wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

نهى محمود

نهى محمود

نهى محمود

روائية مصرية

صدر لها:

الحكي فوق مكعبات الرخام ـ رواية ـ دار ميريت

كراكيب نهى محمود ـ مقالات ـ دار مزيد 

راكوشا ـ رواية ـ دار ميريت 

هلاوس ـ رواية ـ دار روافد 

 

 

رابط الموقع: http://nohaworld.blogspot.com/

هاني عبد المريد.. ساحر القبيلة وعالمه

بداية صداقتي بهاني تبدو مبهمة، نقطة لا يمكنني تذكرها جيدا.

ربما لقاء حزين في محطة مترو الأنفاق حيث تجمع عدد منا لحضور جنازة "محمد حسين بكر" نتبادل النظرات، لا اعرفه هو وآخرين سيكونون فيما بعد أصدقائي المقربين، جمعتنا للمرة الأولى قسوة الموت وسخافته .. ثم جمعنا فيما بعد سحر الكتابة والشغف بالحياة.

تبقى مقابلتنا الأولى البعيدة  تلك باهتة وغائمة. رغم أني أذكر ما بعدها كله، طقس جماعي لنا، نحن تلك المجموعة الصغيرة التي تشبه نادياً سرياً للخبل والكتابة، رحلاتنا اللطيفة من وإلى دار النشر سؤالاً عن ميعاد صدور كتبنا نحن وعدد من أصدقائنا، مقهى صالح،  أيام الأربعاء المتباعدة التي نلتقي فيها نتبادل الكتب والأفلام والحكايات وسندوتشات البطاطس والكشري .

المرات الكثيرة التي قرأنا فيها جميعا نصوص بعضنا قبل النشر، ومررنا فكرة أو كتاباً .

إقرأ المزيد...

هاني عبد المريد ... كاتب من لحم ودم وحكايات

ابتسمت لروايته " كيرياليسون" وهي تعبر الطريق أمامي ، كانت في يد رجل يمشي في الشارع ، خطر لي أن استوقفه واسأله عن رأيه فيها ، واخبره انها جميلة ، وأن كاتبها هو صديقي .

كان ذلك بعد ايام من حصول هاني على جائزة ساويرس .. بعدها بقليل هاتفته وحكيت له بصخب وبكثير من الحماسة كعادتي ، لكن هاني ضحك وقال لي بهدوء راهب زاهد .. تلاقيه حد من أصحابنا 

إقرأ المزيد...

عن الأشياء المحببة البغيضة .. !

 

 فكرت أن الكتابة عن أشيائي البغيضة لا يقل أهمية عن ذكر تلك الأشياء الرومانسية التقليدية مثل محبة الورد والزنبق والأحضان والأفلام والأحلام التي تتكرر في نومي مثل مسلسل تركي من مائة ألف حلقة . أحلامي عنك، نمضي في الشوارع وننهي بعض المسائل العالقة بيننا ، نبتسم ونحكي ونجرب إحساس الراحة الذي يفترش الكون من حولنا .. تقول الطبيبة في إحدى برامج ملئ فراغ ربات البيوت يوم عيد الحب ، وبينما يغرق الأستوديو في القلوب والأشياء الحمراء أن الإنسان ما أن يرى حبيب له ختى يعطي  المخ  إشارات لإفراز مواد كيماوية باعثة للسعادة والنشوة ، يقول للمخ "انظر لقد رايت حبيب"

أنا أحبك مثل تلك اللحظة المحملة بالدهشة والنشوة .

مثل المضي وسط شمس أغسطس الحارقة في طقس بديع من الحرارة والصهد الساخن الذي يحتضن  جسدي وملابسي وبشرتي .

الكتابة عن الحب وعنك وعن رائحة البن  ومحبتي للشمس ، وأحلامي عن المضي  في شوارع قديمة وسحرية ووحيدة مثلي يبدو مقبولا .

لكن الحياة تتغير ، والعالم يتغير في عيني الجديدة ، التي تستقبل النهار كل يوم ، ولجزء من الثانية بيد تبحث عن نضارتي الطبية قبل أنأتوقف عن فعل ذلك وابتسم ، وأهمس لنفسي " شايفة من غير نضارة "

نضارتي الطبية التي ارتديتها طوال ثلاثين عاما ، أذكر طبيبي الأول وعيادته الباردة الكئيبة ، قطرة قاع العين والعالم الغائم في عيني ، ويد أبي التي تعتصر يدي ، وعيونه المليئة بالحزن لأني سأرتدي نضارة في سن صغيرة ، الأمر الذي يضطره طوال طريق العودة من تلبية رغبات سخيفة لي أنا الصغيرة ذات الاعوام السبعة .

فيشتري لي من جروبي " شربات لوز " الصق وجهي في زجاج فاترينته واتشبث به ، يخبرني مرة واحدة قبل ان ندخل أن طعمه سئ ويمكنه أن يشتري لي شربات ورد مثلا لكني اشير على الزجاجة البيضاء الشفافة المرسوم عليها لوزة وأصمم .

تلك الزجاجة التي سنرميها كاملة بعد ذلك ، بعدما تصنع لي أمي  منها كوبا واخبرها ان طعمها سئ وتنظر لأبي وتساله في استغراب " حد يجيب شربات لوز !"

شربات اللوز وعيوني القديمة وأحلامي عنك تبقى في عتمة الليل ، بينما تستيقظ معي صورتي الذهنية عن نفسي التي تتحكم كثيرا في تصرفاتي ، تلك التي يراقبها  محمد بغضب كثيرا وبحنان في مرات أقل وبيأس وتفهم في مرات أخرى .

" الكسل" المحبب الأثير الذي يجعلني امارس طقوسا صباحية بغيضة ، آتية من صورتي عن نفسي " ككاتبة" .

استقبل الصباح والعالم بهذه الصفة ، لانها الوحيدة التي تبرر تجهمي في الصباح ، أبدو مثل تلك الحشرة المكتنزة ذات الغطاء  الاحمراللطيف  والبقع السوداء الصغيرة والوجه  الطيب في فيلم " حياة نملة أو إنقاذ النملة من الدبابير او شئ من هذا القبيل ، هو فيلم كرتون يجئ على قناة تشاهدها صغيرتي طوال الوقت .. تجئ هذه الحشرة مع مجموعة أخرى لمستعمرة النمل لتنقذهم من بلطجة الدبابير التي تطالبهم بتوفير حصص كبيرة من الطعام ، أتابع فيلم الاطفال ذلك ونمله الرمادي الكثير وحشرة السيرك الحمراء تلك كثيرا أكثر من عشر مرات في الأسبوع حسب مرات اعادته ، قبل ان أخبر محمد انه نسخة أخرى من العظماء السبعة ، اندهش من اكتشافي واتمتم لنفسي كيف يقدموا للأطفال نسخة من العظماء السبعة  بتلك المعالجة !

حشرة السيرك الحمراء المكتنزة ذات الوجه اللطيف تذكرني بنفسي في الصباح ، اتهادي بهدوء ووحدة لأتفرج على لاشئ ، وأفكر في فراغ محبب له ملمس السحاب ولون الافندر .

المضحك او المؤلم أني قد استيقظ مع الفجر حتى امارس ذلك الهدوء قبل فوضى الصباح التي تخص حقيبة الحضانة وثرثرتي مع محمد عن التزامات البيت وغيرها من الحكايات عن الكتب أو الافلام أو المواعيد ، ربما مشادة صباحية خفيفة او ثقيلة .

استيقظ قبل كل ذلك ، او بعده لألعب مع نفسي لعبة الوحدة تلك ..

وقتها اتحرك ببطء وأصنع قهوة او نيسكافيه او كوب ماء بارد بمكعبات ثلج وربما عصير الخوخ الذي لا نجده إلا في كارفور الصحراوي .. فأضعه في عربة التسوق المضحكة المليئة بأشياء غريبة احتاجها لوصفاتي تجلس بداخلها يسر في تململ واضح ورغبة في النزول والجري بين الصفوف ، بينما يداعبها محمد بصبر ولطف يحسد عليه فعلا ويلهيها بعلبة عصير او قطعة شيكولاته او بالونه هيليوم من التي تحبها .

أجلس أنا هنا منفصلة عن كل التفاصيل الحقيقية ، ارشف أي سائل من الكوب واستمتع بالفراغ .بطريقة مثل تلك أبرر لنفسي سلوكي المشين بشأن الفوضى وعدم الرغبة في ازاحة الأتربة والأوراق ، وأفكر أن صورتي الذهنية عن الكاتبة وهي غالبا " نيكول كيدمان " في دورها في فيلم الساعات لا يشمل مقشة وفوطة تلميع .

المشهد  الذي احتفظ به  لنفسي في عقلي ، غالبا ما أحمل فيه قلم وأوراق بيضاء بلا سطور ، أدق على لوحة مفاتيح أو امسك ملعقة خشبية او تغوص يدي في الدقيق الأبيض والتوابل .

وبلا ذرة تشتيت واحدة تتسع الصورة لمئات الحفاضات وزجاجات لبن الأطفال ، والطعام المخفوق واللين الخاص بالصغيرة  .. أفكر في كل الخوف الذي كان يتملكني وانا اجرب معها تلك الاشياء الجديدة عليّ ، أجربها برهبة ان اخطئ وبمحبة وشوق امومتي لها ، وبفرح وجود كيانها الصغير ليضئ العالم ويملأ السماء بالألعاب النارية لتبدو مبهجة بما يكفي حين ينظر ابيها للقمر الوحيد مثله في شرفة العمر. 

محبتي لوحدتي ، وعاداتي البغيضة يجعلني أتسق أكثر مع ذاتي ، وأتواصل مع العالم في نقاط تلامس أقل ايلاما من ذلك الغوص المبتذل في صخبه وقسوته 

إقرأ المزيد...