wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

موقع الكتابة

موقع الكتابة

فصل من رواية إبصـار .. لـ سارة شحاتة

سارة شحاتة

يسألني (عمرو) عن ماهية اللون الأزرق..أتوقف عن متابعة القراءة مع المجموعة .. أتحسس الثقوب والبروز بكتابي المطبوع بطريقة برايل وتأخذني لحظة صمت حتى يسألني مجدداً

-" انت كنت بتشوف قبل كده؟"

أهز رأسي إيجاباً لحظة شك مرت بي جعلتني أعيد تأمل الماضي ..كأنه حلم سريع ملون استيقظت منه قبل انتهائه.. أجبته بروتينية

-"أزرق لون السما .. لون البحر"

أطلق ضحكة عصبية مستنكرة فاستدركت خطأي .. فقد ولد كفيفاً لم ير لمحة واحدة مما اتحدث عنه لا يعرف ماهية السماء ولا الشمس ولا شكل الشجر.. أصابتني اسئلته بالارتباك فكيف أشرح له لون أو مشهد الغروب.. كيف أشرح له كلمة أمواج البحر دون أن يراها..

انتهى درس القراءة الاسبوعي.. ظللت جالساً معه عاجزاً عن إشباع حيرته التي اصابتني أنا قبله.. أخبره أنه يستطيع يدرك ما لا يراه بما لا يحسه سواه.. فعندما يستيقظ مبكراً فلحظات ما قبل شروق الشمس والهواء البارد المنعش يلفح وجهه .. يستنشقه بقوة لميلأ رئتيه.. عندها سيشعر بمعني اللون الأزرق.. ضحكته التي حملتها أنفاسه شجعتني على الاستمرار.

. تذكر ملمس يد والده وهو يعلمه أن يمد يده ليتعرف على العالم بأنامله فهذه هي الشمس بدفئها الشتوي المحبب وعطائها اللامحدود.. لحظات صمت طويلة تمر بناننصت فيها لأصوات أنفاسنا تتابع بهدوء.. أخيراً جاء سؤاله عن اللون الأحمر .. أجيبه أنه اللون الذي يحسه عندما يكون مع خطيبته فيضحك طويلاً.. سأل عن كل الألوان حتى أتى دور اللون الأسود..

-" هو. مش كده؟"

أجبته بتربيتة على كتفه.. فهو اللون الوحيد الذي يغلف حياته كل لحظة .. لم استطع التخلص من آثار حديثي مع (عمرو) .. كنت أظنني أتعس الكائنات حيث كان أمر الحرمان من الإبصار بعد معرفة ماهيته وجمال الكون به..هو أفظع شيء بالوجود بالنسبة لي.. وعند سماع كل العبارات المواسية أنني أفضل ممن ولدوا عمياناً كنت أثور لحماقتهم فهؤلاء لم يعرفوا جمال هذه النعمة ولا معنى أن تفقد عالمك كله بأضوائه و ألوانه وملامحه لتقبع في الظلام الدامس منتظراً في كل لحظة أن يشعل أحدهم شمعة ما أو يفتح لك الباب ليعلن لك أسفه عن الخطأ والعطل غير المقصود ..

 تخيل حياتك بعد انقطاع التيار الكهربائي وقد توقفت عند لحظات انتظار عودته لتنتظم حياتك من جديد.. لكنك تعرف أنه لن يعودتستمر حياتك في مرحلة الانتظار هذه التي تطول للأبد.. كطفل نسيه والداه يهتف باسمهما في الظلام فلا يأتيه صوت صدى صوته.

فمن ولد كفيفاً لم يعرف سوى الظلام ولا يحيا في أمل انتظار بصيص من النور.. لا يفتقد ملامح أسرته ولا مشهد الغروب ولا أوراق الشجر وهي تتساقط بفعل النسيم.. فيكف يتعذب من لا يعرف ما فقده من الأساس؟

اليوم دق ( عمرو) مسماراً غليظاً في حائط اعتقادي هذا.. فهو لا يعرف عن هذا العالم سوى ما يأتي لسمعه وما يشمه بأنفه .. وما يتخيله من تحسسه للوجود حوله.. اما الباقي فهو يعتمد على الآخرين لرؤيته .. يحتاج لنظر من حوله لتصل له المعلومة..

