على شباك غرفتي ..

موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

يمر الوقت وأنا واقفة علي حافة نصي، كالصياد في انتظار أن يصطاد قلمي كلمات جديدة، ولكن بلا جدوى، أصبحت غير قادرة على إنتاج جملة استهلال واحدة تجذب القارئ.

اقترب عامي الثالث والعشرين على الانتهاء، سأحتفل بعامي الجديد مع الكريسماس، سأعلق لعب الزينة بصحبه أحلامي الجديدة على أشجار قلبي،

 قلبي عَطِشْ، أشجاره لم تثمر بعد ،سأعلقها إذاً علي جدار روحي، ولكنه مليء بالثقوب !

لا يهم سأعلقها على خصلات شعري الطويل،

شرعت في التجرد من كل شيء، مزقت معظم أفكاري التي كتبت، حتى نسيت ما كان يحمل رأسي يوماً. تخلصت من معظم الكتب فضلاً عن أني نسيت ما قرأت من الكتب، تخلصت من الأرقام علي الهاتف، رسائل الحب، الصور، التسجيلات التي كانت تحمل الحب والشعر، جوابات صديقاتي وصورهن من عشر سنوات، تخلصت من معظم ملابسي، الحِلي ،مقتنيات احتفظت بها منذ الطفولة، جوارب ذَات ثقوب غير مرئية، الأوراق الصفراء القديمة التي أحب، تخلصت من معظم الأحلام العالقة بي.

أنا الآن خفيفة جداً ،فارغة ربما،

ولازلت أشعر بثقل. تجنبت أكل النشويات ولم أستطع أن أتجنب الحب، يقف العقل يقف كالحارس علي أبواب قلبي وأراني مشتظية لاثنتين، آهٍ لو أحيا مبتورة القلب.

 أنا عاطفيه جداً. حين أحب، لا أرى العالم، تكفيني أخبار الحبيب، لذلك فأنا اكره الحب بل أخافه لأنه يعمي عيني عن الرؤية تماماً

 أحببت مرةً فكنت مثل أمي،لا أقرب النوم إلا بعد عودته من العمل وخلوده للنوم، إن منحني اليوم ساعة من الوقت فارغة كنت أمنحها له بدلاً من القراءة / الكتابة، كنت أضحي مثلا بمسلسل أتابعه، مقابله مع الرفاق، طعام ساخن ينتظرني، كي اقضي الوقت كاملاً مع الحبيب، أنظم مواعيدي بالضبط عليه. كنت مخلصه تماماً، حين يغيب كنت أجلس بين نجمات السماء أترقب مجيئه واكتب عن ماذا يفعل الغياب بقلوب المحبين، مَرَّت بي نجوم كثيرة طردتها وانتظرته هو ليطعم فم الوحشة!

 إن جرحني حبيبي جرح غائر لا يلتئم، بذنب لا يغتفر، خيبه أمل ما، وجدتني بمجرد أن أراه  والضعف بادٍ في عينيه مسحت علي يده وغفرت علي الفور -بعيداً عن مداواتي الجرح لذاتي والعيش علي أثره وما أدراك شده الألم- .

 هل أنا عظيمه؟ أبداً أنا فقط أحاول فقط أن أتعرف على نفسي، ومدى خوفي من الحب ولا يعني ذلك أنني لن أرغب به مجدداً وإن كنت أتمني ألا أقع فيه مره ثانية!

الواحد من الغباء أن يفني كيانه من أجل شخص آخر حتى وان كان فداء الحب، الواحد يجب أن ينتبه لنفسه أولاً، لا يتنازل عن أحلامه ،هواياته، وقته ، وعن طاقته فداء أي أحد/شيء.

 الحياة مشاركة، لا يجب أن ينسي الواحد نفسه، لا يسخّر/ يكرّس حياته من أجل آخر . اكتشفت أنه لا يجب أن يكون الواحد منّا متاحًا دوماً كي لا يُفقدَ الشغف به ، كي لا يُدهَس ، أو لا يُقَدَر . أمي تفعل هكذا تماماً -أخذت ذلك عنها- ،تفني نفسها من أجلنا، ولا يشعر بها أحد، ولكنني أدركت مؤخراً وأخيراً حقيقة الأمر وحكمته.

يجب ألا نلتصق بالصور تماماً، كي نرى، ونُرى.

