wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

موقع الكتابة

موقع الكتابة

خطوطٌ متوازية .. بميّل

مصطفى عبد العزيز

(1)

داكنون أكثر. كل محاولة للمحو تزيدهم رسوخاً. ملاحظتهم أسهل الآن. خمس خطوط متوازية، يبدأون أعلى الجانب الأيسر للعنق، ويهبطون مائلين ليتوقفوا قبل الحنجرة مباشرة. تفصل بينهم أربع مسافات بلون الجلد. تترك شعرها ليغطي الرقبة، وتتحرك من أمام المرآة.

          طبق كبير. ماء ساخن يملأه بالتدريج. تضع بعض مسحوق الغسيل، تحرك الخليط، فتتولد رغوة. هو، الشخص الأهم لها. كانت تتحدث اليوم، لم يستمع، تركيزه على عنقها، يراقب. يبعد عينيه للحظات، ينظر لها، ثم يعود منجذباً للخطوط. فُرشة تستخدم في غسل الملابس، تضعها تحت الماء الجاري، تنزع الخيوط العالقة. إبقاء نظره عليها أصبح هدفاً، رفعت صوتها، حركت يديها وهي تتحدث، عدلت وضعية شعرها لتغطي العلامات. نجح الأمر، لدقائق فقط. عاد بعدها يسترق النظر، ليتبين الخطوط من بين خصلات الشعر. لا تشاركها هذه العلامات حياتها فقط، الآن تزاحمها فيها.

          تضع بعض سائل تنظيف الأطباق فوق أناملها، تدهن به جانب رقبتها وتدلك قليلاً. تغمس الفرشاة في الطبق وتفرك بها رقبتها. تزعجها الخشونة، تزيد القوة، يزيد الألم، تصمد، تُسرع الوتيرة، تضغط أكثر، تصل منتهى تحملها، تتوقف. تشعر بجلد عنقها يشتعل. لا شيء تغيير.

(2)

تتأمل، تبتسم. وشم على شكل لهب أسود يغطي جانب رقبتها، استخدم علامات العنق، ابتلعها داخل التفاصيل. لم تنمحي الخطوط، لكنها توارت. الجلد حول الرسم مشدودً، مُحمَرً. حين ينتهي هذا الإلتهاب ستـُظهر عنقها للجميع، لن تخفيه مرة آخرى. انتصرت.

          استمر الإلتهاب. قلّ الإحمرار، لكن الجلد لازال مشدوداً. تورم بسيط في البداية، ثم يشتد أكثر. الوشم يخف لونه. تظهر الخطوط المتوازية من جديد، كظلال في الخلفية. تزيد الرسمة بهتانا. الخطوط أوضح، كأنها تمتص سواد الوشم. الإنتفاخ يغطي النصف الأيسر للعنق. رسُخت العلامات. يتوقف نمو الورم. ينكمش. الخطوط تهبط، لكن الفراغات بينها تظل منتفخة.عاد العنق لطبيعته، ماعدا أربعة مطبات متوازية بميل، تفصلها العلامات السوداء.

          الأطراف السفلى للإنتفاخات تتصل. تصبح تورماً واحد يتوسع لأسف. يغطي الحنجرة ومقدمة الرقبة. تورم صغير يتفرع، يتجه لأعلى، نحو الأذن اليمنى.

          التور الهلامي يكتسب تقسيمات مع مرور الأيام. كأن عظاما نبتت تحته. المطبات مكونة من عقلات أصابع. أكتمل البنيان. لا إلتباس الآن. كأنها يد، نبتت فوق عنقها، وتقبض عليه برفق.

          تمر بأناملها على التورم. تضغط فينضغط ، ثم يعود كما كان. تمسك ما يمثل أحد الأصابع، تشده للخارج، يُشد جلد العنق معه، تتركه.تحك بأظافرها، شعورها بذلك مختلف، أضعف وأقل حميمية عن باقي جسدها. عينها تؤلمها، تغمضها و تفتح، تحرك مقلتيها في كل الإتجاهات. تتجه لدولابها، تختار إيشاربً، تلفه حول عنقها فتخفيه.

(3)

          هي وأصدقائها يضحكون. تسعل لإزالة حشرجة صوتها. صديق يوجه لها سؤالا. تجيب، تشرح. الإيشارب حول عنقها يتحرك، تضع يدها،  في مكانه، تتوهم؟! تُكمل حديثها. يتكرر الشعور، شئ يشد للأسفل، يحاول تعرية العنق. تتأكد من وضع الإيشارب بشكل مستمر، تراقب العيون حولها. يضحكون غير ملاحظين لشئ، لا تستطيع مجارتهم. فقدت الإندماج. تقوم، ترحل.

          يمر القلم، يحيط الإنتفاخات بخط رفيع. تراقب. يمر وقت. لا يتحركون. ستجبرهم إذن.

          ألم، يستمر للحظة، ينتهي. نقطة حمراء تخرج من التورم، لم يتحرك. تمسح الدم. تتجه بالدبوس إلى إنتفاخ ما يمثل السبابة، تركز نظرها على الخطوط حوله، تغرس، ألم، لاحركة، لم تقترب من الحدود المرسومة. تستمر في الوخز. ثابت. قطرات دم من كل مواضع التورم. تتعب، تتوقف. تسيطر رغبة في حك عنقها.

          تتحدث بصوت عالي، تسري اهتزازات أحبالها الصوتية في كامل رأسها، تتشوش قدرتها على الإستماع، لا تستطيع الحكم. أكد الجميع أن صوتها تغير. كيف كان قبل ذلك؟ تغمض عينيها، تستعيده من الذاكرة، يقترب، ستسمعه الآن. يختفي. "يا ابن الكلب". لا تسجيل بصوتها القديم لتسمعه، لم تتوقع الفقدان لتحتفظ بذكرى، تتكلم مرة آخرى، لا تميز شيئاً. تصمت.

(4)

          تخلع ملابسها لتستحم. تتأمل وجهها. أسفل العينين يزداد سواداً. تـُوازن الماء الساخن والبارد. شهيق طويل لتقاوم ضيق التنفس. تنظر للعنق، بهتت الحدود التي رسمتها حول التورم، ستجددها بعد الإنتهاء. تتصلب للحظة، تقترب من المرآة، تتفحص. قشعريرة تجتاح. إختلاف! التورم الذي يمثل الخنصر منفرج قليلاً عن البقية، والخط الذي كان يحده من الخارج أصبح الآن يمر في وسطه. نغزة في القلب. تداري عورتها بيسراها، تغطي جسدها بسرعة. "بيتحركوا !".

