طارق إمام .. مايسترو التجريب في مساحات لا نهائية

طارق إمام .. مايسترو التجريب في مساحات لا نهائية
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

أسماء حسين

ماذا يمكن لكاتب صناعته حين يرى الأشياء الثابتة تتحرك وتهتز أمامه في متتاليات خيالية ويصبح بإمكانه أن يرتبها على هذا النحو ويمنحها نكهة مختلفة كالأساطير.. طارق إمام لديه قدرة كبيرة علي خلق مجازية أسطورية للواقع وإعادة ترتيب الصور بين الحقيقة والحلم.. يستطيع أن يصنع عالما موازيا سحريا من قلب الأشياء المعتدلة ورسمها من جديد بصفات أخرى كما يفعل في تلك المجموعة الفريدة.

هكذا استهللت قراءتي لمجموعة طارق إمام الفريدة الأخيرة “مدينة الحوائط اللانهائية”.. وهكذا يصنع طارق إمام أسلوبه الفريد غير النمطي.

في بدايات تعرفي على عالم طارق إمام الأدبي قرأت “طيور جديدة لم يفسدها الهواء” أحببت كقارئة تلك الطريقة في الكتابة؛ عذوبة السّرد واللغة، أسلوب مميز ومساحات خلق وابتكار جديدة وقوية، مراوحة بين الواقع والخيال، للكاتب أسلوب سردي خارج عن العادة وعطش سحري للتجريب اليقظ المتقد، الأشخاص ووصف الأماكن والأحداث والصراع، والنهاية المحبوكة المبهرة، لتجد عملًا ينتمي لكاتب متحكم تمامًا من مفرداته وخطوات شخوصه ولديه حساسية عالية تجاه مزاجية العالم وألغازه وتساؤلاته الحية، حساسيته الدقيقة التي يسير بها إلى حيث شاء، ويختار لها الأثواب والملامح المختلفة، مستخدمًا صوره الفلسفية وطريقة تشريحه الفنية للحالة السردية، رواياته غير نمطية، تحمل دلالات واضحة على إطلاع الكاتب الواسع بمكتسبات الفكر الإنساني والثقافي لكل الأزمنة وكل المجالات، بينما يكتب القصة أحيانًا على طريقة المتتالية الأسطورية الغير منتمية للخط الكلاسيكي النمطي، بل لخط الخلق والتجريب الذي يفر من جمود النمطية، وهو التجريب الذي لا يعتمد على الغرابة فقط لخلق نمط مميز بل يدرك جيدا أن الغرابة وحدها لا تصنع أدبًا مميزًا. إنه يطرح فلسفاته الخاصة من خلال عمل محكم. مدركًا أن الفن الحقيقي لا يخرج عن نص واقعي صرف بل هو مداولات دائمة مع التجريب.

كتابة طارق إمام ولغته تأتي موزعة بين اللحن الموسيقي والقصة والقصيدة والأسطورة في آن معا، مع تمتعه الواضح بخيال رائع وإبداع فكري.

هو متحكم تماما من مفرداته وتراكيب شخوصه، يتحرك سرديًا بخفة.. ويصنع واقعية سحرية عذبة. جمال اللغة الشعرية في الكتابة قد لا يقدر بوصف، تلك الموسيقى المنسابة بها خلال الصورة.. وهو يبرع في صناعة تلك الموسيقى داخل الحدث السردي.

يكتب الروائي والقاص طارق إمام ما قد يعرف بكتابة الحالة حيث البطل هو الراوي المنطلق بحرية في تأملاته وفلسفة الصور والمشاهد والأحداث التي يتعرض لها، قد لا يدهشك إن لم يفهم ذلك البعض ممن ينتظرون قراءة الحدوتة المكتوبة بالطريقة التقليدية الشيقة. القاريء المستغرق في حدوتة طارق إمام يدخل معه فى مكان بين الحلم والواقع ويتمنى ألا تعود للواقع أبدا. أسلوب الفانتازيا الذي يحفز خيال وفكر القارئ ليجد نفسه فجأة في أجواء يرسمها الكاتب ببراعة، مثل ان تغفو فتجد نفسك فجأة بوسط الحلم وتشعر بصعوبة العودة للواقع بسرعة.

طارق إمام يفعل كل هذا بطريقته الخاصة.

لا يمكنك بعد الانتهاء من قراءة أي عمل له سوى أن تدرك أن طارق امام كاتب متفرد يصنع تاريخه وأسطورته الأدبية الخاصة، الموقعة بأصابعه الموسيقية، وأنه أحد قامات حركة التجريب السردي والحساسية الأدبية تجاه مفردات العالم والتي ستترك أثرها دائمًا.

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم