wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

موقع الكتابة

موقع الكتابة

المهرج المفتعَل

 

 رانيا منسي

اجمع من مقاطع الموسيقى ما يرفق بحالي، وأخزن في عقلي تلك الأفعال المجنونة التي يتركها الآخرين على منضدة اللقاء، كسيجارة مطفأة في بقايا قهوة مسكوبة بعفوية الارتباك. أجلس وأعيد رسم الأداءات المختلّة على الورق، أنحت الشخوص التي تتراقص وتتمايل يمينا ويسارا و للأمام وللخلف، أحاول أن افتح ساحة الرقص لهم، كلما زادت الساحة اتساعا، حاولت الشخصيات الهرب برماديتها الباهتة ، عندما ألملم الدائرة، تركع التماثيل الناقصة أمام سن قلمي.

فجأة أجدني على خشبة مسرح مرصوصة الديكور لمدينة عتيقة، تأملت مبانيها راقية الطراز سريعا، القاعة صامتة مظلمة فظننتها خالية من الجمهور، سقطت الإضاءة تدريجيا على شاعر يرتدي ملابس مزينة بريش طاووس ملون، الشاعر منحني في منتصف الساحة، بعد ما نصب ظهره رأيت وجه بلياتشو يخفي عينيه خلف نظارة شمسية رخيصة، ودون استئذان من يوسف شاهين الواقف خلف الكواليس بدأ في افتتاح غنائه وكأنه مطرب أوبرا يصرخ في وجه الحضور، لم يكترث بوجود حسن كامي الجالس في الصف الأول، ولم ينظر بتقدير تجاه دنقل الذي يشاهده في البنوار، فيشير نجيب سرور له بإصبعه الأوسط من الصف الأخير ويقطع غناء هذا الصعلوك بشخرة ثم ينسحب منفعلا من بين المشاهدين وهو يصرخ:

-         "فاكر نفسه ملك الشحاتين العرص".

لملم الممثل الركيك ريشه المهترئ متاجهلا مصدر الشخرة منشذّا بأنه الفنان الأعظم، يشد لوحة يوحنا المعمدان وهو يعمّد المسيح تهبط فتغطي الرسمة خلفية المسرح، يركع أمامها يعاتب (يوحنا):

-         "لماذا لم تنظر لي بعين الرحمة فأنا الرسول المرتقب عودته"

تشمئز ملامح (سيلفادور دالي) وهو جالسا في بلكون يرسم لوحة جديدة فيها السيدة العذراء أمامها أراجوز راكع متوسلا إليها، وهي مشيحة بوجهها الغاضب، الاثنان واقفان على قطعة من الخشب العائمة، لونهما مموه خلفية اللوحة سماء لونها كالرمال وبحر هائج الأمواج، وأسماك قرش تقفز من بين الأمواج في محاولة لنهش جسد المهرج.

اخرج من ساحة المسرح، انضم للواقفين في الكواليس فلا يلحظني أحد، أسمع سُباب شاهين وانفعالاته، بجانبه هنومة التي تهدئ منه وتعاتبه:

-          " ما أنت ال جبت لنا الصعلوك ده يا أستاذ وفي أول عرض مسرحي ليك تقدمه لجمهورك"

 يقطع هذا الضجيج إلقاء الرجل بجسده على الأرض دون أية مبررات درامية، وبصوت هذيل يدندن:

-         "أنا من كتبت ما لم يكتبه درويش، أنا سأعود بسينما أروع من سينما شاهين، أنا لا أعرف النوم، وبصوت خافت يقول أنا ملاك لم ارتكب الخطايا".

ومرة أخرى ينط واقفا وبنظرة شحاذ كأنه واقف على أحدى محطات الأتوبيس يقول:

-         "فأنا لا أعرف مذاق للخمر ومازلت ببكارتي ولم ادخن الحشيش من قبل"

تتحول حركاته ونبرة صوته وكأنه شمشون الجبار قائلا:

-         "سأهد تلك البيوت الصغيرة أمامي بقبضة يد حديدية".

تضجر هنومة من نشاذ الكومبارس فتسكب دهانات باردة الألوان وباهتة على وجهه، يساعدها الشاويش عطية وسمعة الأقرع في تقييده، يقتحم المسرح نيرون ومعه زجاجة تِـــنَر يسكبها على ريشه الملون ويشعل آخر عود كبريت معه ويلقي به عليه ويقهقه وسط هلع الجميع واستغاثة المخبول.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

قاصة مصرية 

إقرأ المزيد...

