wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 12 مارس 2017 17:59

ربما

كتبه

صباح الخير

سأبدأ اليوم في تدوين حكايتي مع الكتاب العجيب، طالما أمرتني جدتي ألا أحكيها لأحد، وأنا لا أستطيع تحمل السر بداخلي أكثر من ذلك، الأسرار ثقيلة؛ نحتاج أن نتشاركها مع أحد، أنا سأتشارك سري مع دفتري الخاص، ربما يخفف هذا من ثقل السر بداخلي..

بدأت الحكاية في مساء أحد أيام الصيف الماضي، في منزل جدتي الكبير، المليء بالغرف والأسرار، أحب هذا المنزل الذي يقع في منطقة الجمالية، أراه كمتحف صغير يحمل أسرارًا من الماضي، أواني نحاسية من عصور قديمة، مشربيات خشبية ربما سكنت من قبل في شبابيك قصور الأمراء والملوك، سجاجيد وأكلمة مزخرفة بزخارف تبدو كطلاسم سرية، جدران قديمة متشققة ومتآكلة، ترسم تشققاتها لوحات سرية على حوائط المنزل القديم.

في أحد المساءات الشتوية الباردة كانت جدتي نائمة وأنا أشعر بالملل، فكرت أن أنزل إلى الغرفة الصغيرة التي تقع في ركن قصي من مدخل البيت الكبير، غرفة صغيرة الحجم لكنها مكدسة بكراكيب وصناديق لا يعرف أحد ما بداخلها ولا تسمح جدتي لأحد بالدخول، فقط تدخلها هي من وقت لآخر وتخرج منها بعد فترة من الوقت، ويبدو على ملامحها حزن أصيل، وتلمع عيونها بالدموع ، كنت أظن أن الحزن والدموع لأنها تتذكر الماضي أو تستعيد ذكرياتها مع جدي رحمه الله، لكن يبدو أنني كنت مخطئة. .

ترددت قبل أن أدخل إلى الغرفة؛ حذرتني جدتي مرارا، لكنها الآن نائمة ولن تشعر بي، الملل لا يفارقني، وقفت أمام باب الغرفة وأنا افكر في طريقة لأفتح بها الباب المغلق، لكن الأمر العجيب حقا، أنني بمجرد أن ضغطتعلى الأكرة النحاسية القديمة انفتح الباب المغلق دون أي مجهود. تعجبت لأمر جدتي؛ كيف تمنع الكل من الدخول إلى هذه الغرفة وفي الوقت نفسه تتركها هكذا، دون أن توصدها، تجاوزت الأمر بسرعة لأنني كنت متلهفة إلى الدخول، أضأت اللمبة الصفراء الوحيدة، لكن نورها ليس قويا كفاية لأتبين تفاصيل الأشياء، رائحة بخور الصندل المعتق تثقل الهواء وتجعلني أتنفس بصعوبة، بمضي الوقت اعتادت عيني الاضاءة الخافتة واعتدت على التنفس في هذا الجو الخانق.

رأيت أشياء قديمة لا تخطر على بال أحد، ملابس جدي رحمه الله التي تصر جدتي على الاحتفاظ بها، صورًا قديمة جدا للعائلة، كتبًا قديمة أوراقها صفراء، وأغلفتها مهترئة، دمى قطنية قديمة، صناديق صغيرة مليئة بحلي وخرزات ملونة، أواني وأباريق عليها نقوش متنوعة، مرآة قديمة بإطار مذهب يتكدس التراب بداخله.

 في حقيقة الأمر كنت مثل طفلة صغيرة تركوها في متجر للألعاب، كنت أرغب في تفحص كل شيء حولي، الصناديق والشماعة الخشبية الواقفة في ركن الغرفة مثل شبح، المرآة المذهبة، كراتين الكتب القديمة المكدسة أكثر ما أثار فضولي، أنا أحب القراءة وأثق أن الكتب دائما ما تحمل لنا الأسرار، وتنقلنا إلى عوالم مختلفة من الدهشة والمعرفة.

