غربة وسلام

حسين عبد الرحيم: "زووم إن" مرثيتي الجديدة عن فردوسي المفقود "بورسعيد"
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

حسين عبد الرحيم

لا تعرف، ولن تعرف.

تحزن أم تفرح، تبكي أم تضحك أم تسخرأم تنكمش وتلبد في طريقك، بالأمس هاتفني صديق حياتي ورفيق طريقي مجدي فاروق وموعد مقدر، ذهبنا للسيدة نفيسة وكانت ثمة نشوة وأمل ورواح لطريق خدر قبل المغارب. كانت النسوة والبنات وتلك الرائحة لفرح ما مكتوم يتسرسب لأرواح زهقة، تبدد سيرتنا عن الموت وكورونا والحكم والإرادة والخوف والجنون وطلاسم الدخان واللهب وتباريح سيالة تحاول قنص او القبض على لحظة ما فاصلة لتنهي هذا العبث فيما تم اجتراره، عن الذات والأقدار والمصائر وتلك العلامات في الطريق، مدد ونظرة ورجل طاعن في السن نائم منتش على عتبات الباب الأخضر خلف نفيسة العلم، مدد.

تعبر بنت في العشرين هائمة وحزينة وتتجلى رائحة جسد عذري بنكهة المقدس وتداعي تجليات القوام وعبثية اجترار الخلاص فيما يسمى المدنس فتبتعد الدماغ وتهييم، موغلاً في الكائن المتحرك بالحزن والطيبة والكبرياء وشموخ الحزن لا عجز الوحدة في رحاب وصيرورة الواحد الأحد، كانت تسحب أمها الضريرة في غفلة من تبصر وتحديق صديقي، عبرت صامتة خرساء وطالت جلستنا حتى قبل أذان المغرب.

تذكرت أمي وموتها وموتتها وأنا البعيد القريب لحالي وهواجسي وخوفي الدائم من الآت، ليس كفراً ولا انعدام إيمان ولا اعتراضاً على مشيئة ولكنها التدابير والقدر وجدية أو عبثية النهايات المعلقة مابين السماوات والأرض في كل وجل مواقيتك. خمسة عقود على الطريق وننجرف بسيارتنا في طريق مجرى العيون بلا ماء ولكنها الرائحة.

ودعني كالعادة في رمسيس ونزلت من السيارة في حالة انتشاء ذهبت لمصر الجيدة والعباسية من قبل عقلي الواعي واللا واعي، يتصارعان كالعادة، الخوف من السفر ووحدة الطريق وقد طال سفري وساءلتني ظنوني..فسألت ربي كثيرا وحاولت نزع طرف اللهب وإخماد حرائقي، فعاندت وتجلي وعدت لبيتي قبل منتصف الليل. أفكر في اسرتي الصغيرة التي سافرت منذ يومين، وحدي كالعادة وحرية تأرجح الأفكار مابين الابيض والأسود والمجدي واللامجدي والعبثي واللابد والزائل والحي والميت والمسافر والمهاجر والغريب والمتغرب والمغترب والمسافر، إلى بلاد الله خلق الله.

تتناوبني وتصرعني الهواجس الموت والحياة والسفر وجدوى ومغزي ونهاية الطريق، وأغان صداحة في واقع قذر وثكنة لم أعد متصالحا مع ناسها ولا موقعها، أنسى كرهي للحيطان والبحث عن طرائق لخلق جديدان امسح كتبيي والبار وأشرب القهوة لرابع مرة سادة، مر علقم. أحبها لتمارس نفس الدور، تسييل أفكار الموت والحياة ولذة الفوقان من المر، بطعم البن السادة، تغلي رأسي وتفور وأفكر من جديد فيي إعداد الحقيبة، فامرغ متنقلا بين قنوات أخبار العالم في الحرب والموت والمؤمرات والجثث والمفقودين والبؤساء والفقراء وأغنياء الكوكب الملعون، خطفة في ثبات االقعدة، في لمح البصر تباغتني الأصوات لإبن أخي الاكبر ليبلغني بالخير: سيد مات في حادثة في الصف وهم في طريقهم للصعيد، سوهاج بلد الجد والأب والعائلة، صرت كالمسطول سكرانا يبحث عن إفاقة بعد مصارعات فاشلة لمطاردة النوم بلا جدوى، من ثلاثة أيام، من خمسة من شهر، من ثلاثة، من خمسة، نوم متقطع ساعاات ثلاث او اثنتين في الغالب لتمشي رجراجا. مابين خدر وسكون وموت وحياة إفاقة ونوام، يضيف ابن الشقيق الاكبر في مكالمته،، طويلة كانت أسفارهم في البلاد، منذ أن استخرج كا منهم بطاقته الشخصية في السادسة عشر من العمر فأرد: “لم أره من قبل”، فيضيف: “دا اربعين سنة الله يرحمه ويصبرهم”، فأقول من جديد معقبا: “لما رحت البلد آخر مرة في 78، أو في المرة الوحيدة”، كان سيد لم يات للوجود ولا للحياة بعد، طلب شقيقي الأكبر وابنه محمد أن أعد نفسي للسفر وأنا المستسلم لآلام كتفي وذراعي. وتري المقطوع وعصابيتي المقصودة في التغلب على العجز الذي يحاربني بشراسة في عضمي وعضلاتي وقوامي ولياقتي، فأتغلب عليه بالرياضة.

