مفرح كريم *
فى البدء كان الخيال، فهو، أعظم شعائر الله على الله، كما قال الدكتور محمود قاسم حينما كتب ( الخيال فى مذهب ابن عربى) والخيال نتاج المزج بين الحقيقة والشعور، والمقصود بالحقيقة هنا الوعى، وقد ذهب شيلر إلى أن هذه الوحدة المتكاملة من الشموس والعوالم والبشر والحيوان والأزهار، بكل مظاهرها الهادئة والصاخبة، ليست شيئا سوى الخيا؛، فلا وجود لشئ سواه، وهو القادر على خلق دنيا جديدة فصل فيها كوليريدج بين نوعى الخيال، فيوجد خيال أولىfancy ، وهو مشترك بين الناس جميعا، ويقوم عليه شعر الشعراء الموهوبين، لأنه نوع من الذاكرة المتحررة من قيود الزمان والمكان، كما أنه يعتمد على قانون التداعى الحر؛ أما النوع الثانى فهو ما يسميه كوليريدج imagination، وهو خا ص بالشعراء العباقرة، وهو الذى يتجلى فى شعر الشعراء العظماء، لأنه القوة الفاعلة فى الخلق الشعرى.
وبفضل الخيال يستطيع أولئك الموهوبون من العلماء والفنانين والمتصوفة وقادة البشرية فى مختلف المجالات أن يبنوا أفكارا عظيمة تقود إلى اليوتوبيا، ولأن هذه الأفكار شديدة الكثافة والغموض بالنسبة للعاديين من الناس، فكان لابد من اكتشاف الوسائل الفعالة من أجل أن تصل إلى عقول وأحاسيس الجميع، واخترعت كل فئة ما يناسبها من هذه الوسائل، وكانت الصورة الفنية من أهم الوسائل التى توصل بها الفنانون إلى التواصل والتفاعل، وكانت الصورة الشعرية هى الوسيلة الرائعة التى استعملها الشعراء للتأثير فى البشرية، والصورة الشعرية تخاطب الحواس، لأن الحواس تعطينا صورا للواقع وللأشياء، خصوصا وأننا نعرف هذه الأشياء ذاتها، نتيجة لأننا نتأثر بالعالم الخارجى وأشيائه؛ وهكذا فلابد للصورة من أن تستعمل التأثير الحسى الذى يفضى فى النهاية إلى نوع من الذاتية، مثلما يستعمل الصوفيون صورة الخمر والتعبيرات الجنسية للوصول إلى أقصى حالات التطور فى مراحل التعبيرالدينى، والصعود فى معراج المعنى. وكما يقول س. م. بورا فى كتابه ( التجربة الخلاقة) : إن التعبير بالصورة لا يروى فقط ما يدور فى رأس الشاعر، بل يعكس كل ما يحس به من تداخل بين الفكر والعاطفة، ويرجع سبب تأثير الكلمات إلى خلقها لحالة من الفكر يلعب فيها الإدراك دورا كبيرا.
وتتطور الصورة الشعرية من صورة قديمة تقف عند حدود الصورة البلاغية فى التشبيه والمجاز، وصورة حديثة تتمثل فى الصورة الذهنية والرمزية، وأبسط تعريف للصورة الأدبية هو ماورد فى كتاب ( الصورة الشعرية فى النقد العربى الحديث) للدكتورة بشرى موسى صالح من أنها : الصوغ اللسانى المخصوص ، الذى بواسطته يجرى تمثل المعانى تمثلا جديدا مبتكرا، بما يحيلها إلى صور مرئية ومعبرة، ذلك الصوغ المتميز والمتفرد، وهو فى حقيقة الأمر، عدول عن صيغ إحالية من القول إلى صيغ إيحائية، تأخذ مدياتها التعبيرية من تضاعيف الخطاب الأدبى، وما تثيره الصورة فى حقل الأدب يتصل بكيفيات التعبير، لا بماهيته.