لم أستطع أن أمنع نفسي من الاقتراب من المرآه المذهبة، كأن هناك يد خفية تجذبني إليها،لأتساءل كم من الأشخاص وقف أمامها ونظر إلى وجهه أو عدل ملابسه، تبدو كأنها محملة بتاريخ سري لكل من توقف أمامها،  اقتربت منها وألقيت نظرة سريعة فلمحت وجه امرأة ترتدي حلى نحاسية قديمة، وتبكي بدموع منهمرة،  ظننت أنني تخيلت الصورة، فألقيت نظرة خائفة أخرى، ولكن ببطء فلمحت وجه رجل يرتدي طربوشًا ويعدل شاربه ويبتسم، تحسست وجهي، وأنا أرتجف من الخوف، كنت أرغب في الهرب، لكنني دون أن أشعر وجدت الكرسي الخشبي المتهالك الذي كان في ركن الغرفة،  وجدته بالقرب مني، أمسكت رأسي بيدي وهززتها بقوة، وتساءلت هل كان الكرسي هنا طوال الوقت، يبدو أن هذه الغرفة تفقدني إرادتي وتصيبني بالخبل، أرغب في الهروب ولكن كلما لمست شيئا تتداعى صور قديمة إلى ذهني، أرى الآن الكرسي الخشبي في أماكن مختلفة، صورته في مقهى قديم، صورته وهو ملقى في شارع ضيق، صورته وهو محمول فيعربة خشبية صغيرة يجرها رجل ضئيل، صورته بعد أن تم إصلاحه في ورشة صغيرة لنجار عجوز، يجلس عليه ويرتشف الشاي من كوب زجاجي.

جذبت جسدي بصعوبة من فوق الكرسي، لأجلس على الأرض بجوار الشماعة الخشبية القديمة، ارتطمت يدي بها بالصدفة، فانهمرت داخل رأسي صورٌ متتالية للشماعة الخشبية، متواجدة في قصور ومنازل فقيرة وشوارع مظلمة، وفي كل صورة تتداعى، كانت الشماعة تحمل ملابس مختلفة لعصور مختلفة  وأزمان متعاقبة، ملابس سوداء، وملابس ملونة، ملابس طفولية، وملابس لرجال ونساء، حيوات متعددة معلقة على الشماعة الخشبية، أستطيع متابعتها عبر متابعة صور الملابس المعلقة على الشماعة.

 استندت على الجدار وأنا أحاول ألا ألمس أي شيء حتى لا أرى أشياء مخيفة من جديد، كنت منجذبة بشدة إلى كراتين الكتب، ولم أستطع أن أمنع نفسي من التقليب فيهم وقراءة أغلفتهم وفهارسهم، كنت أجاهد لأستطيع التعرف على كنه الكتاب، في وسط الصور المنهمرة في ذهني للكتب وقرائها القدامى، وجدت كتب في التاريخ وكتب في اللغة العربية وكتب في علم الفلك والتنجيم، تلك المجموعة من الكتب هي التي لفتت انتباهي أكثر من أي شيء، جلست على الأرض في وسط كم كبير من الأتربة ولم أهتم سوى بتقليب صفحات الكتب، حتى وجدت كتاب قديم بغلاف مقوى، الكتاب كان ملفوفا بحبل قوي جدا وفي نهاية الحبل عقدة مدموغة بشمع أحمر منصهر.

حملت الكتاب بين يدي، لكن العجيب في الأمر أن الصور المتداعية بداخل رأسي توقفت حالما أمسكت هذا الكتاب بيدي، وكأن هذا الكتاب لا تاريخ له، ولم يحمله أحد  من قبلي .

كلمة واحدة فقط كانت مكتوبة بخط كبير على غلاف الكتاب، هي كلمة (ربما)، ذهبت لأجلس بجوار الحائط لأستند عليه، تبدو العقدة قوية وفكها سيأخذ الكثير من الوقت، لكنني كنت متلهفة لأقرأ مابداخله، في اللحظة التي استقر ظهري فيها على الجدار القديم وبدأت أصابعي تعبث بالحبل، وجدت جدتي أمامي تسحب الكتاب من يدي، وتقول لي بصيغة آمرة "توقفي يافيروز.

انتبهت في تلك اللحظة أنني خالفت أوامر جدتي، وعبثت في أسرارها، لكن فضولي لمعرفة ما بداخل الكتاب كان أقوى من شعوري بالذنب لمخالفة أمر جدتي. قلت لها: يا جدتي أعتذر عن اقتحامي لغرفة أسرارك،  أعرف إنني مخطئة لاقتحامها.

