wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

لؤي حمزة عبّاس

لؤي حمزة عبّاس

قاص وروائي عراقي

من أعماله:

على دراجة في الليل، قصص، دار أزمنة، عمّان 1997

العبيـد، كتاب قصصي، دار أزمنة، عمّان 2000

ملاعبة الخيــــول، طفولات قصصية، ط1 / دار الشؤون الثقافية، بغداد2003، ط2 / مؤسسة السياب، لندن 2009

 إغماض العينين، قصص، دار أزمنة، عمّان 2008

الفريسة، رواية، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2005

كتاب المراحيض، رواية تعرّف، ط1 دار ألواح، إسبانيا، 2004، ط2 دار أزمنة، عمّان 2007

صداقة النمر، رواية، دار العين، القاهرة 2011

مدينة الصور، رواية، الدار العربية للعلوم، بيروت، دار أزمنة، عمّان 2011

نحو الجنون لمنصورة عز الدين..مواجهة الوهم

تنشئ مجموعة منصورة عز الدين القصصية (نحو الجنون)* عبر إحدى عشرة قصة قصيرة علاقة توجس مع العالم وتبني شعوراً خاطفاً بمواجهة الذات التي تبدو غريبة حائرة، إنها رياح الجنون وقد فُتحت أمامها أبوابُ القصص وها هي تتحرّك بمشيئتها، تغيّر الملامح وتبدّل الأحوال وتعدّل التفاصيل فهي تتحكم بمجريات القصص ومصائر شخصياتها التي يقيّدها منذ البدء شعور بالخوف "خوف بدائي عميق يسكنها منذ الأزل. هي دائماً خائفة، ثم تبدأ تالياً في اختراع الأسباب"، كما في قصة (جنيات النيل)،آخر قصص المجموعة، فبين الشعور بالخوف واختراع الأسباب تتشكل عوالم المجموعة وتنتظم قصصها، فلكلِّ قصة شعور وسبب يختلفان عن شعور باقي القصص وأسبابها، الشعور في المجموعة بدايةٌ، علّةٌ، إيعازٌ خفي، إشارةٌ فجائيةٌ غيرُ مدركة، والسببُ آليةٌ وتمثّلٌ وانتظامٌ يُحدّد مسارات القصص ويُضيء عوالمها، سيتجلى الخوف حدساً كما في قصة (ليل قوطي)، يشعُّ في صمت السرِّ وتكتمه، منتقلاً به من محاولة ادراك العالم إلى التيه فيه، تيه سفر يتقرّر كأمر قدري يتعدى مصير الفرد نفسه ليحكم المدن ويحدّد مسارات أناسها أمام عيني الراوية التي سريعاً ما ستنزلق إلى الحدث الذي تتبني روايته فتُصبح بعضاً منه، مأخوذةً بحدسها هي الأخرى. "وفي الحال رأيت مدينته المبتغاة بشوارعها الشاحبة، رماديّة اللون، لم يكن هناك ألوان سوى الرمادي الذي يغطي معظم المكان، وبجواره، على استحياء، الأسود والأبيض. بشر كثيرون يسيرون في الشوارع الباهتة ببطء مرتدين مسوحاً داكنة ناظرين إلى نقطة ثابتة أمامهم. هدوء ثقيل يخيّم على كلِّ شيء، وهو هناك يسير متنكراً بشرود، وأنا خارج المشهد أتلصص عليه بقلق"، سيغدو التلصص بإيعاز من الخوف، علّةَ القصص وإشارتها، مشاركة وتورطاً، "وجدتْ نفسها في مطار فخم لمدينة أجنبية، معها زميلان، كأنهم جميعاً في رحلة عمل"، إنها جملة الافتتاح في قصة (مطر خفيف)، أولى قصص المجموعة، وهي الجملة التي تُنشيء علاقة التوجس وتقترح تجسدات هذه العلاقة، فليس ثمة مقدمات واضحة تنظم حركة العالم وتحكم منطقه، بل هو حضور فجائي تحكمه الحيرةُ ويغذّيه خوفٌ غيرُ مفسّر، الخوف الذي يمكن عدّه مادةَ القصص وطاقتها المحرّكة، فالتوجس الذي يرتّب الأفعال ويربط مجريات القصص تفعّله طاقةٌ من الخوف تسري على نحو شبه صريح في القنوات الداخلية للقصص، خوفٌ أقرب إلى البديهة يتصاعد مثل ضباب مشوّشاً الحواس محفّزاً قابلياتها للخوض في غرابة ما تروي، من دون أن يكون ثمة تناقض بين فعلي (التشوش) و (رواية القصص)، فالغرابة تظلُّ بحاجة لسبل مبتكرة لترقّبها وتأمّل تفاصيلها. ستمتلك (كأنهم) في جملة الافتتاح موقعاً مؤثراً بين المفاتيح اللغوية للمجموعة، فليس ثمة شيء يقيني مؤكد، أحداثٌ تُروى على سبيل التشبيه، ووقائعُ تتشكّل، إنها قوّة الكناية التي تمنح القصة مساحةً فاعلةً لإعادة انتاج العالم وتدوين تفاصيله كما تتوجسها القصص، حيث لا عالم قبل عالم القصة ولا عالم بعده، إنما هو ( جوهر الصورة) الذي يتحدّث عنه هيدغر، ذلك الذي يرينا العالم اليومي غريباً، فالصورة، بذلك، "ترينا اللامرئي" أي الغرابة، ولغز الحضور في قلب المرئي الأشد بساطة وأكثر وضوحاً" (1)، وهي التجربة التي تشكّل نفسها كما لو كانت تحاكي عالماً قديماً لم يتجسّد بعد. ثمة رحلة تتجاوز (رحلة العمل)، وحياة تتواصل بإيقاع مختلف، ولغات غريبة، عناصر قليلة كافية لخلق شعور بتوتر الشخصية وهي تتابع النظرات (القلقة) لزميليها، كانا مرتبكين مثلها (كأنما) يتجاهلان وجودها، لكنهما للغرابة يختفيان عن مجال بصرها، وللغرابة لا يشعرها اختفاؤهما بالخوف والاندهاش. ثمة وحدة مطبقة تهدّد الشخصية كما لو كانت قدراً، " إن ما أعيشه ليس العزلة، وإنما الوحدة" (2)، ذلك ما يقوله مارتن هيدغر في حديثه عن غابته السوداء، وهو عين ما تعيشه شخصيات (نحو الجنون) من قصة إلى أخرى، كأن الوحدةَ اليقينُ الوحيدُ النادرُ في مجمل القصص، فعلى الرغم من نشدان الحياة وانتظار الآخر، ترقّبه وترصّد خطواته، فثمة شعور كثيف بالوحدة يضيء علاقة التوجس التي تحكم العالم وتجعل الخوف مسوّغاً قائماً وإن لم يكن مفسراً.

