ، حاصرها المد الديني بعد أن كانت أماكن عادية مثلها مثل المقاهى ، صار الداخل والخارج محل استنكار من العابرين وأصحاب المحلات المحيطين ، فيما سبق كانت توفر مكانا ممتازا للنقاشات الفكرية والثقافية المحتدمة . والبارات بشكل عام عالم غريب ، لن تستطيع أن تسبر غوره في جلسة واحدة ، سوف ترى كل الأطياف ، سوف يحكي لك الغرباء حكاياتهم سواء بشكل مباشر أو إذا سمعتها عرضا ، سوف تجد الباكين والضاحكين ، ولكن للأسف اختفت زهوة البارات في الاسكندرية في منتصف التسعينيات

يتحدث الغرباء عن الشيء الرائق في الإسكندرية ، هذا الروقان الذي انعكس على تصرفات أهل المدينة – وخاصة في السيتينيات – الإسكندرية المدينة الكوزموبوليتانية ، مأساتها أنها تجمع الأشتات وتفرقها في وقت واحد ، هل تطوّق البحر أم يطوّقها ؟ ، البعد عن القاهرة جعل علاء خالد قلقا ، فالمركز مليء بالأحداث والأشياء ، يخشي أن يفوته شيء ، جعل الإسكندرية مركزه ، يستغني بها عن صخب القاهرة وإزعاجها ، ويعود إليها بعد كل رحلة ليستريح ، مثلما يفعل العاشق أو المحارب أو المهزوم سياسيا .

 

عودة إلى الملف

   

مقالات من نفس القسم

قص الأثر
موقع الكتابة

إفاقة