فيلم " غرباء تماماً "... الحياة مجموعة من الأكاذيب

 جيهان عبد اللطيف

 

هل يستطيع أى منا أن يزعم أنه يعلم كل شىء عن حياة أصدقائه وأسرارهم معرفة وثيقة؟!! هذا هو السؤال الذى يطرحه الفيلم الإيطالي الحاصل على جوائز عديدة "غرباء تماماً" للمخرج باولو جينوفيز. إنه تعكس الخوف من اكتشاف أسرارنا وحقيقة كل منا وذلك من خلال سبعة أصدقاء يجتمعون معا لتناول العشاء وهم إيفا (الطبيبة النفسية) و روكو (جراح التجميل) أصحاب دعوة العشاء فى منزلهم،الزوجان اللذان يبذلان قصارى جهدهم للحفاظ على زواجهما معا وعلى خلاف على سلوك ابنتهما المراهقة، بيانكا ( الطبيبة البيطرية ) المتزوجة حديثاً من كوزيمو (السائق بإحدى شركات الأجرة) ، كارولتا المتزوجة من ليلى ( الذى يعمل فى القسم القانونى بإحدى الشركات) وتعانى من إقامة والدته معهم وتدخلها فى حياتهم ، بيبى ( المدرس العاطل عن العمل).

 حضروا جميعاً لحرصهم على مقابلة صديقة جديدة ل "بيبي" ويشعرون بخيبة أمل عندما يأتى بيبى وحيداً ويخبرهم أن صديقته تعتذر عن الحضور بسبب مرضها ويظل مقعدها خالياً .

يدور بينهم حديث عن ذكريات وأحداث مرت بهم ويبدو من خلال الحوار وكأنهم يعرفون كل شيء عن بعضهم البعض بالتفصيل ويبدو وكأنهم أزواج سعداء. ثم يدور حديث عن الهاتف المحمول وتشير ايفا إلى أنه أصبح بمثابة الصندوق الأسود لحياة كل منا ، فماذا يحدث لو أن كل الأزواج قاموا بالإطلاع على هواتف بعضهم البعض ؟؟ ثم تقترح إيفا فكرة لعبة مجنونة وهى أن يضع الجميع هواتفهم المحمولة فوق المائدة وقراءة الرسائل التي تصل ووضع المكالمات على مكبر الصوت بحيث يمكن للجميع سماع المكالمة . يتعجب الجميع فى البداية من الفكرة ولكنهم يوافقون وكل منهم يتحدث بثقة وكأنه ليس فى حياته سر يخفيه .وتبدأ اللعبة فتتكشف لكل واحد منهم حقائق وأسرار صادمة حيث كانوا يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء عن بعضهم البعض. يبدو الفيلم وكأنه عشاء الخطايا السبع.

تبدأ اللعبة بشكل كوميدى فى البداية حيث يتلقى كوزيمو أول رسالة مكتوب بها ( أريد جسدك) ثم يتضح أن الراسل هو روكو كنوع من الدعابة وتتوالى المكالمات العادية.

تتلقى أيفا أول مكالمة جادة فى اللعبة من والدها ويدور الحديث بينهما حول حجز مكان بالمستشفى لإجراء عملية تكبير الصدر. يتعجب الأصدقاء من تلك المكالمة حيث يرون أن تلك الجراحة تتنافى مع عملها كطبيبة نفسية تحاول إقناع المرضى بالتكيف مع واقعهم فى حين أنها لا ترضى بواقعها ولكن إيفا تدافع عن موقفها لأن من حقها تغيير شكلها.

يدور الحديث بعد ذلك عن روكو وتؤكد إيفا أنه ضد العلاج النفسى فى حين أن المشاهد يفهم من خلال نظرات الأصدقاء أن روكو يذهب للعلاج لدى طبيب نفسى ثم نفهم ذلك واضحاً عندما تخبر كارولتا إيفا أن روكو بالفعل يتابع مع طبيب نفسى وأنهم جميعاً يعرفون ذلك، ومن هنا يظهر أن إيفا لا تعلم بعض الأشياء عن زوجها التى تظن أنها تعرفه جيداً.

 تصل مكالمة إلى روكو من ابنته تتحدث فيها عن علاقتها بصديقها وعن أول لقاء فى العلاقة الحميمية قد يجمعهما وكيف تتغلب على قلقها من تلك العلاقة ونجده يرد ويتفاهم معها كأب مثالى فى حين أن الابنة تتحدث عن أمها بطريقة سيئة وتنتقدها بشدة لأنها تنتقد تصرفاتها دائماً. مع أن الطبيبة النفسية من المفترض أنها تعطى الحلول المثالية فى الحياة.