 القبح والجمال تم تحديده له مسبقاً في قوالب .. هم من يصفون له من هو جميل ومن هو قبيح وفقاً لمقاييسهم.. ما عليه سوى الرضوخ لذلك دون حتى ترف الخيال. أوجعني رده عن سؤالي عن خطيبته التي هي ابنة عمه .. أحبا بعضهما منذ الصغر ولما سألته عنها أجاب

-"بيقولوا أنها حلوة"

لا أجد إجابات لكثير من اسئلته.. معني بشرة خمرية..ما الفارق بين شكل الأرنب والقط والكلب.. مسماراً جديداً يدق بحائطي ..فلدي مخزون عن العالم استدعيه  عندما تأتي سيرة شيء ما أو وصف ما. أما هو فيتساوى عنده كل شيء.. الليل بالنهار.. رغم أننا نحيا في الظلام معاً.. لكن يكفيني أن أعرف أنها منتصف الليل  حتى تستعيد ذاكرتي مشهد اللأضواء الشاحبة بالطرقات وآخر المارة يحث في سيره.. والمحلات قد أغلقت أبوابها.

فقط أخبره أنه أكثر مني حظاً في التخيل.. فهو لديه حرية في تخيل كل شيء .. ليرى الحصان يقف على قدميه الخلفيتين لو أراد أو يرى أوراق الشجر كأيدي ممدودة ..فيجيب باستنكار ما الفائدة عندما اتخيل ما هو بعيداً تماماً عن الواقع وما لاوجود له..

 أغوص في كلمته أكثر حتى يتحول حائطي لمجموعة معقدة متشابكة من المسامير.. فهو لا سبيل أمامه إذن إلا أن يقبل حقيقة أن السماء زرقاء والأشجار خضراء وعليه أن يردد ذلك  دون أن يقدر على معرفة لا شكل الشجر ولا السماء.. فقط عليه مجاراة الآخرين..أشعر بعجزه حين يطلب وصف شيء لا يرى بوصفي له أنه يشبه شيئاً آخر لا يراه.. يصمت متقبلاً حقيقة أنه لن يحصل على أكثر من ذلك .. فكأنما لا ينتمي لذلك العالم ومن ثم عليه ألا يطمح للمزيد..فليكن كالضيف خفيفاً في اسئلته ولا يخيل له أنه صاحب بيت

***

 

يعلو صوته حتى يكاد يخترق طبلة أذني ؛لازال مصراً على الصراخ عند الحديث في الهاتف وكأنه يطلب من عامل السنترال "ترانك".. مراراً اوضح له أنه ليس عليه الصراخ كما السابق لكن دون جدوى.. ينهي المكالمة أخيراً ويعود لمدحه الطبيب المعجزة الذي ننتظر بعيادته الفخمة.. زحام شديد ورائحة بخور زيتية ثقيلة .. وكشف باهظ الثمن لدرجة مبالغ فيها.. يردد أنه رجل شديد التدين لا يوظف سوى فتيات محجبات .. يبرر لي المبلغ الفادح الذي جعل الحافظة خاوية على عروشها لشدة الاقبال على عيادته وضيق وقته فهو ينتقل بين عيادتيه .. الزحام الشديد يشي بانتشار تلك النظرية لدى ريحة كبيرة من المجتمع وليس لدى صديقي.. فلابد أن الرجل مقنع بالفعل وله قدرة شفائية ناجزة

-"وعليكم السلام ورحمة الله.. لحظات وأكون معاكو"

يرد بها علينا فور دخولنا لمكتبه.. يهمس الصديق أن الحائط مرصع بالشهادات العلمية من جامعات أجنبية.. يتملكني الفضول فأطلب منه أي يخبرني بأسمائها.. شهادة ماجيستير من جامعة تايلاند.. شهادة تقدير من جامعة رومانيا.. وصور كثيرة له يصافح شخصيات شهيرة.. أسأله عن درجته العلمية المصرية فلا يجدها معلقة ثم يرد هازئاً

-" حيسيب شهدات بره ويعلق بتاعتنا"

أهم بسؤال جديد فيبتلعه عند عودة الطبيب.. يسألني عن شكواي وتاريخي المرضي.. ويرد بهمهمات وصوت خرفشة قلم..يقوم بالحديث لجهاز تسجيل و يرطن بمصطلحات لاتينية  يتخللها بعض المصطلحات الانجليزية..