          تعود للمرآة، تقرّب إصبعها من التورم، ستلمسه، تخاف من تحركه أمامها، تتراجع. تريد الصراخ، لا تفعل. تشعر أنها عاجزة.

          الإستلقاء على ظهرها يجعل التنفس أصعب. شهيق طويل. تنقلب للجانب الأيسر. إن نامت سيتحرك. تنهض. تتمشى، تفتح التليفزيون وتتركه. ستصنع قهوة. تقف في الشرفة والكوب في يدها. هدوء ، لا أحد في الشارع، كلاب فقط. رشفة قهوة. تتأمل المباني حولها، معتمة إلا من ضوء أو إثنين. ترى هل يعاني أصحاب هذه الأنوار المضاءة كما تعاني؟ وهل من أطفأوا أنوارهم أكثر راحة بالضرورة! يُتعبها الوقوف، تخشى النوم إن جلست. تبدل حمل جسدها من ساق لآخرى. تنظر لأعلى، سواد السماء يتحول إلى زرقة داكنة. تخف الغمقة تدريجيا. التعب يشتد، تتثاءب. يتفتح اللون الأزرق. يوم جديد يبدأ. ستخرج، هذا سيمنحها ساعات آخرى من الإستيقاظ.

(5)

          من طرف العين تهبط دمعة، تمسحها. يومان دون نوم. الحياة أصبحت هلامية، اختفت التفاصيل، الأصوات آتية من بئر. تنظر في المرآة، تحاول التركيز على العنق، تفشل. تغلق عينيها. شهيق طويل، يتحول لتثاؤب. في النهاية ستستسلم، وينتصر النوم. ستكون بلاحيلة، تحت الجلد سيتحرك، سيهبط هذا الكف من الرقبة إلى الترقوة، القفص الصدري، يتوقف. سيعتلي ثديها، يتحسسه، يعتصره. ستتململ وقتها وتتقلب في الفراش. يعبر ترهلات وسطِها التي تخفيها دائما. يصل أسفل البطن، بين فخذيها. يداعبها، فيخترق الإحساس حلمها، سترى نفسها أمام شخص، مستثارة. تتحرك الأصابع، تنتهكها، هل ستتأوه؟ في الحلم يضاجعها الرجل. في هذه اللحظة ربما ستستيقظ ، وستجد الكف بين ساقيها،ستصرخ بالتأكيد.

          تفتح عينيها، قلبها يخفق بشدة. مستباحة تماما هي. تنظر للتورم، ساكن، مخيف. تطيل التحديق، تسرح، ثم تعود. تقوم من جلستها، وتتجه للمطبخ.

تشعر بملامسة النصل للعنق، تثبته فوق التورم عند إلتقاء الخِنصر بالكف. جرح السكين سيؤلم. قلبها ينبض، يتردد صداه في الحنجرة.تفكر في التراجع. تستنشق الهواء بعمق، تكتمه. تسحب السلاح لأسفل، ألم رفيع حاد. يُولد جرحٌ، يكبر، يشتد. تزفر الهواء المحبوس. الدماء تخرج. تحس بحركة، كأن الأصبع الجريح ينغرس في جانب الرقبة، وجع. تتحمل. السكين فوق إصبع آخر، تـذبح، ألم، تشبث. قطرات حمراء تلوث الملابس. قطع في ظهر الكف، يتشنج، يضغط على العنق، التنفس يضيق. جرح جديد، يزداد إنقباض اليد، تنحبس الدماء في الرأس، العينان تؤلمان. تصرخ، فقط حشرجة تصدر. تركع. الرؤية تغيم. لا هواء. تقــّرب النصل من العنق، تفقد القدرة على التوجيه. تختنق. تستلقي على ظهرها. لا تريد أن تترك السكين، لا تريد الإستسلام. الضغط على العنق يزداد. لا هواء. إنها تموت. تفرد ذراعيها، تترك السكين، تغمض عينيها، وتنتظر أن يخفف الكف قبضته قليلاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 قاص مصري 

إقرأ المزيد...

واقعية اللامعقول وسريالية الحدث .. قراءة في رواية "الوشم الأبيض"

 

 لولوة أبو رمضان*

 

وما السعادة يا ولدي سوى ساعة بصحبة حبيب لايعلم مكنون قلبك .عذابك بالصمت في حضرته صلاة أمل .خوفك من انقضاء الوقت ونهاية أجل الوصال سلامك واستسلامك رعشة يديك، خفقان قلبك هروب بصرك إلى جمال المحيط بالحبيب لأن صنيعة وجوده في عينك فإن صادفك ياولدي ما أخبرك به، فاعلم انك هالك لامحالة فاذهب ولو زاحفاً إلى موتك المشتهى .واعلم أنك خابرت أثر السعادة

 

  فقرة نثرية مفعمة  بالشعور والأحاسيس  تدفعنا معها إلى التفكير كثيراً وتحليل كل ما يحيط بهذه الفقرة المميزة  من أحداث جزئية وخبرات أدبية متنوعة ، وبالتالي البحث عن قيمة هذه الرواية القصصية الإسطورية السريالية والتي تحمل عنوان (الوشم الابيض) للأديب المصري  د.أسامة علام ، والتي أحداثها تُخالف المعقول في معقوليته حتى ليبدو التفكير في أحداثها غير واقعي ، وفي مثل هذا الحال تبدو الوقائع المرجعية ، وكأنها تستوي على ما تستوي عليه الواقع الغرائبي  الخاص بالخيال ، وهي الوقائع  التي تقع فيها صفة مالا يصدق ، ومالا يقبله العقل  أو صفة اللامعقول ، واللامعقول هو مايُخالف المعقول في معقوليته أو يتجاوزه حتى ليبدو بالتفكير فيه غير واقعي كلام فلسفي ذكرته د.يمنى العيد في كتابها النقدي (فن الرواية العربية) و سنحاول بدورنا تطبيقه على هذا العمل الادبي والحكم عليه من هذا المنطلق النقدي 

 