لماذا يا جدتي الحبيبة كلما لمست شيئا أرى صورا غريبة تتداعى في ذهني، ماعدا هذا الكتاب، سألتها بلهفة وفضول: ما الذي يوجد بداخل الكتاب العجيب، وماذا عن هذه الصور والمشاهد التي تتدفق بداخل رأسي كلما لمست شيئا في الغرفة؟

ابتسمت جدتي ابتسامة حزينة وقالت لي: (لا تعتذري يا فيروز) هذه الغرفة تنادي من يدخلها وهي التي تسمح له بالدخول، هي التي تغلق نفسها أو تفتح بابها، أنا لا أستطيع أن أغلقها إن أرادت أن تنفتح، وهي أرادت منك أن تدخليها.

لم أفهم ما الذي تعنيه جدتي من قولها هذا وكيف لغرفة أن تتحكم بمن يدخلها، لم أهتم كثيرا؛ جدتي دائما ما تقول أشياء غريبة تفهمها هي فقط، لم أكن أفكر سوى في الكتاب الكبير الذي سحبته جدتي من يدي، أرغب بشدة في استعادته، وقراءة ما بداخله .

قلت لجدتي: أنا سأخرج الآن من الغرفة وأعدك أنني لن أدخلها مجددا، لكن فقط اسمحي لي بقراءة هذا الكتاب الأصفر الكبير واشرحي لي سبب تدفق الصور في عقلي .

جلست جدتي بجواري وقالت لي وعلى وجهها علامات حزن وكدر: اسمعيني جيدا يا فيروزتي الصغيرة، هذا الكتاب هنا في هذه الغرفة منذ زمن بعيد، يتغير سكان المنزل، وتتوالى الأحداث ويظل الكتاب في مكانه، ينادي على قارئه، أنا لا أستطيع أن أسمح لك بقراءته أو أمنعك عنه، الكتاب يذهب ليد قارئه، لكنني فقط أستطيع أن أنصحك بعدم قراءته.

أما الصور التي تتداعى إلى ذهنك كلما لمست شيئا في الغرفة، فهذا من تأثير الكتاب، لقد فُتِحَ هذا الكتاب مرةً من قبل، ومنذ أن اختلط غباره بغبار الأشياء المتناثرة بالغرفة أصبح تاريخها ينكشف لكل من يلمسها، ليعرف أين كانت في كل أوقاتها السابقة.

سألت جدتي وماذا عن المرآة التي تظهر صورا غير صورتي وانا أنظر إليها؟

أجابتني جدتي قائلة: إنها صور كل من نظر إلى المرآة، سواء كان رجلا أم امرأة، في كل مرة ستنظرين فيها للمرآة ستفاجئك صورة جديدة لشخص وقف أمام المرآة في وقت ما.

امتلأت أكثر بالرعب والفضول، اشتعلت الرغبة في قراءة الكتاب أكثر مع نصيحة جدتي، وتساءلت بيني وبين نفسي ماهذا الكتاب الذي يمنح نفسه لقارئه، دائما ما نختار نحن الكتب، وسألت جدتي، كيف لكتاب ان يختار قارئه يا جدتي الحبيبة؟

نظرت جدتي إلى عيني مباشرة وقالت لي، يافيروز هذا كتاب الحياة، ما أن تفتحيه حتى تقرأي حياتك بداخله، كل ما سوف يحدث لك في حياتك ستجدينه مدونًا، بداخل الكتاب ومع كل صفحة تطوينها، تعرفين تفاصيل حياتك المقبلة، كل لحظاتك السعيدة والحزينة، كل أفراحك وآلامك، ستقرأين حياتك أمامك كقصة على صفحات الكتاب.

فكرت قليلا وسألت جدتي "وماذا عن كلمة ربما المحفورة على غلاف الكتاب، ما المقصود بها؟"

طلبت مني جدتي أن أسنمع لكلامها جيدا، وبدأت في الشرح قائلة لي:

يافيروزتي الصغيرة إن كلمة ربما هي سر هذا الكتاب، وهي تسبق كل جملة كتبت في هذا الكتاب، سأحكي لك حكايةصغيرة، ربما تساعدك على الفهم.