بل يذهب الشكلانيون الروس إلى أن الشعر هو تفكير بالصور، والصورة عندهم، إحدى وسائل اللغة الشعرية، أو هى نسق تشبه وظيفته وظيفة باقى انساق اللغة، مثل المقارنة والتوازى والإعادة والتناظر والمبالغة... وهكذا، فالصورة لا تعمل من أجل أن يسهل علينا فهم معناها، بل تعمل على خلق إدراك متميز للشئ، إلى خلق رؤيته وليس التعرف عليه.
والشاعر صالح أحمد فى ديوانه( الرائى وقداس الحجر) يجعل الصورة وسيلته التعبيرية الأولى والأثيرة، وشعره لا يعتمد على الحدث، ولكن على الصورة، ولكل صورة فى القصيدة عنده وظيفة تتعاون بها مع قريناتها من الصور الأخرى، كى تحدث الأثر الذى يهدف اليه الشاعر، ولا يتيسر للصورة تأدية وظيفتها إلا إذا وقعت موقعها الخاص بها فى وحدة العمل الشعرى، بحيث يتوافر له مع الصدق جمال التصوير، وتبعا لذلك يكون موضوع القصيدة ذا وحدة عضوية، أى وحدة حية متكاملة.
والشاعر يستخدم أنواعا عديدة من الصور، مثل:
أولا: الصورة الفتوغرافية: وهى تلك الصورة التى ترسم الواقع العيانى كما يدركه الناس، مثل:
صار جليا أن زاوية المسجد
كانت قد أشارت
إلى ولد حافى القدمين،
يروض الكرة مع الصبيان( الديوان ص 60 )
ومثل:
الميادين خبت ضجتها
العصافير علا صوتها من كل اتجاه
كان ضوء خافت
يسقط فى واجهة المحراب
عندما دخل أول ساق إلى المسجد.( الديوان ص61 )
وكذلك صورة:
يقعى على الناصية الكلب
وهذى المرأة الشحاذة كم هى راغبة فى الحياة.
صاحبه الذى
قر فى روحه بغض جذاذ
من الحلم الثورى، ممتزجا بدمه
صار يحيك التقارير لأجهزة الأمن
ويعيش على الصدأ المتجمع فى قاع المدينة( الديوان ص 57 )
ثانيا: الصورة العقلية المجردة: وهى التى ترسم واقعا ذهنيا لايدركه إلا الشاعر نفسه، مثلا:
إن وعيا أرهف
منفتحا على اللحظة الحاضرة
ليهتز منتفضا من نقلة للهباء.
كل شئ صار محتملا،
مشرفا بنصف جسمه على الوجود
الجسور التى لم آتها بعد
كنت أعبرها فى الخيال مرارا
محتقنا فى كل مرة برعبها الوشيك. ( الديوان ص 33)
ومثل قوله:
تحديقة صافية فى الفراغ
لا تفتأ تنتابنى
تودعنى المطلق فى قفزة مباغتة
ثم تتركنى ملتبسا بسلسال الأبدية. ( الديوان ص 44 )
إن أوسكار وايلد يرى أن الفن روح يعبر عن نفسه فى صور المادة، كما أن طبيعة الأجسام المادية فى تفاعل مستمر مع الروح، وعلى هذا فالفن فى أقل درجات مظاهره يتحدث إلى الحس والروح.
ثالثا: الصورة الدرامية: وهى تلك الصورة التى تجسد الصراع فى نفس الشاعر، وتبين كيفية تحوله إلى مدركات لكل الصور الفوتوغرافية والصور العقلية المجردة، وتصارع تلك الصور مع الواقع بكل تبايناته عن المجرد والمثال، مثل:
كنت أصلى ما أزال
سوى قلق
من حجاب أسدل
يشتمل المطمئنين
مزقته وخرجت برأسى
إلى حيث لا ينبغى. ( الديوان ص 34 )
فالشاعر هنا ممزق بين الإيمان الزائف والتمرد على انقياد القطيع وخروجه إلى حيث لا ينبغى – فى رأى القطيع – أن يكون. ولكنه لا يلبث أن يعود:
سمى باسم الله
ودخل البيت
غنى بين الأولاد ( الحياة حلوة...)
