محمد الفخرانى *
عندما خرجت من فيلم "رسائل البحر" كانت حبات المطر مازالت على وجهى ورائحة البحر فى ملابسى.
"أن تخرج خفيفًا"، هذا ما يحدث عادة معك عندما تنتهى من مشاهدة أحد الأفلام الممتعة، تخرج فتفاجأ بوجود العالم، ترتفع قليلا عن الأرض، ويحلق قلبك على مسافة قريبة، تنظر للعالم حولك بالكثير من الحب، فتشعر بأنك منغمس فيه وأنك خارجه تمامًا فى نفس الوقت، تريد أن تلمس البشر والأشياء لتتأكد أنها حقيقية، تلك السينما/ الأفلام التى عندما تنتهى منها ولا تريد أن تفكر فيما كانت تطرحه من أفكار، لا تريد أن تتذكر الحوار أو الجمل التى أحببتها واللقطات التى خطفتك، تريد أن تؤجل هذا كله لفيما بعد، لتحتفظ لأطول وقت ممكن بالحالة الوجدانية التى تشعرها داخلك، هذا الجمال الفنى الذى يملؤك رغبة فى الجرى، تجرى.. تجرى حيث لن تتوقف أبدًا.
كما هى العادة عند "داوود عبد السيد": شخصيات معدودة، حوار مكثف، غرام بتفاصيل ونقوش حوائط البيوت، إضاءة وكأنها موسيقى مرئية، وفكرة من القوة والسهولة والعمق والعمومية، حتى تبدو كأنها تخصك وحدك، فكرة بمقاس قلبك.
لا أذكر أنى رأيت حشدًا لمجاميع فى أفلام هذا المخرج، تلك "المجاميع" التى ليس لها وظيفة فى أحيان كثيرة غير أن تحدث المزيد من الضجيج، وتملأ الكادر لتتركه فى النهاية فارغًا، فى أفلامه ليس هناك أى حشد، ولا حتى حشد للمشاعر، ولكنها –المشاعر- تسّاقط داخلك قطرة قطرة حتى تتشربها تمامًا على مهل وبساطة وكأنها عطر خفيف يسرى داخلك فيسكنك ولا تتخلص منه، أنت لا تريد أن تتخلص منه، فتخرج وأنت ممتلىء/ خفيف، هذا ما تفعله الشخصيات المعدودة التى تعيش فى هذه الأفلام، فهى تشعرك بالحميمية وكأنها تعيش حياتها أمامك، وتكشف روحها لك أنت بشكل خاص، ثم حواراتها القليلة الهادئة البسيطة، وكأنها تريد أن تعبر لك عن نفسها بأقل وأعمق الكلمات وأسهلها، فهى تثق فى شمولية الشعور الإنسانى، فى انسانيتك وأنها –الشخصيات- عندما تفعل ذلك معك، فإنك ستفهمها وتشعرها وتحبها وتتسامح معها، هى تثق بأن تلك هى أقرب طريق للوصول إلى قلبك، ثم هذه الإضاءة التى تبدو ككائنات حية تعيش داخل المشهد.
"العالم هنا بقى صغيّر عليّه" يقولها "يحيى" الطبيب المصاب باللعثمة لأخيه، ليؤكد له أن المشكلة ليست فى أن "البيت كبير عليه" وإنما المشكلة فى أن "العالم صغير عليه"، لذا سيتخلص "يحيى" من هذا العالم الصغير بسرعة ونراه فى مشهد بشقته بالإسكندرية وهو يفتح النافذة على البحر ويقول
"بقيت حر"، ويكمل حريته بالعيش من الصيد بسنارة تضمن له –أحياًنًا- قوت يومًا واحدًا، هنا "يحيى" لم يلقى بحياته للقدر ليفعل بها ما يشاء، ولكنه كان يحاول اللحاق بحياته والإمساك بها بنفس البراءة والتلقائية والإصرار ، الذى تعرف به على "فريدة" فى الشارع تحت المطر، وأن يدفع لها إذا مارس معها الحب، ثم تمسكه بحبه لها بعد ذلك، ما فعله كان اختيار، "يحيى" هنا اختار الحياة، لماذا نفكر فى الشوارع والسماء والبحر كلما فكرنا فى الحرية؟
بعد تجاوز اللقطة التى أمسك فيها الصياد بالزجاجة التى تحتوى على الرسالة وألقاها ثانية للبحر وهو يقول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، سيصير كل شىء فى الفيلم مثل اللحن الموسيقى الذى كانت تعزفه "فريدة" من خلف نافذتها ليسمعه "يحيى" فيشعر بالحرية، ثم تتفاعل السماء لتكتمل حريته بهطول المطر، فيتحرك البحر بالزجاجة/ الرسالة لتصل إليه، وتستمر الحياة فى قصص انسانية تكشف روحها لنا، أقصد أن رفض الصياد للزجاجة هو اللقطة الوحيدة التى كانت خارج سياق هذا اللحن السنيمائى، بشكل شخصى أعتبرها لا تخصنى، الصياد لن تفزعه زجاجة فارغة –أية زجاجة_ تظهر فى شبكته حتى لو كانت بها رسالة أو أكثر من ذلك، كما أن الرسالة بمفهوم الفيلم تخصه أيضًا.