تصل رسالة صوتية إلى كارولتا من دار مسنين يخبرها بوجود مكان شاغر فى يونيو ويعرض عليها خصم 25% فيفهم الجميع أنها تخطط لتضع والدة ليلى فى دار مسنين حتى ترتاح من إقامتها فى منزلهم مما أزعج الأمر ليلى ويجادل كارولتا لأنها تريد التخلص من والدته.

ينفرد ليلى مع بيبى ويطلب منه تبادل هاتفيهما اللذان يشبهان بعضهما وذلك لخوفه أن المرأة التى على علاقة بها سترسل له صورة مثيرة ولكن بيبى يرفض بشدة ثم تصله رسالة على الهاتف ليقوم بعمل التدريبات اليومية للتخسيس فينتهز ليلى الفرصة ويستبدل الهاتفين معاً ثم تصل رسالة على هاتف ليلى الذى يحمله بيبى به صورة مثيرة لإمرأة يعتقدون جميعاً على الفور أنها صديقة بيبى ويبدأ كل واحد بالتعليق عليها ما بين سخرية وإعجاب.

ولكن كذب ليلى يضعه فى أحرج مواقف حياته عندما تصل رسالة على هاتف بيبى من لوشيو صديق بيبى ونفهم منها أنه يواعد شخص لوطى فيعتقد الجميع أن ليلى لوطى لأنه يحمل هاتف بيبى. ويدور جدال بينه وبين زوجته عن كونه لوطياً ولم يخبرها ، يفضل ليلى اتهام نفسه باللوطية على أن تكتشف زوجته أن هاتفه مع بيبى وصورة المرأة تخصه هو. إن الإنسان يعتقد أن الكذب هو المنجى فى حين أنه قد يضعنا فى مواجهة اتهامات أفظع من التى قد نكون فيها إذا قلنا الصدق.

تصل رسالة لكوزيمو من ماريكا مديرته فى شركة سيارات والتى تبلغه دائماً بمواعيد العملاء الذين يحتاجون للتوصيل. وتقول فى الرسالة ( اتصل بى الأمر عاجل ) ويرفض كوزيمو الرد على الرسالة وذلك خوفاً من أن تخبره بموعد يضطره لمغادرة العشاء معهم.

تقترح بيانكا أن ينتقلوا جميعا للشرفة لمشاهدة خسوف القمر (الذى يجعله المخرج انعكساً لخسوف الحقيقة ) وأثناء التقاط كوزيمو صورة جماعية لهم من خلال هاتف بيانكا تصل عليه رسالة من صديقها السابق إيفانو( أشعر بالرغبة فى إقامة علاقة ) فيشك كوزيمو أنها لازالت على علاقة به ولكنها تنكر ذلك وتؤكد أنه يقصد من الرسالة علاقته بصديقة أخرى ويصر كوزيمو على أن تتصل بإيفانو ووضع الهاتف على مكبر الصوت ويتأكد من المكالمة أن إيفانو يتحدث بالفعل عن صديقة أخرى. قد نضع أنفسنا فى موقف شك لا حاجة له ولكننا نعتقد أننا بذلك نحافظ على أحبائنا.

يتصل ماوريتسيو صديق كوزيمو ويسأله ( هل أعجبها الخاتم والأقراط ) وتندهش بيانكا وتسأله عن المرأة التى اشترى لها الأقراط فيجيب أنها لها ولكنها تخبره أنه يعلم أنها لا ترتدى أبداً أقراطاً . ثم تصل رسالة أخرى من ماريكا تخبر كوزيمو بالاتصال لأمر هام وتصر بيانكا على الاتصال بها وتنتزع الهاتف من يد كوزيمو لتضع المكالمة على مكبر الصوت ويتضح أن ماريكا أجرت اختبار حمل وأنها حامل من كوزيمو ، تصطدم بيانكا وتدخل الحمام وتغلق عليها الباب لفترة طويلة. إنه يرتدى قناع الصدق ويحاسب بيانكا على مكالمة صديق سابق فى حين أنه يخونها بالفعل

 تصل رسالة لكارولتا يبدو منها أنها على علاقة برجل آخر يسألها عن ملابسها الداخلية فيجادلها ليلى لماذا تعرف رجلاً آخر فتخبره أنه مجرد كلام مع رجل من خلال أحد مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يراها. يصر ليلى على أنها تتصل بهذا الرجل ويتضح أنه يغازلها ولكنه يتمنى أن يراها ولم يفعل بعد. ويتجادل الزوجان وتقول كارولتا لأصدقائها ( ليس الهاتف المحمول فقط الذى يكشف الأسرار ولكن الاعتراف يكشف السر) ثم تعترف أنها هى التى كانت تقود السيارة وصدمت شخص وهى ثملة وليلى يعلم ذلك ولهذا هى مضطربة نفسياً. إنها تخشى من زوجها الخيانة فى حين أنها تخونه حتى ولو بمجرد الكلام مع شخص آخر.

