wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

البشير الأزمي

البشير الأزمي

قاص من المغرب

صدر له

ـ الضفة الأخرى ـ مجموعة قصصية 2007

ـ القصة القصيرة جداً ـ مؤلف جماعي 2008

ـ أحلام معلبة ـ مجموعة قصصية 2013

ـ أطياف الفرح ـ مجموعة قصصية 2015

ـ أصيص الأحلام ـ قصص قصيرة جداً 2017

( فازت بالجائزة الأولى للمهرجان العربي للقصة القصيرة جداً بالناضور ، الدورة 16، سنة 2017)

ـ سَفَرٌ تحت الجِلْد ـ مجموعة قصصية 2018

موت

التفت للمرة لا أدري كم، في الحقيقة لم أعد أتذكر كم مرة التفت منذ أن شاهدته، لا، لا ليس هو،  و لا يمكن أن يكون هو، لكن كيف يمكن أن تخفى علي ملامحه، صورته،هيأته.. أسرع في خطاي حتى لا يلحق بي، و صوته، لا يمكن أن أخطئ في صوته، إنه صوته بنبرته المعتادة، التي تُشنف أذن كل من سمع و أصغى إليه. و اسمي، كيف عرفه إن لم يكن هو. ردده مرتين أو ثلاث مرات، لم أعد أتذكر، ربما دهشتي، بل خوفي. تجاهلت نداءه، وباعدت بين خطاي، حتى ازداد بعداً عنه. أعرج على أول شارع و أميل نحو اليسار ثم الشارع الموالي و مرة ثانية نحو اليسار، لا أدري لماذا تقودني قدماي دائماً نحو اليسار؟. أجد زقاقاً، ألجه بسرعة، يصعب علي عبوره، ليس فقط لازدحامه المعتاد في مثل هذه الفترة من اليوم، حيث يتوافد القرويون من ضواحي المدينة لبيع ما تجود به عليهم الأرض، و ليقتنوا حاجياتهم مما تبخل عليهم به الأرض، بل لتواجد عدد غير قليل من الدواب التي تركت فضلاتها في الزقاق روائح تقرب الفرد من البادية. أتحاشى أن تطأ قدماي هذه الفضلات، أصل إلى آخر الزقاق، لا أجد مخرجاً، أزداد اضطراباً، أتظاهر أني أبتاع خضراً من امرأة قروية، أجلس القرفصاء، حتى أخفي نفسي عنه، و بين سيقان البهائم و أرجل المارة أراه يلتفت يمنة و يسرة بحثاً عني، تحدثني المرأة عن الجزر الطازجة، تحدد ثمناً، و تقترح خفض ثمنه ثم ربعه،

إقرأ المزيد...

جسدي والجسد

المطر ينهمر بغزارة، قطرات ماء تنقر بقوة زجاج نافذة غرفتي المطلة على الخارج، وعواء ريح قوية يخدش الآذان. أحاول صَدَّ صدى العويل الذي يقرع أذني، ويتسلل ليعبر إلى نفسي ويحدث بها شروخاً. أنهض من فراشي، أقترب من النافذة، أطل فيغمرني ظلام حالك.. أطياف أشباح تتراقص قبالتي وتعزف على أوتار حزني.

أتراجع عن النافذة نصف خطوة إلى الوراء. أترك الستائر تنسدل حتى تخفي شبحي عن الظهور. أطل مرة ثانية. أرى أمي، مع الجمع المشكِّل للدائرة، تقترب من جثة ملقاة على الأرض المبللة، وترفع عنها الغطاء، تمعن النظر إليها، تشرع في لطم خديها، وتغرق في نوبة بكاء لا يصلني صداه، النافذة تحجز الصوت وتحد من انتشاره، أرى حركات أمي المكلومة، بيديها ترسم خطوطاً  وهمية على صفحة الفضاء. التهم الحزن عينيها ومسحَ فرحتها.

تجمع رجال القرية بعد صلاة العشاء، كانوا كثرة، حتى أولئك الذين لا يصلون حضروا. حب الاستطلاع قادهم إلى بيتنا. لغط وصراخ وبكاء. لا أستطيع تبين سمات الجسد المسجى؛ جسد يقترب من حجم جسدي، خيوط برق تضيء المكان بشكل متقطع.. أدقق النظر إلى الجسد، تنفلت من الظلمة صورة له، إنه جسدي. لا، لا يمكن أن يكون جسدي، أنا داخل الغرفة ولست خارجها. فعلاً، شبهٌ كبير بيني وبين جسدي، بل بيني وبين الجسد المسجى في باحة المنزل. طفق صدري يخفق خوفاً.  جسدي يتصفَّدُ عرقاً، وارتعاشة تسري في بدني. أمطَّ قامتي لأتأكد من أني أحمل جسدي. أنفض عن ذاتي رذاذ الخوف الذي يطوقني. جسم أمي ينتفض من البكاء، في عينيها تقبع غيمة حزن. أيدي كثيرة متشابكة تسعى للالتفاف حول أمي، قصد إبعادها عن جسدي المسجى هناك. وأنا أحاول جاهداً أن أتأكد من أني هنا وليس هناك. هذا جسدي ألمسه، أحس بدقات قلبي المتسارعة. جسم أمي ينتفض من البكاء.. تسقط أمي أرضاً، تغيب عن وعيها.. شُلَّتْ حركاتها.. بقي لسانها وحده يصدر صراخاً عالياً.. تلَهَّى الناس عن جسدي؛ بل عن الجسد المسجى هناك. من بين خصاص النافذة ألمح جسدي المسجى هناك، يلتفت نحوي، يحدق في جسدي المطل عليه. يرسم على وجهه ابتسامة ماكرة، ويرسم على وجهي هلعاً قاتلاً.

إقرأ المزيد...