السريالية: مدرسة ما فوق الواقع

 هي المدرسة التي تُلقي بظلالها النقدية على رواية (الوشم الابيض) أول ما تُلقي ،وهي أكثر وقْعَاً وحداثة من المدارس الأخرى على الأدب ، هي مدرسة اللاوعي بجدارة والتي ظهرت إثر إنتشار سلطان العلم كما جاء في كتاب د.محمد زكي العشماوي (الأدب وقيم الحياة المعاصرة) وقد اشتهرتْ هذه المدرسة  بالتمسك بما في الإنسان من ملكات وما جُبل عليه من استعدادات فطرية ، فهي السبيل الوحيد للكشف عن طبيعة النفس الإنسانية لأن نمو العقل وخضوعه لما تفترضه العادات والتقاليد والوعي المنطقي من شأنه أن يَعوق خيال الأديب ،ويفسد فطرته السليمة

لكن هل ستستطيع رواية( الوشم الابيض) ,  والتي جاءت بعد أربعة روايات ( تولوز، ورواية الاختفاء العجيب لرجل مدهش، وواحة الزهور السوداء، وقهوة صباحية في مقهى باريسي) على أن تكون رواية عربية مُميزة بلغتها الروائية التلقائية و بإسلوب  اللاوعي؟ وهل أبدعتْ لغتها السردية  وفتحتْ الباب أمام العقل الباطن وحده لكي يُعبر عمّا يجول فيه من مشاعر أم بقيت مجرد حكاية أدبية ؟ وماهي  الإضافات الفكرية والفنية التي أضافها الأديب أسامة علام في روايته وبدورها ستثري  الرواية العربية الحديثة؟

 

 

 رواية الوشم الأبيض وعلاقة المتخيل الروائي بالوقائعي المرجعي مفهوم مختلف للواقعية

 

  كانت مهنة (جون سبيستيان اندريه) التي حولته إلى أُسطورة سوداء هي رسم الوشم المقدس… ذلك الرّسم الذي بطباعته على الجلد يستطيع السيطرة عليه و تغيير قدر الموشوم  

لا نستطيع أن نقول هنا -وفي هذه الرواية بالذات- أن فظاعة عالم الواقع تُربك السرد لأنها تبعده عن ميدان التأليف الخيالي , فقد أعلن الروائي الفرنسي (فرانسوا مورياك) في كتابه النقدي (الروائي وشخوصه )أنه سينقطع عن كتابة الرواية لأن فظاعة عالم الواقع تطرده من ميدان التأليف الخيالي لكن هنا وفي هذه رواية (الوشم الأبيض) تُعنى كثيراً بإقامة عالم روائي مُتخيل موازٍ للعالم المرجعي ،عالم مثيل لايختلف عن أي عالم يقدم صورة، لكن قد لا يقدم حقيقة، نفس المرجع النقدي السابق د. يمنى العيد ص95

 

الأحداث السردية بين الصدق والخيال

 الأحداث في رواية (الوشم الأبيض) القصصية  نتتبعها من بدايتها السردية التاريخية  ومن خلال كتب التاريخ التي تذكر تلك الرحلة المشؤمة ص 10 ثم نتعقب مراحل نموها وتغيراتها المعقدة اللذيذة ، لتصل بنا في النهاية إلى نتائج تتفق مع مايجول في نفس الأديب من وقائع تجسيد معاني العواطف الإنسانية السلبية كالحزن والكراهية والندم ص171 والجنون ص 172باسلوب وصفي مجسد على شكل إنسان (يكرر( الندم) بأنني المسؤول عن كل مايحدث لي ولمود) ص171وفي أثناء نمو الأحداث لا يفوت الأديب إلقاء الضوء على الملابسات التي أدت لوقوع هذا أو ذاك ،كل ذلك من خلال طبيب مصري كندي يعيش في مونتريال تسوقه الظروف المهنية للمتابعة مريض نفسي ليس كأي مريض (مريض إستثنائي) ص17( كل الأطباء الذين تابعوا حالته ماتوا ميتات وحشية مرتبطة دائما بشفاء جون سبيستان ببساطة ماتوا منتحرين) ص17، وبراعة الأديب في جمع شتات الأحداث السردية والتنسيق بينها في ترابط مسبب ومبرر منطيقيا وإحكام السيطرة عليها ، وخاصة أثناء معالجته لمريضه جون سبيستان وتعرفه على الفتاة العشرينية من أب كندي وأم افريقية ،تدعى( مودبيير) طالبة في كلية الطب في (ميجيل )لها وشم أبيض عجيب على جلدها الأسمر لأفعى تلف جسدها كشجرة ص27 ، ومن وقت هذه المعرفه بالفتاة وأهلها وأبيها واطلاع (د. اشرف) على حقائق غريبة جداً يسردها عليه (جون سبيستان) وهو متمدد على سرير الكشف ص28 ، تشابكتْ ،وتعقدتْ الأحداث وظهرتْ معها الكثير من المواقف الجزئية التفصيلية التي استولتْ على فكر البطل وشغلته بطريقة جنونية أخافته لتتجلى  فيها ذلك الصدق والتبرير الفني ص36 وليس الصدق الواقعي ، ويؤكد معه ما قاله د.محمد غنيمي هلال في كتابه (النقد الادبي الحديث) على لسان الشاعر الفرنسي جورج دوهامل الذي قال:(أنت صادق النية فيما تريد، تعلم كيف تكذب) وهنا تظهر أصالة الأديب مرة أخرى في عرض الواقع لتغيره لكن دون التصريح بآرائه مباشرة ولكن على الشكل  السريالي  والإيحائي لما يؤمن به  ليؤثر في القارىء ويجذب انتباهه