فى "رسائل البحر" أربعة مخلوقات، قادرة على أن تكتب كل "الرسائل"، وتغلفها بما يشبه الحلم وهى: الموسيقى والمطر والبحر والحب، تلك المخلوقات الأربعة هى التى صنعت الحالة الوجدانية "لرسائل البحر" ، الموسيقى ستجلب المطر، والمطر سيجلب السعادة، والبحر لا يتوقف عن الحرية وجلب الرسائل، والرسائل لن تخلو من الحب، والحب سيجعل "يحيى" يتخلص من اللعثمة، وستلاحظ حبيبته "فريدة" ذلك وتخبره به، غير أنك ستلاحظ ذلك قبلها وستعرف أن "يحيى" يتخلص من اللعثمة فى لحظات الحب النقية معها، وهنا ربما خشى المخرج أن تفوتنا هذه الملاحظة فأراد أن ينبهنا لها بشكل بسيط، أو ربما قالتها "فريدة" بشكل عادى كملاحظة شخصية لها فى حياتها مع "يحيى"، وهى ملاحظة لا يمكن أن يفوتها شخص فى مكانها، سيتخلص "يحيى" من اللعثمة أيضًا فى بعض الأحيان بعد تطور علاقته بصديقه "قابيل"، هذا ما يفعله الحب.
فى بداية الفيلم لن ينسى المخرج غرامه بتفاصيل الحوائط ونقوشها، وكأنه يستخرج منها قصص حياتها، وحياة من مروا بها، مثلما فعل فى "الكيت كات" وهو يتتبع بالكاميرا أنامل "الشيخ حسنى" وهى تتحسس حوائط المكان كله، خاصة فى الصباحات الشفيفة، كما فعل أيضًا فى "مواطن ومخبر وحرامى" وهو يتحسس بالكاميرا الأزقة والحوارى الإنسانية، سنراه فى "رسائل البحر" وهو يتحسس بلقطات متداخلة تفاصيل الجدران الخارجية لبعض بيوت الإسكندرية الساكنة على البحر، وتفاصيل التماثيل الصغيرة فى نقوش تلك الجدران، فتراها وكأنك تتابع فصلا من حياتها.
"التواصل مع الطبيعة": البحر، المطر، والموسيقى التى هى بالأساس كائن "طبيعى"، أراها مخلوقًا لا يخص البيوت، ستستمتع الموسيقى بالعالم وتمتعه بشكل أكبر لو خرجت للحياة خارج الجدران والأماكن الحبيسة، فلو أن "يحيى" سمع الموسيقى التى كان يأتى من أجلها كل ليلة وهو داخل البيت بين الجدران ما أحبها، ولم يكن ليحبها بنفس الدرجة التى أحبها بها وهو يسمعها تحت المطر، لذا فهو لم يحب نفس الموسيقى من أسطوانة وكاسيت جاءت بهما حبيبته "فريدة" إليه، ليس فقط لأنها بهذه الطريقة ستكون موسيقى متوقعة ولا تحتمل الخطأ، ولكن أيضًا لأنها موسيقى حبيسة.