إقرأ المزيد...

ما تشاء من الكلمات

أشياء عديدة يمكن أن تقودك باتجاه الدكان، الشارع وبلاط الرصيف والرائحة، حيث تصادفك واجهة المصرف الملكي على الناصية وقد تآكلت حوافّها وتبدّل لونها أكثر من مرّة حتى لم يعد لها لونٌ معلوم، يمكن أن تواصل السير بغير أن تفكّر برائحة الجلود التي تفوح مانحةً الشارع الضيّق شبهةَ فضاءٍ حيواني مكتوم، عليك أن تتحلى بقليل من الصبر وتواصل السير على الرصيف فلم يعد أمامك الكثير، لا ترفع عينك عن البلاط المضلّع محكم التعشيق فعند الخط الأبيض المرسوم بطلاء دهني لامع وكثيف، تخفت التماعته مع كلِّ قدم تمرُّ فوقه وتخفُّ كثافته، يمكنك أن تتأكد أنك شديد القرب من الدكان، لم تعد تفصلك عنه سوى خطوة واحدة تعبر معها الخط فتكون بمواجهته. لا تخشى أن تراه فارغاً، لا شئ فيه، لا شئ على الاطلاق سوى كرسي من الخيزران العتيق، ساقه الأماميّة اليمنى مربوطة بقطعة قماش بنيّة متربة، ستكون محظوظاً إن رأيت الرجل يجلس فوقه، للحق هو يُحب قضاء النهار في دكانه لا يغادره إلا لعذر، كان مشغولاً لسنوات طويلة بزبائنه القادمين من مختلف البقاع، سنوات خير لم ينقطع الناسُ فيها عن المجيء، رجال ونساء، شيوخ وشبّان، جادّون إلى درجة يبدون معها متعكري المزاج بوجوه معدنيّة صلبة، وهازلون لا يعنيهم أن يجيب عن أسئلتهم الغريبة المتلاحقة بقدر ما يمتّعهم أن يروه يؤدي مهمته، وهو مع هؤلاء وأولئك يقوم بعمله بأمانة لافتة، يداه مسترخيتان على فخذيه، كفّاهما مفتوحتان وأصابعهما ممدودة، غالباً ما فكّر أنه الوضع الأمثل لمن يؤدي عملاً مثل عمله لعقود طويلة، يُرجع رأسه قليلاً إلى الوراء ويفتح عينيه على سعتهما، لو كان مشهده يشتمل على شبح ابتسامة لتأكد لمن يقف أمامه، خارج الدكان، أنه يتهيأ لالتقاط صورة فوتوغرافيّة، لكنه لا يُحبُّ الصور، ستتأكد من ذلك وأنت تعاود النظر لجدران الدكان العارية من حوله، لا صورة، ولا خارطة، ولا أثر. منذ سنوات لم يعد مشغولاً بغير ترقّب زبائنه وقد بعدت المسافة بين زبون وآخر، وبعد أن أجهده الانتظار وأمرضه الجلوس الطويل، عليه أن يقرَّ بذلك، لم يعد معنياً بأمر الزبائن، تناساهم أو كاد، وأخذ يجلس على الرغم من تعبه مواصلاً العمل، بالأمانة المعروفة عنه، من أجل نفسه، لم يكن يتطلّب الأمر بعد ما مرّ من سنوات غير أن يفتح فمه ويلوك برهاوة ويُسر. ستكون زيارتك له عزاءً فريداً بعد أن نُسي تماماً ولم يعد