مبتسما نسق فى واجهة الرأس كلام الكتب
تحت الكشاف الراكز أعلى الرأس. ( الديوان ص 30 )
وهو لا يستقر على ذلك، لكنه يعلن بكل جرأة:
الشعراء أولاد سفاح
خطأ
أنجبهم العالم
يتبرؤون من أبوته
فيلعنهم ملعونين. ( الديوان ص 31 )
وهذا القذف العلنى فى حق الشعراء يذكرنا بمأساة سيزيف حينما تجرأ على آلهة الأوليمب وسرق النار المقدسة فحكم عليه باللعنة الأبدية، فالشعراء – فى رأى الشاعر – ملعونون لأنهم
يكفرون بمعبوداته المطاطية
فيطردهم خلعاء
يتسللون فى الليل إلى غرفته
ليحطمواالنياشين والأوسمة. ( الديوان ص31 )
والصورة الدرامية تجمع الأشياء المختلفة، بل ربما المتنافرة، وتبحث فيها عن الجوهرالواحد، فلابد لها من استعمال الخيال الذى يحرك الجامد والساكن ويستنطق الحجر، ويحس بالكائنات فى سعيها الدائب، فوردزوورث يرى أن الخيال هو تلك القدرة الكيمائية التى تمتزج بها العناصر المتباعدة فى أصلها، والمختلفة كل الاختلاف كى تصير مجمعا متناسقا منسجما، أما كوليريدج فيرى أن على الشاعر أن يربط بين أفكاره عضويا فيما يعالج من مشاعر. والصورة الدرامية تتجسد بأوضح مظاهرها فى الفصل السادس الذى يحكى عن الملاك الذى هبط له، وكأنه الملاك الذى هبط فى بابل، والذى ألقى بالشاعر فى جهنم الاختيار حينما قال له:
إذا أوكلك إلى عقلك. ( الديوان ص 36 )
وهو يؤكد نفس المعنى بعد ذلك فى نفس القصيدة :
أعطيتك ميراث الخمر
سر التعتيق
رقصات السكرى
أدخلتك متكأ المطرودين
سميتك التروبادور. ( الديوان ص 38 )
وهذا السر المتمثل فى العقل، والذى يسميه آخرون الوعى، هو الذى أدى إلى أن ينكر الشاعر (ما عشته من سنين ) ص23 ، كما أدى به إلى السعى وراء القصيدة، فهو :
قاطن وهدة ناعمة
محتشد
بالفراء الذى تسدله صفحات الكتب. ص 13 ، بل إن الشاعر يتحول إلى ورقة السنط التى استرخت على حكمتها/ فوق سطح البحيرة/ يسحبها منحدر الشلال . ص 16 ، وهى الصورة التى تذكرنا بالشاعر أحمد عبد المعطى حجازى عندما صار:
وريقة فى الريح
دارت، ثم حطت
وتمتد هذه الصورة على طول الديوان، تمثل الحيرة الوجودية التى لا تدع له الفرصة ليفكر فى المرأة وفى مشاعر الشباب- خصوصا وأن الشاعر شاب مايزال فى مقتبل العمر- ولكنه مشغول بقضايا كونية أخرى
أحبولتها الأنثوية
ليس فى معترك الشاعر وقت
لارتخاء الجفن على العين. ص23
بل هو يصرح بعبارة واضحة بذلك حينما يقول : ( عقلى منتصب بامتداد اللحظة) ص 24 من الديوان.
وليس من المهم أن يستخدم الشاعرأنواعا من الصور الشعرية، ولكن الأهم هو طريقة توظيف هذه الصور لبناء قصيدة حية تستلزم حركة داخلية فيها، بحيث تتقدم فى اتساق تام نحو الغاية منها، وهذه خاصة الشعر التى تمتاز بها عن الفنون التجسيمية الأخرى من نحت أوتصوير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شاعر ومترجم مصري
خاص الكتابة