شخصية البطل وحيوية الاخر

وفي هذه القصة الدرامية المليئة بالحركة والتصرفات المنطقية تارة  والخيالية تارة أخرى والتي تظهر بعفوية إنسانية  عند الشخصية الأولى والمسؤولة عن الحركة في الرواية وعن ابراز الأفكار المتلاحقة بانسياب تام ، وتجسيد المعاني الانسانية وهي شخصية البطل الأول والاخير والمتمثلة في الدكتور أشرف (أما ما اقسم عليه أنا ..أشرف المواطن الكندي المصري طبيب الأمراض النفسية بمستشفى رويال فيكتوريا بمونتريال فهو أن المدعو جون سبيستان أندريه يسكن مدينتي  وأنه المريض الذي غير حياتي كلها بقصته العجيبة...جذور عائلتي تعود الى أمازيغ صحراء مصر الغربية الذين قطنوا واحة سيوة ...طفولتي كانت مقسمة بين عالمين عالم زاهر يراه الجميع وعالم الخفاء الاكثر عمقا ...الان اتذكركثيرا من الشخصيات عوالم كظلال باهته … المدهش ترسخ لديّ شعور بأن كثيرين ممن أُقابلهم قد قابلتهم في خيالات طفولتي أو ربما إننا تقابلنا في أزمنة أخرى...) ص 10 وص 11فهو شخصية تُجسد قيم مجتمعه المصري الشرقي وجذوره البدوية في واحة سيوه ( أنت ابن ابيك يا أشرف) ص48 في أحيان عديدة  وشخصية ثانية متفاعلة  مع قيم ،إنسانية أخرى وتوجهات إجتماعية غربية يقوم بها لكنها ليست متأصلة فيه كعلاقته ب (مودبيير) صاحبة الوشم الابيض وأخذها إلى البيت في الغابة   ثم حبه وعشقه الغريب لها فيما بعد (أعادتني مودبيير إلى حزن الفطام عن الجمال بالبهجة التي تخلقها حواء منذ الازل) ص 131، ص 132كل ذلك يظهر في اتساق فني وتفهم كامل للأحداث ليخرج لنا في إطار من الإبداع الفني والأدبي المطلوب كل ذلك متصل كل الإتصال بالشخصيات الأخرى التي اقتحمت حياة البطل فبدلتها ص 147. هي رواية قصصية تتسع لدخول أشخاص آخرون يختلفون عمن نألفهم من الناس ،هم وحدهم يثرون الفكرة القصصية بحيويتهم وتفاعلهم المطلوب سواء كانوا واقعيين أو خيالين،  من خلالهم يؤكد الأديب د.أسامة علام على أفكاره من خلال راوي سارد وبطل رئيسي في هذه  الرواية السريالية البحتة ، فإضفاء مهنة  الطبيب النفسي على الشخصية الأولى هي من خلقت هذه النوازع والإيديولوجيات العلمية والثقافية وأخرجتْ الرغائب الداخلية  من العقل الباطن لتطفو على السطح عند د. أشرف وهو في بيت( تيكانا) ليظهر صورة أخرى جميلة للعقل الباطن أوما يسمى باللاشعور عند (مود) بشكله الأقوى والذي لامجال للشك فيه , يتواجد معها وهي تُعاني ألم الحمى الشديدة في بيت الغابة ص 135  . د. اشرف هي الشخصية الأولى والمتطورة المُهيأة للإستثارة في العواطف والإنفعال ، وردود فعلها الإنسانية المتوقعة وغير المتوقعة ، تجعلها في صراع نفسي دائم وأحلام غريبة وهلوسات لاحد لها ( في هلاوس اغماءتي... )ص 11وصراع  خارجي مع الأحداث  التي تتسم بقدر كبير من الديمومة  والإستمرار ، بحيث تبرز بشدة ومنذ الوهلة الأولى صفات الشخصيات الثابتة والملاصقة للشخصية البطل والتي ساعدته في البوح بأسئلة فلسفية وعبارات مناسبة تناسب السياق الروائي ، جاءت في آخر فصول الرواية  كلها حكمة وجمال ص125وص129  ( بينما سلام ابدي وبهجة غامضة يلفان روحي) ص130

ومن هنا ظهرت في رواية( الوشم الأبيض) النوع الذي يُطلق علية بقصة المعادلة في الرواية- كما أسماها الناقد د.عزالدين ابراهيم في كتابه (الأدب وفنونه)  لجمعها بين سمات (القصة السردية) و(قصة الشخصية) ففي الأولى ينظر للوقائع والأحداث وتسلسلها بمفهوم اللاواقعي ، وفي الثانية يكون هدفها هو إبراز الشخصية الأولى وادماجها في كل العناصر الفنية للعمل الأدبي فيوليها الكاتب  كل التركيز والإهتمام إلى النهاية التي يختلف على نوعها , هل هي نهاية حزينة أم نهاية مأساوية أم نهاية بدايتها حزينة ونهايتها سعيدة ومؤلمة؟ 

 عنصر المفاجأة في الحدث السردي

من أهم العناصر التي تُبرز الصدق الفني في الرواية فهي لا تتبع نظاماً  ثابتاً وتقليدياً فقد تأتي على أشكال متعددة مع الوقائع ذات الإيقاع السريع وعنصر المفاجآت عنصر يزيد الحبكة القصصية جمالاً ،ويجعل الترابط سلساً ومشوقاً عند  القارىء ،ويزيد حدة التماسك ليصبح أمراً هاماً  في إطار فني مُقنع للناقد والقارىءمعاً  كالأحلام التي كثُرت عند بطل الرواية (كنتُ في حالة جسدية مزرية بعد ليلة بيضاء لم أستطع النوم فيها من كثرة الأحلام والكوابيس المتناقضة) ص37 والرسائل كرسالة الدكتور البكستاني الذي انتحر وذكره دوافع انتحاره ككفارة عن أنانيته المطلقة ص 148 ،ورسالة والد الشخصية الرئيسة  في القصة والتي اقتطع جزء منها كعنصر تشويق في وسط الرواية لتتناولها الرواية في النهاية بتفصيلاتها وأحداثها وأحداث أحداثها  الجزئية والأسطورية  كتبها الأب لابنه لنختتم بها الرواية , وتترك القارىء في وضع الدهشة والانبهار تارة ووضع الاكتمال المعرفي للقصة تارة أُخرى، فهي رواية سريالية أخرى داخل الرواية الأم ، ولاننسى البريد الإلكتروني الذي أرسلته (ميريام) والدة مود وملكة شعب المونجا ص 71 والذين يعيشون وفق قوانين صارمة ص 81 وما حدث من مواقف كلها مفاجآت غير متوقعة حولت حياة د. أشرف إلى جحيم ص 78

 إضافة إلى حدثٍ مفاجىء آخر من ضمن الأحداث السريالية التي تمتلأ بها الرواية ، والذي يُصنف من أحد عناصر المفاجآت الهامة وهو جنازة (مود) اللاوقعي وفيها خرجت مود  من التابوت وحديثها مع د .اشرف وأنها تنتظره  في  العالم الذي لا يعرف الموت ولا الأحزان وتمسك بيد فتاة الأنكا (كانت تأتسها في الأحلام ) وتجريان معاً  ص 173  

الطابع الغيبي في رواية الوشم الأبيض

نجده قد تواجد في موضوع تناسخ الأرواح الذي غلب على أحداث الرواية والذي يميز النزعة السريالية عن غيرها من المذاهب الادبية وهو ماعبر عنه( بريتون) أحد أعلام السريالية . ونلحظها في الرواية بكثرة خاصة عند الإعتقاد أن أرواح الموتى تتصل بالأحياء، وتؤثر على سلوكهم بطريقة أم باخرى , هي عملية فنية أبدع فيها الأديب كاتب النص ،ومؤلف الفكرة الخيالية ، ومركب العقدة القصصية بشكل تكنيكي مرتب وقادر على التأثير على النفس القارئة بطريقة جذابة ومبتكرة ، تأخذنا إلى عالم الخيال والوهم ، لتلقينا بعدها إلى واقع حقيقي مقتضب  ينتهي ببقاء د اشرف المُعَاني من ويلات الالم والعذاب على قيد الحياة بعد هذه الرحلة الشاقة التي تورط فيها ثم زواجه من زميلته د. هناء .

 ففكرة التناسخ بالأرواح  تظهر أول ما تظهر عند أحد الشخصيات الهامة في الرواية وهو( جون سيبستان) المريض النفسي تظهر من كلامه أثناء تمدده على السرير( أعلم انك لا تتذكر شيئا من الحكاية كلها لكن لا تخشى شيئا

أنا هنا لمساعدتك على التذكر … أنا الذي عليك أن أشكرك دوماً سواء على مافعلته لي في حياتنا السابقة أو ما ستفعله لي في هذه الحياة… إنني فكرت بالانتحار مثل هؤلاء الجهلة الذين يتركون أرواحهم تننقل من جسد الى جسد آخر ..روحك التي تسكن الان ذلك الجسد الذي امامي … تسكن جسدا ينتمي لحضارة قديمة رائعة، آخر مرة التقينا فيها كانت روحك  تسكن سيدة ممن تبقى من قبائل الانكا... ) ص28 و 29

 فكرة تناسخ الأرواح فكرة جنونية وشائقة جاءت في الرواية كانت تدور في عقل المريض سبيستان وحده استغلها الأديب (اسامة علام) استغلالاً فنيا، وحركها 

بأصابعه العشرة كلعبة العرائس الخشبية في المولد النبوي

الحبكة الإنتقائية بين التنوير والزمن الفني والمكان الأرسطي

إذا إردنا إحكام بناء الرواية لابد من إطار فني  يُطور ويَخلق الأحداث المتتالية من الداخل ويربطها  -مع الشخصيات التي تُسيّر هذه الأحداث- ترابطاً وثيقاً   يشف عن منطق خيالي مُبرّر وإظهار دوافع وقوع ما وقع لتنمو نحو العقدة( قمة الأزمة) لتبدأ بعدها بالإنكشاف والإنفراج وهو ما يُطلق عليه عنصر( التنوير) في السرد الفني ، كما جاء في كتاب( الفن القصصي) للدكتور علي عبدالخالق بموت (مودبيير) المأساوي  ، وتتداخل أحداث  العمل الفني الوشم الابيض  قبل وبعد موت مود بعكس السرد العادي والحكايا التي تروى ، والحبكة الفنية الانتقائية لديه هي قدرة الأديب ومهارته في الإنتقاء والتنسيق المبرر ومزج الواقع بالخيال دون أن يشعر القارىء ،فالحبكة هنا هي الجانب العقلي والأمر المنطقي المقنع من عند الأديب نفسه ،وليس من أحداث القصة ،ونستشف وحدتها هذه من خلال خدمتها للفكرة الفلسفية والتي هي هدف كل أديب ، ليجمع حولها أحداثا تقع وأشخاصاً يلتقون ويفترقون، كما يؤكد د عزالدين اسماعيل في كتابه (الأدب وفنونه) ويُسيطر على عنصر الزمن غير الطويل حتى تسير الأحداث في تتابع منطقي ووضوح تام ليتعمق إحساس القارىء بعنصر الحدث ويدفعه إلى مزيد من حب التطلع والإستكشاف لللاحداث الفنية القادمة في الرواية  التي تعتمد على الحوادث المتلاحقة ، والمكان( الكندي) بالمفهوم الأرسطي الذي هو رد جمالية العمل الفني إلى المحاكاة بواسطة أشخاص يفعلون ، وهذا معناه رد الجمالية للفعل كما ذكرته د يمنى العيد في كتابها (فن الرواية العربية) ص 109 والتركيز هنا- في رواية الوشم الأبيض-  على تصوير الشخصيات تصويراً نفسياً يُتيحون فيه الفرصة للقراء بأن يكتشفوا أنفسهم بأنفسهم ،  كتعرف بطل الرواية على كارما والد مود واستجابة البطل لمطالب( كارما) الإنسانية في البقاء بجانب مودبيير  ، وتجربته الروحانية مع( تيكانا) ص 87-106  الإستاذة الجامعية الكندية من الهنود الحمر في منطقة (كنواكي) الكندية، والتي أخدتنا معها إلى جوانب الحياة الروحية ليبتعد فيها د .اشرف عن فساد الحضارة الحديثة  وكأنها كانت شخصية تيكانا ملجأ للهروب والإنسحاب من الواقع الاليم هي الحياة المنعزلة يقيمها الفرد من ذاته ولذاته  

 مرحلة التوازن تأتي من الأديب ونضوجه الفكري العميق عندما تحقق الحب  بين الطبيب المصري ومريضته  الكندية (نحن حبيان تبادلنا الأدوار الكثيرة في علاقتنا القصيرة ...حبيبان)ص 168لنعيد اكتشاف أرواحنا الجديدة كعاشقين ص 169 لينكشف بعدها الماساة بموت( مودبيير) جثة بين يدي د. أشرف ص170 إكتشاف أوضح  معه أسرار الرواية وأوصلها إلى مرحلة التنوير وأنهى هذا الصراع بتكثيف العقبات ليصل البطل إلى  إقتناع تام باختيار القرار الشاق والحاسم وهو إعلان حبه لمود لتقع الكارثة دون أن يقدر  لها وتكون النهاية الماسأوية وتكتمل الصورة لتصير أكثر قرباً لما في الواقع ويتم زواجه من د. (هناء محمود) بعد كل هذا الجنون الذي مر به وكانت هي شاهدة عليه لكنها سامحته ببراءة ابنة بلده وكأنها أمه التي لم تغضب منه أبداً ص174 وص 178، وتتم بعدها  قراءة رسالة الأب والموجهة فقط لابنه في نهاية الرواية  وتنطبق عليها الرؤية الرمزية وهو عجز الإنسان عن التغيير ما يرسمه القدر له منذ الأزل وغفلته عن معرفة الحقيقة الهامة وبحثه دوماً على المشاكل والصعوبات لثقته العمياء بنفسه او لجهله بالحلول السهلة التي كانت بين يديه وتغافل عنها لجهله وغطرسته .