يعني أحداً، حتى جيرانه أصحاب دكاكين الحلاقة والخياطة وباعة الملابس المستعملة، لم يعد بالنسبة لهم أكثر من حكاية قديمة تجلس على كرسي خيزران في دكان فارغ. سيفزُّ من اغفاءته الخفيفة وينظر بعينيه الكليلتين ليتأكد أن زبوناً  ما فكّر أخيراً بزيارته، يعيد وضع يديه على فخذيه، ويعدّل رأسه ناظراً نحوك ليعرف أيَّ نوعٍ من الزبائن أنت، قبل أن يُلقي برأسه إلى الوراء. في تلك اللحظة تستطيع أن ترمي عليه ما تشاء من الكلمات، أقدم الكلمات أو أحدثها، أثقلها أو أخفّها، أكثرها صدقاً أو أغربها كذباً وأعجبها رياءً، طالما أنه فتح فمه فهو على استعداد لالتهامها جميعاً، ستُحسُّ بمتعة نادرة غير المتعة التي أحسستها من قبل وأنت ترى رجالاً يقضمون المصابيح أو يلوكون المسامير، متعة لن يمنحها غير سماع الكلمات وهي تتكسّر في فمه مثل قشرة حبّة الفستق. يُغمض عينيه مواصلاً عمله، لكل كلمة صلابة وطعم، ذلك ما ستدركه وأنت ترى ملامحه تتغيّر مع الكلمات، تشتدُّ وتقسو وترقُّ وتلين، أتمنى أن تجده ما يزال جالساً يترقّب زبائنه. ستعيش سعادة لا مثيل لها وأنت تسمع الكلمات تتكسّر، ولن تعود بالنسبة لك صالحة للاستعمال، سعادة لا تنقص أو تزول مهما عاودت زيارة الرجل، ومهما ألقيت له من كلمات.

إقرأ المزيد...

رجـل كثيـــر الأسفار

لؤي حمزة عبّاس

سألني بماذا تفكر هذه الأيام؟ استغربت لسؤاله كأني أسمعه للمرة الأولى، وكان بودي أن أقول له إنني أفكر بكتابة قصة عن رجل يسافر كثيراً بين البصرة وبغداد، منذ سنوات وسفره مستمر بحكم عمله، غالباً ما يسافر مرّة كل أسبوع وفي أسابيع متباعدة يسافر مرتين، الأولى منهما عادية لا جديد فيها أما الثانية فهي الاستثنائية إذ تحدث بشكل فوري استجابة لاتصال هاتفي من بغداد، خلالها يرى الأشياء على جانبي الطريق غريبة نوعا ما، وإن لم تمض على رؤيته الأخيرة لها سوى أيام قلائل، يعلل ذلك بانشغاله بالتفكير بالاتصال الهاتفي وبرغبته بالوصول في أقصر وقت ممكن، لكنه في آخر سفرة له وقبل الدخول إلى بغداد بكيلومترات قليلة يُذبح على جانب الطريق، هكذا بلا سبب أو بسبب بعيد بالنسبة له وغير معقول، يرى نفسه في اللحظة التي يتم فيها ذلك، وتلك مفارقة القصة فهو يواصل رؤيته حتى بعد أن يذهب القتلة مخلّفين جثته بين جثث كان قبل وقت يتحدث مع أصحابها وهم يستمعون، من دون اهتمام يُذكر، لأغنيات وأخبار وتعليقات من راديو السيارة.

إقرأ المزيد...