فى مشهد جموح البحر ستحب هذا الإحساس الذى تراه أمامك، ستصدق أنك هناك فى هذه اللحظة وستشعر بارتطامك بالموج، تفاصيل هذا المشهد، بداية من الكيس الشفاف الذى يزحف على رمل الشاطئ، الموج الذى لا يرضى بأقل من الحرية، الرذاذ المتصاعد، انهماك البحر فى الحياة، انحناء الأشجار على الشاطىء، سقوط كوب الشاى الفارغ الذى كان يخص أحد الصيادين، فيبدو هذا كما لو أن البحر يلقى بروحه على صدرك، حتى أن الجمال الذى ستلمسه هنا بعينيك سينسيك جوع "يحيى" وهو يهتف فى البحر "…وجيت لك جعان ومتدنيش"، الجمال يجعلك تثق بأن "يحيى" فى كل أحواله ورغم جوعه سيكون فى أمان مع هذا البحر، وهى نفس درجة الثقة فى أنك من بين كل الوجوه لن ترى أجمل من وجه غسله المطر، لماذا يفرح وجه العالم ومزاجه بظهور البحر والمطر والموسيقى؟
مشهد جموح البحر هنا بمثابة ذروة فنية داخل الفيلم، هى بالطبع لم توضع كبديل لذروة فى الأحداث أو القصة، فالفيلم بالأساس لم يهتم بهذا البناء التقليدى، هنا ذروة وجدانية وبصرية، وكأنك تنتبه من حلم على حلم.
للمرة الثانية على التوالى يستخدم المخرج تقنية "الرواى"، وهى تقنية إن لم يتم توظيفها بمهارة فقد تشوش الفيلم وتزعج المشاهد وتربكه، فى الفيلم السابق "مواطن ومخبر وحرامى" كان الرواى يبدو عليمًا، ومن خارج شخصيات الفيلم، لذا كان صوته حياديًا، لا يتعاطف مع الشخصيات ولا تتفاعل نبراته مع الأحداث، كان يستشرف أحداثًا أو يحاول تفسيرها، فهو يرى بعين المخرج الذى يمكن له أن يتوقع، أما فى "رسائل البحر" كان الرواى "صوت داخلى"، فى البداية "يحيى" ثم تشترك معه "فريدة" لاحقًا، الراوى هنا يرى بعين الشخصيات التى لا تستطيع أن تتوقع مصيرها، ولأن الراويان "يحيى وفريدة" من داخل الفيلم كان صوتهما مسكونًا بالمشاعر وتتغير نبراته بالحزن أو السعادة الشفيفة وغيرهما من المشاعر، كان صوتهما يندهش ويتساءل، ويترقب، يسترخي أو يتوتر فى انتظار "رسالة"، الصوت هنا لا يتوقع ولا يرتب شيئا، فقط يتساءل فى معظم/ طوال الوقت عن "الرسائل" ولا يملك غير أن يعيشها ليفهمها.
هناك الكثير من الاقتراحات لما يمكن أن تكونه "رسائل البحر" التى وجدها "يحيى"، لذا فلم يكن معروفًا بأية لغة كتبت عندما تم تمريرها بين أشخاص فى الفيلم يتحدثون بمختلف اللغات الموجودة، وكون "رسائل البحر" تحمل كل الاقتراحات الممكنة فهى تنفى أن يتم حصرها بفكرة واحدة، وربما كانت تلك هى الفكرة: أن تكون هناك عشرات الاقتراحات، فلا يستطيع أحد أن يقترح أو يحدد فكرة بعينها، ثم لا يستطيع هذا ال "أحد" أن يمنع نفسه من أن يقترح ويحدد فكرة تخصه، لذا أقترح فكرة أن "الرسائل" لا تخص أحدًا بعينه لذا فهى تخص كل واحد بعينه.
فكرت فى السمك الميت الذى كان طافيًا حول قارب "يحيى" و"فريدة" بالمشهد الأخير، وهو السمك الذى قتله/ اصطاده الحاج "هاشم" بالديناميت، بعيدًا عما يرمز إليه المشهد كنت أفكر فى كيفية صناعته، إن كان هذا السمك حقيقى وتم قتله بطريقة ما وتركه طافيًا لصالح تصوير المشهد، فإن هذا يذكرنى فورًا بالحاج "هاشم"، أما لو كان هذا السمك غير حقيقى، مصنوع/مزيف فسيكون المشهد حقيقيًا جدًا، هذا لا ينفى شيئا آخر بالضرورة، لكنى أفكر فيه بهذه الطريقة.
البحر، المطر، موسيقى غير حبيسة، وجوه مغسولة بالمطر، ورسالة بمقاس قلبك.. يكفيك هذا لأن تجرى.. تجرى حيث لن تتوقف أبدًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* روائي مصري
خاص الكتابة