كل هذا وغيره الكثير في الرواية التي يراد إبرازها للقاريء وللناقد على حدٍ سواء       

والشخصية الرئيسة د اشرف اهتمت بتناسخ الأرواح ،والقراءة عنها بكثرة منذ الطفولة وأن ماقاله سبيستان قد حرك شيئا له ظلال في نفسه لكن الدين ، وعدم برهنتها علميا قد جعله لايؤمن بها إيمانا كاملاً ص 34 ، مما جعل د. أشرف وهو الراوي الأول في الرواية  أهمية  مهنة الوشم الخاصة بسبستان بأنه رجل مهيمن يصنع وشمه على الجسد ليترك اثر شخصيته على اجساد زبائنه ص 34  ومثال حي على ذلك هو قدرته على السيطرة الكاملة على الفتاة السمراءالتي أحبتها روح د اشرف منذ قديم الزمان عن طريق رسم وشم ابيض ووضع معه افاعي حارسة تمنع تأثير الطبيب على الفتاة  لينتقل بعدها الاديب اسامة ويذكر معلومات ثقافية على لسان د اشرف ويتكلم عن تاريخ الوشم وكيف بدأ كطقس   وديني ص35  لتصبح هناك ديانة اسمها  ديانة الوشم الابيض ويتحقق الخلود الجسدي لكل من ينتمون لهم  ص 67

 بين الحوار الرسائلي و الحوار المباشر

 تعد اللغة في رواية( الوشم الأبيض )هي هوية من لاهوية له 

 نقرأ رواية (الوشم الابيض) بشغفٍ لنرى تعدد اللغات الروائية من سرد ووصف وحوار ، بمعنى أن هناك تجدد متساوٍ للغات روائية هامة هنا ، انها مسألة إبداعية بحته

 الحوار الرسائلي في (الوشم الابيض) هو حوار الأديب  في عملية  السرد الروائي  وهو عبارة عن  إعطاء مساحة للحرية لشخصيته في التعبير والنطق بطريقة غير مباشرة وذكر المسببات الأولى لكل ما جرى لتكتمل الصورة للقارىء ، هي بث  لأفكار مقررة تضفي على الأحداث صفة الحياة الشرقية بحضاراتها العريقة والقديمة  وتوضيح ذلك من الأديب نفسه والذي اتخذت  منحىً مميزاً بالطريقة الرسائلية  وأعطت بدورها  قدراً من الحرية للإفصاح عن عباراتها الخاصة دون مقاطعة تُذكر

نجدها تظهر  في ثلاثة الرسائل الأولى ص 119 وهي رسالة مركزة وصغيرة من تيكانا والدة مود ورسالة ثانية من الدكتور البكستاني ص148 والرسالة الأخيرة رسالة الاب التي معها تنتهي الرواية وحكايته التي (هي أعجب من من حكايتي ألف مرة) ص 175 وقد ذكر مقطع هام منها ومؤثر لكل من يقرأه ص166 أثناء إكتشاف بطل الرواية عشقة الكبير لمود  وهي الرسالة التي حاورت شخصية البطل بطريقة غير مباشرة و شفافة ، ومؤثرة ،وعفوية وكأنها طغيان فكري لفكر الكاتب الروائي (اسامة علام ) والتي كانت بمثابة الإضافة الهامة على فكر الشخصية الأولى وكأن (رسالة أبي) هي الحد الفني الفاصل بين راوي الرواية وبطلها الأول وبين الأديب الكاتب (اسامة علام )بعينه ، هي المُفسر المهم لكل ما حصل للدكتور أشرف هي لحظة التنوير الثانية بأم عينها بدون أدنى شك

لنجد القدرة على الإلتزام باسلوب الحوار باللغة العربية الفصحى  السلس في القضايا المهمة  والمعاصر وتفسير المصطلاحات العلمية للقارىء كمصطلح الابيتوزيس والترجمة الحرفية العلمية للعقل الباطن الجمعي ونظرية علم النفس الجمعي ص 199وذكر مؤلفه عالم النفس السويسري (كارل جوستاف يونج)

أما الحوار  المباشر الناجح والغني بعلوماته العلمية الموثقة بين شخصية البطل وكل الشخصيات الأخرى ما هو إلا استشعار بأهمية الموضوع المطروح ودليل على توفر هذا الكم الكبيرمن الثقافة واللغة عند الأديب خاصة حين نقلَ مشاعره  في قصة من الخيال ،ونفاذه لعمق الحدث من خلال اختمار مايراد طرحه على القارىء من عقله وشعوره، كما حدث مع الشخصيات الأخرى الأجنية الكندية ص94  أو حتى أثناء حديثه مع صديقه المصري (فوزي مختار) وشرحه لفكرة تناسخ الأرواح ص51 .وتكرار للفظة الإندهاش والدهشة والدهشة أكثر من ثلاث عشرة مَرة جاءت بأشكالها المتباينة  وحملتْ في طياتها جمال هذه الكلمة العربية الأصيلة في أكثر من موضع،  جمال يبرهن معه الإندهاش لما يتوالى علينا من آلام ومن أحزان .