تنقطع المكالمة ويبرز صوت مطرب شعبي يغني: “يا سارق القلب اسمعني بلاش يا عمري تضيعني” أضحك فتزورني الخيالات والأشباح، عن الفقد والموت والأم. على سفر، وساعات ساعات، أضحك أسخر أتجهم أعبث اتوه. تنتابني شياطين نفسي بلا لوم ولا حسرة ولا حزن ولكنها البلادة فليس جديدا يا صديقي ماترمي به الأقدار فى سكة الساكن، مع سيرة الموتى مرة بالدعاء ومرة بالخوف ومرات بالهروب في مسارات هذي الادخنة الزرقاء والسوداء وخدر.سيال وخوف يتجدد، من ماذا ولماذا وكيف صارت النفس والعقل والروح هكذا، اعود لنفسي، صرعي من قبل تراكمات عمل وطموحات ومشاريع لا تننتهي واللعب مع الزمن بمجابهة عمر منفلت يهرب بجنون، كيف مرت السنوات الثلاثة وعشرين، اين مني عشريناتي، في عمر جميل أين ثلاثينياتي، أين عمري. أنام لأتوقف قبل سريري في غرفة النوم خاشيا الدخول بالكدر في فراش الموت المؤقت أو الذي يخاطبني همسا بصرعة كل ليلة: كان من الممكن أن تكون ليلتك هذه الاخيرة، أشعل سيجارة فالثانية فالثالثة لأحس بالخدر والدوخة لأنغمس فأستقبل مكالمة أخرى في الثالثة إلا الثلث بعدد منتصف الليل فأستيقظ وأفتح التلفاز فأري الفيلم المغربي “سلام وغربة” ليعيد نفس شريط الافكار، الصور واللقطات، حياتي والهواجس وموتى، الموانئ والشطوط وبحور بعيدة، غريبة.

 أسال نفسي من جديد عن الجدوي. الخلق والحياة والعيش ماهية الأقدر وتراتيب الرب والطموح والسفر ومحطات مسروقة لا تعد ولا تحصي ترتحل ببها وفيها ذاكرة العائش في الحقية والقابض على ذاته بما يتواءم وطرائق تربيته وفكره ومشواره وعلاقاته وطموحاته وعائلته وأخواته وأمي وأبي……؟!!. وزيف الصحاب والشكوك في مفاهيم الاخوة ومعني الشقيق في البراح والضيق، يختتم فيلمي بفينال لم يرق لي، ويبقى العنوان، سلام وغربة لأجتر ماكان ولازمني،في طريق طويل حسبته عمرا، وحسبني نصف إله، أو رسول بعث ليحرق نفسه فيي، ذاتية سوداء لا تفييد ولا تلين ولكنها تطرح رؤوس مدببة لافكار صلبة وصلدة ووحد ة، ووحي كتابة، ترمي بي وسط الدخان واللهيب والنزق والتهور والعصابية المفرطة مابين كر وفر ونار الإختيار تدق طبول ونغمات الصبا والطفولة المغدورة وعمري المسروق في الترهات وطرق السفروأنا المخنوق تتنازعني مسارات جلية من ممارسة الرقص على جثث الموتى في طريقي الطويل الخارج من العام 67 ليستمر مابين ضوء وخفوت ووهج وحزن وبلادة وفرح بلا مبرر وطرقعة صاجات وشبح نايات لاتبين ومزامير في ليال معتمة لا ياتيها النهار لأقول في حسم إنها نفسي وما سواها.

مقالات من نفس القسم