قديما عندما فتحت هذا الكتاب، قرأت جملة صغيرة في قدري وهي: ( ربما تقابلين صديقة شريرة، تضمر لكي الشر) منذ قرأت تلك الجملة وأنا أشك في كل صديقاتي، وأنتظر الأفعال الشريرة من كل واحدة منهن، حتى ابتعدت عني كل صديقاتي، وأصبحت وحيدة بلا صديقات، لو كنت فكرت جيدا في كلمة (ربما) في وقتها، لكن أدركت أنه مجرد احتمال، أفعالي هي التي تؤكده أو تنفيه. هل أدركت مقصدي؟

لم أستطع أن أستوعب ما قالته جدتي، سكتت قليلا وأنا أفكر والفضول يشتعل بداخلي أكثر وأكثر، ثم قلت لجدتي بلهفة،  لا لم أفهم ما تقصدين جيدا، لكنني أحب أن أعرف ما الذي سيحدث لي، إنه أمر جد ممتع ياجدتي الحبيبة، أعطِني الكتاب أرجوك.

سكتت جدتي قليلا وكأنها لم تكن تتوقع ردة فعلي، وقالت لي:

تظنين أنه أمرٌ جيدٌ لكنه في الحقيقة أمرٌ مرعبٌ ومخيفٌ، ستفقدين أسباب وجودك في الحياة، ستفقدين لذة الاكتشاف ومتعة المفاجأة، ستعرفين كل الأمور الجيدة قبل أن تحدث ولن تشعري بفرحتها، وستعرفين كل الأمور السيئة التي ستحدث، وستجلسين دائما في انتظارها، ستصبح حياتك مثل فيلم قديم ومكرر شاهدتِه مرات متعددة، حتى صار مملا، لكنك في هذه الحالة لن تستطيعي إغلاق التلفاز أو تحويله لقناة اخرى، ولن تستطيعي تغير أحداث الفيلم، كما لم أستطع أنا أن أفعل، منذ قرأت الكتاب وأنا يسكنني الحزن، ولا تكف عيني عن البكاء حتى في أعمق لحظات السعادة يا فيروزتي الصغيرة..

لم أستطع أن افهم أن كلمة ربما هي الكلمة الأهم في حياتنا، وحولت الاحتمالات السيئة، إلى أفكارا يقينية تحزنني، وجلست أنتظر لحظات السعادة دون أن أفعل شيئا، يجعلني أستحقها، فتحولت الاحتمالات بالحزن إلى يقينبه، وتحولت احتمالات السعادة أيضا إلى ساعات من الانتظار دون جدوى.

حاولت أن أستجمع ما قالته جدتي، وسألتها: هل قرأت الكتاب ياجدتي؟

أومأت برأسها بالإيجاب وقالت بتمتمة خفيفة وليتني لم أفعل.

قلت لها كيف قرأتِه ووجدتي حياتك بداخله، وفي نفس الوقت تقولين لي إنني سأجد تفاصيل حياتي القادمة به، أي حياة مدونة بهذا الكتاب يا جدتي، حياتك أنت، أم حياتي أنا؟

قالت جدتي بصوت حزين، صفحات الكتب بيضاء يافيروزتي الصغيرة، وما أن يفتحه الشخص حتى تبدأ حياته في الظهور أمامه، ولا يستطيع الشخص التوقف إلا بعد قراءة الكتاب كاملا، لا مفر من ذلك، مهما كانت المحاولات، إنه كتاب يجمع كل الحيوات بداخله ياحبيبتي..

قلت لجدتي يمكنني أن أقرأ فقط حتى تلك اللحظة التي نحن فيها، ثم أغلق الكتاب ببساطة..

هزت جدتي رأسها نفيا وقالت لي: لا ياحبيبتي الكتاب يبدأ في تدوين حياتك من اللحظة التي تفتحيه فيها، أما ما سبق من الحياة فأنت تعرفينه بالفعل، لن يضيرك قراءة ماتعرفينه وعايشتِه فعلا

كنت أفكر في أفكار تساعدني على إقناع جدتي، بأن تترك لي الكتاب، فقلت لها: يمكنني أن أقرأ حياتي بداخل الكتاب، ثم أحاول تغيير الأشياء السيئة، مثلا أعرف درجاتي في مادة العلوم وأحاول تحسينها، أعرف أنني سأمرض بمرض معين فأحاول أخذ حذري بالأمصال اللازمة، أعرف إنني سأقابل شخصًا سيئًا فأحاول تجنب معرفته، ربما ياجدتي الحبيبة تكون هناك فائدة من المعرفة.