وإذا حدث واستخدمت العامية فهي من أجل إحداث هذا التجاوب التضامني مع الشخصيات الأخرى كشخصية الدكتورة (هناء)  لإقناع القارىء من ناحية وإضفاء نوعاً هاماً من الواقعية الكلامية المحسوسة من ناحية أخرى على العمل الأدبي ص  122لكن تظل أهمية المحافظة على الفصحى متواجدة في رواية الوشم الأبيض بكثرة ، وهذا يذكرنا لامحالة بنقد عميد الأدب العربي( د طه حسين) للغة  (رد قلبي) ليوسف السباعي ،وقوله في كتابه (نقد وإصلاح) (...ولكن أؤكد له ناصحا أن هذا الإهمال يشين قصته حقا ويسيىء إليها في غير إستحقاق منها لهذه الإساءة

  أهمية تردد اسم سلفادور دالي وأعماله في الرواية

بدأ هذا التكرار لاسم الفنان(سلفادور دالي) -مؤسس المدرسة السيريالية- في رواية (الوشم الأبيض) وقت الزيارة الأولى لبيت مودبيير الشخصية الثانية والمهمة أيضا ص 79 ثم إهداء (كرما ) والد مود للوحة (إصرار الذاكرة) للدكتور أشرف والتي تحتوي على ثلاث ساعات منصهرة ص107وتفسيره لرمزية هذا الإنصهار في الرواية وربطها بالوشم(الآن  فهمت لماذا أرسلت لي كارما هديتها الجميلة) ص108 وتكراره و للمرة الثالثة في الصفحات النهائية للرواية عند خاصة عند رؤية الفيلم الصامت (الكلب الإندلسي) لدالي والتشابه الكبير والمرعب بين الفيلم وبين كل شخصيات القصة (الوشم الأبيض )دون إستثناء ص157والتفسير الواقعي من الشخصية البطل للأحداث السردية  للفيلم،  كل ذلك بينه وبين نفسه ص 158 ومحاولة (د. أشرف) الناجحة في إقناع نفسه بأن كل هذه الإسقاطات كانت تهيؤات ص158

لهذا نستنتج أن الرواية (الوشم الأبيض) سريالية التوجه والإنتماء ، فهي من ينتمي إلى حركة التذمر والسخط والإحتجاج على آلية الحياة الحديثة والفزع من خنق حرية الفرد . وتداعي لوحات دالي في الرواية ألزمت الأديب (اسامة علام) بذكر قوة لوحة( الصرخة) للفنان  النرويجي (مونش) وقت حدوث الفاجعة غير المتوقعة من د. أشرف وهي وفاة (مود) حبيبته وأن صُراخ اللوحة الصامته سرق صوت وقلبت نفسيته رأساً على عقب  ص170 

لذا إدراج رواية( الوشم الابيض )على أنها رواية  سريالية  مازالت تحتاج إلى دراسات نقدية  مستفيضة . ففي جوهرها أحداثها ستبقى وتطول وتطول. هي قصة إنسانية في ظاهرها وإطارها الفني المحبوك، هي تحليل دقيق  للنفس الإنسانية بنوازعها  المتعددة وبواطنها غير المعلنة ، هي الرموز للمعاني الحياتية التي تحتاجنا إلى أن نفككها أكثر ، ونستلهم معها العِبر صراحة كما  جاء في رسالة أبي أو أن تُحلل  تحليلاً نقدياً أدبياً صادقاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ناقدة فلسطينية 

إقرأ المزيد...

ابتسامات ناصعة البياض وطلقات رصاص حي

أميرة الشربيني

في طفولتي وأمام شاشة السينما التي تبتلع حواسي بعظم حجمها وبعلو صوتها المجسم المحيط بي من كل جانب، وبينما العيون مسلطة على البطل الذي يطارد الشرير، لطالما انصرف بصري إلى ما يجري بالخلفية، وجذب معه تفكيري إلى مناطق أخرى.

أسرح كثيرا بهؤلاء الذين يتأذون بلا سبب أثناء المطاردة العنيفة، هؤلاء الذين سحقتهم أقدام العملاق الشرير وهو يجول بين مباني المدينة، أو ذلك الموظف الذي كان يؤدي عمله الروتيني الصباحي عندما هشمت السيارة الغريبة زجاج الطابق الذي يعمل به وفصلت نصف المبنى العلوي وأسقطته على المارة الذين لم تسنح لهم الفرصة بالفرار.

لكن البطل خارق ومحظوظ ويفر من الموت دومًا، وبرغم كل الطلقات التي أصابته، لا يزال بإمكانه القاء جمله الحوارية الساخرة، فهو المتكلم دائما حتى وهو يتلقى اللكمات العنيفة من الأعداء وعندما تشبث بباب الطائرة المحلقة عاليا فوق المدينة، تمكن بالنهاية من الدخول بكابينة الطيارة وقتل الشرير ثم القفز منها بسلام قبل أن تنفجر بالهواء.

 

شظايا الانفجار لا يلاحظها المشاهدون بينما يصفقون لبراعة البطل، لكن يقتفي أثرها خيالي العملاق ويركض بكل اتجاه:

هناك إلى حديقة خلفية لبيت قديم بها امرأة عجوز كانت تسقي نباتات الحديقة قبل أن تحرق كلاهما شظية.

حيث ثنائي بأوائل العشرينات يعبرا الشارع باتجاه محل الحلوى المقابل لدفع عربون كعكة زفافهما قبل أن تعترضهما شظية مشتعلة تفجر السيارة المركونة بجانب الرصيف وينجم عن الانفجار إصابات بالغة لهما.

أو أطفال بباحة مدرسة تعليم أساسي، جرى كل منهم باتجاه إثر سقوط الشظية عدا ولد خمري اللون، مكتنز الوجه، له ابتسامة تذيب القلب ولدغة بحرف السين، كان يكرر الرقم سبعة بلدغته المحببة ويفرد أحد كفيه ويشكل علامة السلام بكفه الآخر المجاور، فقد كان هذا اليوم الذي تعلم فيه كيفية كتابة الرقم سبعة!

 

وجه الطفل الصغير بخيالي يحتل ناظري ويحجب عني رؤية وجه البطل الذي قد ملأ الشاشة عندما لمسته بكفها البطلة قبل أن يهيما في قبلة ودموع الفرح بالنجاة تبلل خدودها وشفاهه.

لم يفلح فيلم حركة مهما بلغت براعة صناعته، أن يعدل قلبي المتوثب بين أضلعي من فرط التوتر عن كراهية ذلك الاعجاب المفرط بكل هذا العنف من أجل انتصار شخص واحد!

نمط حياتي الذي ساده مرافقة الرجال، أبا وأشقاء وأصدقاء وأحبة، فرض على مرات عدة متابعة فيلم، بطله خارق، لا يُهزم، تركيز الكاميرات عليه لا ينقطع حتى وهو يطير بالهواء بسرعة خاطفة ليسقط ثلاث رجال دفعة واحدة قبل أن تعاود قدماه ملامسة الأرض. بينما هؤلاء المنسيون بخلفية الأحداث، لا تلتقط الكاميرات ملامحهم ولا يلتفت لمصابهم أحد، فهم ليسوا بأبطال!

