wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

موقع الكتابة

موقع الكتابة

حائط غاندي .. قصص تحكي الثورة وتعكس حال المجتمع

سارة طوبار

عندما انتهيت من قراءة حائط غاندي للدكتورة عزة رشاد، شعرت برغبة شديدة في استعادة قراءتها مرة أخرى، ومع انتهائي من القراءة الثانية شعرته أنه بالرغم من أنني فقدت الدهشة من بعض القصص إلا أن الكتابة الجميلة وحدها قادرة أن تفعل ذلك بي، هذه المجموعة يجب أن تقرأ على مهل ليس فقط لتستمتع بتفاصيلها التي تعكس صور شتى لشخصيات ووقائع حياتية ولكن  لأن بعضها سيحتاج منك وقفة ما لتقتفي الأثر أو الآثار التي تتركه الحكايات داخلك فتعيد قراءتها لتكتشف في كل قراءة جديدة  معنى مختلف يضاف لانطباعاتك عنها.

في هذه المجموعة الصادرة مؤخرًا عن دار كيان، تحضر"المرأة" و"الثورة" في عدد من القصص، ولقد برعت الكاتبة في وصف انعكاسات الثورة على المجتمع وجسدتها في مشاهد مختلفة لم تكن معتادة من قبل فدمجت ماهو عام وماهو خاص ليبدو مشهد  النهاية في معظم القصص تلخيصا لمعاناة واحباط لا فرار منهما!

تبدأ المجموعة بقصة "رسائل بظهر الغيب" التي نلاحظ فيها تداخل "مصائر أبطالها وتشابكها" بشكل أو بآخر ، حيث جمع مشهد النهاية بين الماضي والحاضر والمستقبل ، فلربما في زمن آخر كانت الطفلة  في الحكاية هي الشابة ذات الحقيبة البيضاء والتي بدورها قد تصبح بائعة مناديل وأم لطفلة جديدة، وهكذا الطفل ربما هو الشاب ذو النظارة السميكة ،ليصبح بعد سنوات الجد المسن ، دوائر متشابكة بالفعل و جميعهم لاقوا نفس المصير، المصير الذي ننساق إليه جميعنا في النهاية ،الإتاوة التي يجب أن ندفعها للوطن رضينا أم أبينا، ذلك الثمن الذي يظهر في قصص "عزة رشاد" بطرق مختلفة وغير مباشرة، ففي قصة "سويتر جلد بني" يبدو لنا أننا جميعا عرضة لنفس الخطر، مما يجعلنا في حالة ذعر دائم  نترقب حدوث كارثة ما  بين لحظة وأخرى، وفي "رسالة بقلم رصاص" تظهر الحقيقة أبسط مما يصورها الإعلام وتتناقلها الجرائد ،مجردة من الكذب والمبالغة، حقيقة التفاصيل العادية اليومية ،فمن أدرى بالحقيقة أكثر من قلب أم يعرف فلذة كبده كما هو بلا مبالغاتو علياء الطفلة الصغيرة تدفع حياتها ثمن لصراع لا دخل لها به وتترك لنا نبتتها  رسالة  تؤرق ضمائرنا وتؤلم قلوبنا، ثم ستذبل النبتة و ننسى جميعا

 فأبطال الكاتبة أشخاص على هامش الحياة  يزج بهم دائما لتصفية حسابات ليسوا أطراف فيها

وفي قصة "جلد سلخته الشمس" تخص "عزة رشاد" رحلة معاناة أطفال نزعوا من حضن عائلاتهم ليجدوا أنفسهم رغما عنهم أطفال شوارع، يتأرجحون بين ذكرياتهم المبهمة التي كانت وواقعهم البائس حيث لا مفر منه، ولا حل سوى الاعتياد والاستسلام

 

وفي قصة "غبار" جسدت الثورة طيف "شجرة الدر" بشكل فانتازي، وكيف قارنت بين ماحدث منذ زمن بعيد وماحدث للثورة في سياق بدا منطقي وحقيقي وموجع ،شجرة الدر الملكة القوية التى قتلت غدرا بالقباقيب:

 "لا تصدق،فمن قتلني هو كل رجل استكثر علي حكمتي وبراعتي في الحكم وإدارة شئون الرعية"

"وماذا عن نساء القباقيب، أجابت دونما اكتراث: جواري جارية.........لكني اسامحها على اية حال،فهي في النهاية ضحية من جعلوا الضعف والهوان يقران في نفسها حد أنها تقتل وفاء لزوج لم يكن وفيا لها ولا ليوم واحد،برزت شفتاها وهي تستطرد بمرارة: كلهم لم يكونوا أوفياء. اسألني أنا"

كانت الثورة امرأة حرة قوية، وبدا أعدائها رجال سلطوين أبويين، فالمرأة بطل أساسي في قصص عزة رشاد، وهن أيضا مطالبات طوال الوقت بتقديم قرابين ليس للوطن فحسب لكن للمجتمع، للأزواج، للأبناء ، ثمة تضحيات يجب أن تقدم لاستمرارية منظومة الأسرة وللحفاظ على الروابط العائلية،وحدها دائما المرأة تدفع الثمن تستغنى عام بعد عام عن حلم ما كما في "حائط غاندي"، وربما تحاول في أيامها الأخيرة أن تفعل أمرا غير ما اعتادت عليه فلا تستطيع كما في قصة "عنوة" يتجلى اغترابها عن كل ما عاشته وبرعت فيه في لحظة ما و يغلبها كل أمر استغنت عنه لتأتي في النهاية محملة بأمنيات خفقت في تحقيقها  ، تستحي دائما أن تطلب مقابل لما تقوم به وليس واجبا عليها كما في "السن الذهبية" فهي المرأة التي لم تتزوج ويرى الآخرون أن وقتها وجهدها مستباح طالما أنها "فاضية" فلا حق لها في حياة تختارها ، وعجوز لا تعترف بمشاعرها ووجع الفقد كما في "هذا البرام الفخاري القديم بالذات" تحول مشاعر فقدها لحبيب ما إلى حزن وغضب لفقدها على برام فخاري قديم ، وفي "حرير منزلي" دون أن تعي  الأم تزرع الأنانية في بناتها بتضحياتها المستمرة رغم ضعفها ووهنها إلا أنها تستمر في العطاء مما يرسخ لدى الابناء أن هذا هو الدور المثالي التى تقوم به الأم بسعادة ورضا، و في قصة "قطار " يظهر الصراع الداخلي لفتاة وكيف ينعكس تلقائيا على ردود فعلها ومشيتها ونظرتها للأمور فهي الطفلة التي تخذلها أمها وتهدر حقها وتجبرها على الصمت بدلا من أن تساندها وتقتص لها فتقرر الحفاظ على زوج اغتصب ابنتها وتتناسى عملته لسنوات عشرتها معه، وفي "خاتم" تظهر لعنة زوجة احتمل زوجها مرضها وعلى مضض لم يستجب للآخرين الذين حاولوا اقناعه بالزواج من أخرى مراعاة لمشاعر زوجته التي ما أن تموت حتى يتزوج  بأخرى ولا ينفذ وصيتها بزراعة ريحانة على قبرها فبقيت لعنتها تطارده، هو ذاته المجتمع الذي يوصي المرأة بزوجها اذا مرض، يوصي الرجل بالزواج من أخرى اذا حدث العكس!، فذلك الرباط المقدس لا يدفع ثمنه سوى المرأة.

وفي تلصص على أنقاض يظهر الضعف الانساني والصراع النفسي المتواري خلف صفحات الفيس بوك بصوره المختاره وجمله المبتورة وعوالمه السريه

عزة رشاد تبرع في اقتناص لقطات صغيرة ذكية ومعبرة، تسرد الاثر وتترك لنا مهمة اكتشاف الحدث

تختتم مجموعتها بقصة الشارع وهي وغيرها من القصص  تحمل في طياتها  وجع خفي يؤرق ابطالها دائما،ربما ننجو من الموت،من الخطر الذي نواجهه جميعا و نتناسى أو ننشغل،و اذا مر طيفهم أخرصنا العجز عن ذكرهم فنعيش وكأن دم لم يهدر وكأن أمهات لا ينفطر قلوبهن، وكأن اطفال لم تلوث مرارة الفقد حلاوة طفولتهم ،وكأن زوجات لم يترملن، ومابين محاولات النسيان والمواجهة نظن اننا خارج دوائر ألمهم بعيدا عن ماآلت اليه حياتهم لكننا في الواقع جميعا  من سكان نفس الشارع وعرضة لنفس الخطر طوال  الوقت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 قاصّة وكاتبة مصرية

 

 

 

إقرأ المزيد...

الفيل النونو

  أمل رضوان

"الفيل النونو

والفيلة.. برضه النونو

عاشوا في الغابة في تبات ونبات"

-: "بس يا ماما بطلّي قلش"..

 وتبدأ المعركة..

 

كل ليلة.. قبل النوم.. أبدأ حدوتة جديدة لا تعجب "علي".. أعصر ذهني كي أتذكر "حواديت زمان" بعد يوم طويل من العمل في مكانين والذهاب للكلية والتحضير للماجستير.. أجلس بجواره على سريره الصغير.. في حجرته الصغيرة، وأحاول أن أتذكر تلك القصص السحرية التي طالما جعلتني أبتسم في منامي وأنا أحلم "بالأميرة أم الضفاير" و"البئر المسحور" و"القلعة ذات الأسوار".. أو أسكب الدموع الغزيرة على "الأميرة النائمة" و"الأمير الحزين"، أو الحكايات الأخرى التي تجعلني أرتعد من الخوف، وأدفن رأسي في الوسادة، وأجذب الغطاء حتى لا يراني "الغول" أو "التنين ذو الرءوس الخمسة" أو تمسني ألسنة النيران المندفعة من فمه.. كل هذه المعاناة ولا يعجبه شيء.. يبدأ في الاعتراض والامتعاض ثم الاستهزاء و"التريقة" ويتعجَّب من ذوقي!.. يُحدِّثني عن "مركبات الفضاء" و"المحارب الآلي" و"الرجال ذوي السترات السوداء" و"ملفات إكس".. وأتعجب من ذوقه.

 حاولتُ كثيرًا مشاهدة قناة "سبيس تون" حتى اتثقف ثقافةً فضائيةً تليق به ولم أفلح.. ظلت "الحدوتة" بالنسبة لي قمرًا فضيًّا وبساطًا سحريًّا وأميرًا يُحلق بي فوق صهوة حصان في كل البلاد.

 نهضتُ مرةً ثانية من مقعدي في قاعة الانتظار في المطار.. دققتُ في الشاشة الزرقاء الصغيرة.. لايزال رمادُ البركان الذي اندلع في أيسلندا يعطل جميع الرحلات لليوم الثالث على التوالي.. أنا هنا حبيسة في مطار "هيثرو" اللعين أحاول العودة بعد أن تركتُ العمل قبل أن ينتهي.. و"علي" هناك.. مُسجّى على سرير في مستشفى بارد في العجوزة إثر تعرضه لحادث وصفه والده بأنه "بسيط"، وبكتْ أمي وصمتت عندما أردتُ منها أن تقسم إن الحادث فعلاً "بسيط".