شجاعة كارولتا بالاعتراف تجعل بيبى يعترف للجميع أنه هو اللوطى وليس ليلي وأنهم فصلوه من العمل لهذا السبب وتركته لذلك زوجته السابقة وأنه ليس له أصلاً صديقة لتأتى معه ولكنه صديق لوطى ولم يحضره معه خوفاً عليه من تجريحه بنظرات الحاضرين. . المثير فى الفيلم أن المخرج ترك مقعداً خالياً على نفس المائدة المفترض جلوس صديقة بيبى عليه كوسيلة لإدراجنا داخل العمل وكأنك تعيش مع أبطال الفيلم ولكنه مقعد كاذب لشخصية وهمية من المفترض أنهم ينتظرون امرأة تجلس عليه ولكن رفيقه رجلاً. .

 ونعيش مع السؤال الكبير للفيلم: هل من الأفضل معرفة الحقيقة أو العيش في جهل ساذج؟ إن الفيلم يأتى كصدمة تجعلنا نشك فى أن كل ما حولنا كذب وخداع، ولكن تأتى الإجابة عندما ينتهى الفيلم ونرى أن الأصدقاء لم يقوموا أصلاً بخوض التجربة وذلك لأنه كما قال ركو لإيفا " كلنا قابلون للكسر" .

النهاية العجيبة عندما يذهب الجميع لطرق باب الحمام للاطمئنان على بيانكا ولكن تخرج علينا بيانكا فى كامل زينتها وكأن شيئاً لم يحدث ويفهم المشاهد من الحوار والمشهد التالى أنهم لم يقوموا أصلاً بممارسة لعبة الهاتف المحمول وحتى المشاهد كان يعيش فى كذبة طوال الفيلم.

. إن الأفلام التى تدور أحداثها فى مكان واحد تكون مملة فى بعض الأحيان ، ولكننا لا نجد ذلك فى هذا الفيلم أبدا، وذلك بفضل الشخصيات المتمكنة من أدائها ، وكذلك الحوار والقصص المتتابعة حيث يشعر المشاهد وأنه يعيش داخل الأحداث ويندمج معها .

يبدأ الفيلم مع خسوف القمر وغياب الحقائق وينتهى مع ضوء القمر وهو بدر يظهر معه كل شىء واضح كما نتمنى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 ناقدة مصرية 

إقرأ المزيد...