قالت لي جدتي بصوت مبحوح من الحزن:

ولماذا تفقدي نفسك متعة المفاجأة، وجمال الحياة وتحولي حياتك الجميلة، إلى جحيم من الانتظار، لأحداث وأشخاص قرأتي عنهم في الكتاب، سينشغل ذهنك بكلمة ربما التي ستظل تؤرجحك بين حدوث الشيء أو عدم حدوثه، سينشغل عقلك بالانتظار أكثر من انشغاله بالحياة وعيشها، الأمر مخيف يا صغيرتي ولن تستطيعي احتماله، لقد مررت بنفس التجربة، وها أنا مازلت أنتظر ما قرأته يحدث ولاتفارقني الهواجس والاحتمالات، لقد خرب لي هذا الكتاب حياتي ومع ذلك مازلت أحاول ياحبيبتي.

كان هناك سؤال يلح على عقلي بشدة، فسألته لجدتي: جدتي الحبيبة، لماذا لم تتخلصي من هذا الكتاب المشئوم، كما سميته حتى لا يقرأه أحد، ويخرب له حياته كما تقولين؟

ردت علي جدتي بنبرة حزينة: هل تظنين أنني لم أفكر في الأمر، بالطبع فكرت في هذا وحاولت مرارا أن أتخلص منه، بكل الطرق لكن في كل مرة كنت أعود لهذه الغرفة لأجده في مكانه مجددا، كأنه ينظر إلي ويتحداني قائلا، سأظل هنا إلى الأبد.

أتذكر حين وقفت على الكوبري الكبيرورميته في النهر، وحين أشعلتُ نارا صغيرةً في ساحة المنزل وقذفته بداخلها، وحين مزقت صفحاته مزقا صغيرة وقذفتها في الهواء. وفي كل مرة أجده من جديد، متربصا بي،  لا مفر يافيروزتي الصغيرة لا مفر.

سكتت قليلا واختلطت الأفكار في رأسي، ثم سألت جدتي: هل أخبرك الكتاب أنني سأقرأه؟

قالت لي جدتي، حياتي التي قرأتها أوشكت على الانتهاء بكل تعاستها، ولكنني أذكر جملة أخيرة في الكتاب، هي التي مازلت تعطيني قليلًا من الأمل..

سألت جدتي بلهفة، ماهي هذه الجملة ياجدتي الحبيبة؟

قالت لي جدتي : كان مكتوب في صفحة الكتاب الأخيرة أن حفيدتي (ربما) تقرأ الكتاب، أرجوكِ يافيروزتي الصغيرة لاتحولي الأمل في حياتك إلى يقين بالتعاسة، لا تحولي القدر السيء المحتمل إلى أحداث مؤكدة الحدوث، إننا نستطيع أن نقرر اختياراتنا في الحياة،  نستطيع أن نعيشها كما نرغب، نجرب أشياء جديدة، نقابل أناسا جدد، نختار أعمالنا ودراستنا، نختار النجاح، أو نختار الفشل، عندما نعرف ما نحن مقبلون عليه، نفقد لذة الحياة، ونحول كل الاحتمالات اللانهائية ليقين ثابت ووحيد، نعتقد أن حياتنا ضيقة قصيرة، مثل فستان نراه في فاترينة  أحد المحلات،  ونعتقد أنه لن يناسبنا دون قياس أو تجربة، ربما لو جربنا الفستان وجدناه مناسبا، او اكتشفنا حلولا بديلة تجعله أكثر ملائمة لنا، هكذا هي الحياة يا فيروزتي الصغيرة، لا تكف عن إبهارنا، ولا نتوقف نحن عن محاولات السعادة فيها.

هيا بنا لنخرج من هذه الغرفة ونترك هذا الكتاب، لنتشبث معا في حروف كلمة ربما التي كانت مدونة في صفحات الكتاب.

نمت في هذه الليلة بجوار جدتي تحتضن كلا منا الأخرى، وأنا أفكر هل سأستطيع فعلا مقاومة رغبتي وفضولي في القراءة، أم سيناديني الكتاب مجددا، لأدخل إلى الغرفة مرة أخرى وأفك الحبل القديم، وأقرأ حياتي القادمة كلها، ربما سأفعل، وربما لا

تشبثت بقوة في حضن جدتي ونمت وأنا أفكر في حياتي القادمة وأكرر كلمة ربما..

 

 

سارة عابدين

شاعرة مصرية

صدر لها:

على حافتين معاً ـ دار الدار ـ 2013

أبتلع الوقت ـ  دار روافد ـ 2016

 وبيننا حديقة ، مع مروة أبو ضيف ـ روافد ـ 2017 

المزيد في هذه الفئة : « سمكة في زيارة إلى الطبيب