 

أيُّ أمٍّ تترك ابنها وتذهب للعمل في كل دول العالم (من دون فارس أو حصان).. لم أكن بجواره عندما دخل المدرسة أول يوم.. لم أكن في البيت عندما خطا خطواته الأولى.. وعندما أصيب بالحصبة وتركتْ نقاطًا حمراء على وجهه رسم وجهًا على ورقة بيضاء، ووضع نقاطًا بالقلم الفلوماستر الأحمر حتى يُريني كيف كان وجهه وهو مريض.. أخذتُ الورقة وصنعتُ لها بروازًا ذهبيًّا وعلقتها في غرفتي.. لم أحتفل معه بكل أعياد ميلاده.. أحيانًا أسافر يوم وقفة العيد أو شم النسيم.. يقبلني قبل أن أغادر ويؤكد لي أنه سيُحسن التصرف عند جدته ولن يشرب البيبسي أو الكولا كما طلبتُ منه.. لم أودِّعه وهو ذاهب للجامعة لأول مرة الشهر الماضي.. ولم أكن موجودة حين أصيب في حادث منذ ثلاثة أيام وهو يقود سيارته الجديدة التي اشتريتُها له.. والأسوأ من ذلك لم أكن أجيد حكي الحواديت التي يحبها.

أخيرًا رُفع الحظر الجوي ووصلتُ مطار القاهرة.. رميتُ نفسي في أول سيارة أُجْرة وانطلقت إلى العجوزة..

كان المستشفي قابضًا صامتًا بالليل.. الرواق طويل لا نهاية له.. الممرضات نائمات وبعض المرضى يتأوَّهون، أدَرْتُ مقبض باب الغرفة ودخلت.. لم أشأ أن أُضِيءَ المصباح حتى لا أوقظه.. على ضوء النيون الخافت المنبعث من شاشة المونيتور المتصلة بصدره شاهدتُ "علي".. كان وحيدًا في غرفته الواسعة الباردة.. بجوار السرير يتدلى كيسان متصلان بأنابيب رفيعة تنفذ من جسده.. أحدهما ممتلئ إلى نصفه بالبول المختلط بالدم والآخر به بعض سنتيمترات من الدم فقط.. ذراعه اليمنى موصلة بمحاليل معلقة على عارضة حديدية، وعلى يده اليسرى "كانيولا" مثبتة بلاصق طبي.. كانت قدمه اليسرى موضوعة في الجبس ومشدودة إلى أعلى بينما يوجد أنبوب ذو فرعين في فتحتي الأنف.

وضعتُ كفي بهدوء على جبينه وملت عليه كي أقبِّله.. شعر "علي" بأنفاسي وأنا أقترب منه. فتح عينيه الجميلتين الواسعتين فرآني أمامه.. ابتسم بوهن شديد وقال لي بصوت خفيض:

-ماما سبتي شغلك وجيتي ليه

"........."

-: "أنا كويس.. ما تعيطيش"

"......."

-: "طب احكيلي حدوتة"

"........"

"إن شا الله حتى حدوتة الفيل النونو"

"بس انت ما بتحبهاش"

"أقول لك على سرّ.. أنا كنت بحبّها قوي.. بس كنت بحب أضايقك.... احكي يا ماما"

احتضنتُه بقوة آلمَتْهُ.. صفَّقتُ بيدي.. مسحتُ دموعي وبدأتُ أحكي:

"الفيل النونو

والفيلة برضه النونو

عاشوا في... ... ..."

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قاصّة مصرية ـ والقصة من مجموعة "شوكولاته سودا" صادرة مؤخرًا عن دار العين المصرية 

إقرأ المزيد...

أكاديميتا الأوسكار ونوبل: إنقاذ الموسيقى من تهديد داعش

محمد رابحي*

 

حصد فيلم "لا لا لاند" ست جوائز اوسكار في الدورة 89. وهذا ما سيميزه ويعلي من شأنه على الرغم من تفويته جائزة أفضل فيلم. وعلى الرغم من أن هذا النجاح لم يقنع الكثيرين إلا أنهم في المقابل لم يستهجنوه: فالفيلم كوميديا موسيقية مفتقَدة، وعمل نوستالجي وجمالي بدرجة خالصة.. من يقول عن الموسيقى لا؟.. 

إقرأ المزيد...