أشعر  حالياً بالخواء، تعتصرني الوحدة، تنخرني كالدود في التراب، أعجز حتى عن إيجاد تعبير لأصف به كيف تبتلعني الوحدة هكذا بكل سهوله، بكل حماقة! لم يمكنني أن أهرب منها، وددت لو أني أدس نفسي دوماً وسط الجماعات، أحب الشوارع لدرجه أننا أصبحنا أصدقاء وبكل الطرق أحاول أن أطيل فتره صداقتنا حتى لا تنتهي بمجرد طول المسافة بين بيتي ومحطة الباص أو بين محطة الباص ومكان عملي فأخذ الطريق تمشيةً ولكني أتعجب لم أعد أحب المشي وحدي كما اعتدت ،.في حين يوماً تعطّل الباص في الطريق اشعر بالأنس حيث  اقضي أطول وقت مع كل هؤلاء الغرباء الذين علي الطريق، أصبحت أشارك أموري كلها الصغيرة منها والكبيرة مع جميع من حولي بفعل الوحدة فبدت حياتي كتاب مفتوح يقرأه كل من يعبرني. منذ أيام مات والد صديقنا بالعمل، حين وصلت صوان العزاء، أفجعتني نظره عينيه، أكره الموت ولا أخافه ،الموت الذي أخذ جدي قبل أن أدرك معني أن اختبئ بين يديه هربا من العالم، من غضب أمي حين أهمل أعمال المنزل التي أجهلها كلياً . تباً للموت الذي يسبب الفجيعة .

" النهارده كنت كويس قدام الناس بس مكنتش انا مش عارف امتي هبقي كويس وانا"

وانا هكذا كل يوم تماماً ولا اعلم متى سأكون انا. أنا حتي فقدت نفسي، فقدت نفسي النشطة في ايام الجامعه التي كانت علي مرأى ومسمع جميع أساتذتي الذين كانوا يضربون بي المثل لزملائي، فقدت حلمي المهني، شئ ما فسد بداخلي ، فقدت أشياء واشياء.

أي شئ يضاهي المصارحة مع النفس!

في الحب ، أحمل روح طفولتي، قلب أمي، حكمه أبي، وغيرة أخي .

أكره الحب الذي يجعلني ... أمثلاً أقول إنني كالطفلة العالقة برقبة أمها وان غابت بكت روحي حتى تعود؟ لا بل أكثر من ذلك!  .

أنا ضعيفةُ جدا في الحب يثقُبني الغياب، تذبحني القسوة، تَشُل أطرافي خيبه الأمل، ثمة صدمهٍ ما في من أحب تصيبني بنزيف بالأنف أو بعض تكومات الدم الزرقاء في الجسد - التي يسمونها البلاء الأزرق- أنا ابالغ؟ اطلاقاً فأنا اسرد الان أشياء بسيطه . بقلبي عاطفة أمومة أتعامل بها لا إرادياً مع المحيطين فيقعوا في غرامي، طيبه ما كما يقولون تظهر في عيني فتوقعهم في الحب، انا لا اعتقد ان هذا حب، هو حب ربما ولكن لصفه مثلا يرونها جميله.

أنا شخص سيء ، لا أجيد الدهاء الذي يحافظ علي الحب، لا أملك مكراً ولا حيلاً  طويلة لكي أتدلل بطريقه تذيب قلب الحبيب، ولا تجعلني "غالية" كما يقولون كي يجري وراء سحري وعذوبتي ودلالي ، هذه ميوعة أرفضها! ، تلقائية أنا لا حيل لي في الحب.

ومن باب المصارحة مع الذات أقول وأنا بكامل قواي القلبية  الآن، أنا لا احتاج إلى الحب، في كل وقت احتجت فيه إلى يد حبيب تربت علي كتفي هو في الأساس احتياج لحنان أمي، احتواء أبي، صداقه أخي . أتذكر قول لوركا حين قال " سأكون دائماً إلى جانب هؤلاء من لا يملكون شيء وغير المسموح لهم حتى أن ينعموا باللاشيء في سلام"

وأنا الآن أقول، أنا لاشيء، ولا أنعم بشيء، وأريد فقط بعضاً من الرفق، والسلام.

أنا الآن أم لثلاث وعشرين عاماً من الحرب سأستعد للاحتفال بعامي الجديد وحيده علي شباك غرفتي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 كاتبة مصرية 

مقالات من نفس القسم