كل البشر بالنسبة لي هم أبطال حكاياتهم، يحلو لي تأمل وجوه المارة بالطرقات المواجهين لي بعربات القطار والمترو، والانصات بتفهم غير مشروط لحكايات البشر الذين ألقوا ببئر كتماني باعترافاتهم، واحترام أهمية الحدث مهما بدا بسيطا بالنسبة لي، تظل أهمية الحدث هي قرار حر لصاحبه.

 أعرف ككاتبة أن الحبكة وتصاعد الأحداث والصراع هم عوامل الجذب اللازمة لصناعة الترفيه والإثارة، لكني لم أزل أميل لتلك الكتابات التي تستعرض مكنون النفس البشرية، وتُطوع الحبكة لخدمة ذلك.

 أميل لمشاهدة تلك الأفلام الإنسانية الهادئة التي تدعوك للتفكر بالحياة والآخرين، وأقرأ كتب تساعدني على ممارسة التأمل، لكن مؤخرا حكايات البطل الخارق قد شقت الشاشة الفضية الكبيرة خارجة إلى المحيط الدنيوي الواسع، وتحولت وسائل الميديا بكل أشكالها إلى شاشات عرض، الكاميرا فيها مركزة على شخص بعينه هو الممسك بها، وانضمت لقائمة الأبطال المتكلمين دائما، هؤلاء المبتسمون دائما والناجحون دائما والعارفين بكل شيء دائما... الخ. 

 لم يعد "السوبر مان" بطلًا بفيلم أورواية، لقد صار متمثلا في العديد من الوجوه التي تطالعنا بشكل يومي. فالعرض مستمر ودائم، يستهدف جذب الانتباه، ابتسامات أصحابه وصورهم تذكرني بإعلانات المجلات التسويقية. شاشات العرض صارت بكل مكان، وحكايات الخارقين تستحوذ على حواس المتابعين. 

لكني لم أزل تلك الطفلة الصغيرة التي ترقب ما يحدث بالخلفية، حيث الحكايات الأوقع والأجمل ليست هي الحكايات التي لُمعت بغرض التسويق، بل هي الحكايات التي تصلح للحكي لصديق مقرب أو غريب عابر جلس بجانبك في قطار وتعرف أنك قد لا تقابله ثانية.

هي تلك الحكايات التي تجسد الحياة كما هي، بامتزاج الحزن فيها مع الفرح بمشهد واحد كبير.

 رغم عدم اتساع دائرة معارفي الشخصية بشكل مبالغ فيه, إلا أني أستطيع الزعم بأني قد صادقت فئات متنوعة من البشر إن صح لنا تقسيم البشر حسب جنسياتهم, جنسهم, معتقداتهم, خلفياتهم الاجتماعية والمادية, وما إلى آخره من تلك التقسيمات القائمة على الاختلافات الظاهرية, وما تعلمته من تلك العلاقات هو أننا بالأصل غير مختلفين, القاسم المشترك الأعظم بيننا جميعا هو الإنسانية بمشاعرها وأفكارها المتطابق أثرهما على الجميع, خلافنا الحقيقي ينشأ من عدم التفهم, فنتوهم أن الاختلافات الظاهرية تلك هي سبب أي شقاق, بينما السبب الحقيقي هو عدم الرؤية الكاملة للصورة الحقيقية لما يحدث حولنا.

يتخذ عدم الوعي شكل أخطر عندما يمسك أحدهم بسلاح ليمارس بطولة في ظنه هي خارقة، كصاحب قضية فهو بطل بعين نفسه وعيون مؤيديه. بينما يدفع ثمن صراعاته الأبرياء الذين نتناسى تواجدهم ولا نشغل بالنا حتى بالتدقيق في ملامح وجوههم.

 

في عصر يرتد فيه الفكر العام بشكل واضح إلى غياهب تخلف العنصرية، أتصور أن أحد سبل مقاومة هذا الاتجاه هو محاولة الفكاك من ميلنا البشري النرجسي تجاه سحر بريق البطولة، وصرعة تمحور الميديا الشخصية حول النفس وكيفية تسويقها للعالم مما يرسخ أفكار قاصرة عن النجاح والفشل والصواب والخطأ.

 

أذكر أنه عند قراءتي كتاب "أعداء الحوار" ل "مايكل ياكوبوتشي" ترجمة د. عبد الفتاح حسن، أن تعبير ال "لا تسامح" كوصف لمنشأ العنصرية وكل ما ينجم عنها من جرائم إنسانية، قد نبهني لتأمل معنى التسامح بشكل مختلف. كما نبهني أيضا لخطورة الصور المثالية الزائفة، الخارقة للفطرة.

إن تفهم الضعف الإنساني، يعزز شعور التعاطف عندنا وذلك التعاطف هو عامل أساسي بعملية تسامحنا مع أنفسنا ومع الآخرين.  ونحن لن نتعاطف مع أحد إن مجدنا فقط كل ما هو مبالغ فيه وغير إنساني! 

كيف لنا أن نتسامح مع الضعف إن كان تصورنا عن الكمال مقرونا بالقوة؟  كيف لنا أن نتفهم الآخر إن كان الوقت الأغلب من تواجدنا يُستهلك في الدوران في فلك أنفسنا وفي الصورة التي نُصدرها للعالم عنا؟

 

منذ أن تحول العالم لساحة (تايمز سكوير) ضخمة، وأنا أبحث بين وجوه المارة والجالسين بجانبي في المترو وفي صالات السينما عن إنسانيين.

لنجلس سويا أمام الشاشة الضخمة فنتعاطف مع بطل قد صرخ عاليا عندما أصابته الرصاصة وسقط دون أن يتكلم، لكنا نتسامح معه رغم أنه كان منسيا بخلفية المشهد، لا يُقاتل أحد، ولا يعتلي منصة.  فقط يؤدي دوره العظيم بالحياة منشغلا بتفاصيله اليومية الهامة جدا قبل أن تطيش الرصاصة لتصيب كتفه، وعندها نشهق جميعا في لوعة، رغم أن البطل الخارق لم يمسسه أي سوء!

 ونغادر مقاعدنا باتجاه الشاشة الضخمة فنخترق المشهد وننحي الخارقين جانبا وننقذ البطل المتمدد في الخلفية، ثم نحكي حكاياته وحكاياتنا للعالم!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

روائية مصرية مقيمة بأمريكا ـ صدر لها رواية "عتق" عن دار دوّن 2011 

إقرأ المزيد...