ديوان "أقص أيامي وأنثرها في الهواء" لـ مروة أبو ضيف

محمد أبو زيد
هل سمعتم الأوبرا التي ألفتها بمفردي من الأنين؟، الإجابة على هذا السؤال الذي يأتي في إحدى قصائد مروة، هي الديوان بأكمله، الذي يأتي أشبه بقصيدة أوبرالية واحدة طويلة من الأنين ونعي الذات والعالم، ومواجهة ذلك بالسخرية وإعادة تشكيل هذا الكون الذي غدى يقص أيامها وينثرها في الهواء.
تهتم مروة في ديوانها بالإجابة على سؤال الناقد الشكلاني رومان جاكوبسون ‘ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثراً فنياً؟’، فالسؤال الذي سعى من خلاله الناقد الروسي الشهير للوصول إلى مفهوم الشعرية، تجيب عليه مروة من خلال نصوص تمزج فيها ما بين السرد والشعر، ما بين صور مدهشة ورسائل متبادلة، والتناص مع نصوص تراثية، كما أنها تمتح في بعضها من التراث الشعبي، في محاولة لاستبطان الشعرية من كل هذا، فلا تغفل مروة الصورة الشعرية المدهشة، التي تبدو قوام الديوان الأبرز، لكنها في نفس الوقت تسعى إلى استخراج الشعر من المفردات العادية.
تذهب مروة إلى التراث الشعبي، وتعيد استخدام نصوص كلماته التي تبدو معروفة للأذن، لكن مروة تمنحها شاعرية قصائدها، مثل قولها ‘لا قمر ولا شمس ولا يحزنون’، و’بيني وبينكم.. لقمة العيش صعبة’، و’كلنا يسعى لجبر الخاطر’، و’صرفتُ الجِلد والسقط’، و’اعمل الخير وارمِهِ في البحر’ هذه الكلمات التي قد تبدو لأول وهلة كلمات نسمعها يومياً يتغير معناها عندما تصبح جزءاً من نص شعري، بل يعيد القارئ اكتشاف معناها من جديد، كما يقدمه الديوان
بالإضافة إلى هذا تقدم مروة صوراً مدهشة، ويمكن القول إن أكثر من يميز الديوان هو الصور المدهشة، والتي لا تأتي منبتة من القصيدة، بل جزءاً من صورة كبيرة فيها، ‘هل فرغتم من عد الفراشات، التي خرجت من بين أصابعي؟هل علق آخر الغرقى ملابسه، علي جدار قلبي؟’، وبهذا الشكل لنا أن نتخيل مروة وهي ترسم لوحة سريالية فيها ‘رأسي منزِلٌ مُهشّمٌ، لا يملؤه سوى صفير الرياح’، و’أخبط رأسي جيدًا، لتسقط منها الأشباح’، أو ‘ لغتي ناقصة بمفردات، تصلح لتلميع الأحذية’، وقولها: ‘الأرض تشبه برتقالة عفنة، كلما وضعتَ ثقلك على موضعٍ، غاصَ بك العفنُ إلى الأسفل’، هنا يصبح العالم كله جزءاً من صورة متخيلة، ‘تفاجئك بعنوان جريدتها المفضلة: مقتل بابا نويل علي يد قاتل محترف’.
الشيء اللافت للنظر في هذا الديوان، أنه يكاد يخلو من القصائد التي تخلو من الحديث عن الحب والجنس الآخر، والذي يسم معظم الكتابة النسوية، ليحل بدلاً منه الحديث عن الخيبات الشخصية، ونعي العالم، هنا تكون الذات حاضرة أكثر من حضور الآخر، ربما لأنها تتجاوزه، بل إن الشخصيتين الأكثر حضوراً في الديوان هما ‘الله’، و’الأم’، الذين تكتب مروة إليهما جل قصائدها.
يقول بابلو نيرودا: ‘عندما أفتح النافذة في الصباح، وأرى قتيلاً ووردة، هل من الطبيعي أن أكتب شعراً عن الوردة’، لذا تصدر مروة ديوانها بمقطع، يمكن من خلاله قراءة العلاقة بين الشعر والحياة من وجهة نظرها، فهي تتحدث عن رغبتها في كتابة قصيدة، القصيدة كما يتخيلها الناس العاديون، عن العشق والولع، لكنها تنتقل من الواقع إلى الواقع المتخيل، لذا فلأن ‘السماء تلهو بشمس تشوي الفراشات علي مهل’. لذا تقرر أن تغني ‘لقطٍّ أسود, أو شارع يبتلع المارة، أو فالْس عسكريٍّ يصلح للقتلى, أو الإبادة الجماعية للآدميين لصالح الآلة’، وتقرر أن يكون ديوانها ‘عن جماليات الهزيمة وتبرير الخيبة’، إذن فدايوان مروة عن الجمال كما أرادت في البداية ، لكنه جمال الهزيمة، وبدلاً من أن تبرر العشق، تبرر الخيبة.
تتقاطع هذه المقدمة مع قصيدة ‘هدايا صغيرة لا تعجبكم’، والتي تنعي فيها العالم، لتؤكد هذا المعنى، وتؤكد رؤيتها للقصيدة ودورها وأهميتها بالنسبة لها: ‘كنت أود لو أبتسم بهدوء 
ونحتسي شاينا معًا، لكن العالم مشغول اليوم بالحروب، والأطفال لم يذهبوا للحدائق. ربما غدًا نغني معًا علي الطريق، و نحتسي قهوة دافئة، ونبتسم جميعاً بصفاء بالغ، في رحلة الصعود إلى الله’.
لكن المهزوم في الديوان، لا يكف عن السخرية، ربما في محاولة للنسيان، وتبريراً للخيبة، لذا فهي تسخر من الشمس، ومن البحر، ومن الليل ‘مرةً عايرتُ الليل بلونه:أسود ولا يصاحبه سوى المنسيين’، هذه الحالة المدهشة من السخرية، تمتد على طول الديوان

من مقال عن جماليات الهزيمة وتبرير الخيبة

........

 

 يمكنكم الآن تحميل الديوان الكترونيًا >> من هنا

إقرأ المزيد...