Abdominal cramps

اسمعها وسط حديثه فأصاب بالدهشة وأعيد وصف حالتي موضحاً أنني لا أعاني مغصاً.. يطقطق بلسانه وتصير نبرته أكثر عدائية . يكتب لنا روشتة ويطلب مني بعض الفحوصات ويرشح لي أحد المعامل بعينه لإجراء الفحوصات بها.. أسأله عن التشخيص فيجيب في عجالة وصوته يأتي من اتجاه مختلف أنها حالة صداع نصفي مزمن migraine يقولها بتأن فيصيبني بالغيظ الشديد .. فإنه يخبرني بما أخبرته به مسبقاً فما الجديد الذي اضافه.. يحدد لي جلسات حقن وأشعة موضحاً أن مفعولها أثبت نجاحاً كبيراً في تايلاند.. أسأله عن تأثيرها على وظائف الكلى حيث لا تحتمل كلتي المسكنات القوية فيردد أنها منتجات طبيعية وقد داوي بها إحدى مريضات الروماتيزم وصارت اليوم تهرول خلف ابنائها بعد أن كانت تعجز عن تحريك قدمها من الألم..

-"الله أكبر"

يقولها صديقي فيزيد غيظي.. يزيد من مدحه فأعيد سؤاله عن مكونات الحقن فيصمت قليلاً ويجيبب أنها حقن خلاصة الزعفران .. ويؤكد لي أنني لن أجدها في أي مكان حيث أنه من يقوم بتحضيرها خصيصاً لعلاج مرضاه وأن وقت كشفنا قد انتهى!

أردد كالأبله

-"زعفران!. حتحقني زعفران؟"

يجذبني صديقي ..وأسمع الباب ينفتح وصوت الطبيب يرحب بالمريض التالي رغم أننا لازلنا جالسين في مكتبه.ز افهم أنه قد أنهى كشفنا الذي دام لدقائق معدودة رغمانتظارنا لساعاتين بالخارج.. يعرج صديقي على إحدى السكرتيرات التي تقف أمام صيدلية صغيرة ويسألني إن كنت سأبتاع هذه الحقن فأطلب منه الرحيل في نفاذ صبر .. يبتاع دهن النعام لرقبته فيزيد نفاذ صبري..يتحدث طويلاً عن العسل الجبلي الرائع وبذور البردقوش المستوردة و..فأجيبه هازئاً أنه لم يتبق سوى أن يحدثني عن بول الإبل فيسألني بخجل

-" ماله بول الإبل.. ده الدكتور بيشكر فيه جدا"
اتمالك أعصابي وألومه على قذفه لكل تعليمه الجامعي عرض الحائط وانسياقه خلف تلك الترهات.. بول الإبل والبردقوش كان علاجاً منذ آلاف السنين.. المادة المستخلصة منه الآن توجد بمئات العقاقير الطبية بصورة انقى وبلا شوائب وبجرعات مدروسة.. ما الداعي إذن لشرب البول إلا إذا كنت شخصاً مريضاَ  بالماسوشية

-" يا راجل حرام ده طب نبوي.. وبعدين انت شكلك زعلان عشان دفعت 400 جنيه كشف؟"

يسألني بجدية فاتنفس بعمق كي اتحاشى الرد الغاضب وابدأ بالاستغفار فيدرك أنه حان الوقت لتجنبي.. يلح أن ننتحي جانباً لابتياع بعض الخضروات من باعة الرصيف .. يسأل عن سعر كيلو الطماطم ويفاصل مع البائعة حتى تخفض سعر الكيلو نصف جنيه.. الكثير من الشد والجذب بينهما مما أصابني بالضيق.. لا أطيق الفصال ولا المفاصلين في شتى أمور الحياة.. تكسبني تلك المفاوضات ضيق خلق واشمئزاز من الأمر برمته.. عراك لا معنى له بين الطرفين يحاول فيه كل منهما إثبات كونه الأقوى والأكثر تأثيراً.. اتنفس بضيق عله ينتهى سريعاً مما يمارسه من عقد نفسية على البائعة التي اختبرت كافة أصناف الفصال والمفاصلين وصارت ردودها مرتبة وتلقائية.. يحصل على السعر الذي يرضيه ويطلق سراحها أخيراً أعود خطوة للخلف وأمد يدي لها ببضع ورقات مالية .. يلومني على ما فعلت وهوينطلق بجواري شاعراً بالانتصار فلا استطيع ألا أكتم غيظي وانفجر فيه مندهشاً من كونه قد فرد عضلاته على تلك البائعة المتجولة المسكينة التي تقضي يومها في أشعة الشمس و الغبار منتظرة بضعة جنيهات بينما دفع طواعية كشف طبيبه المعجزة ودهن نعامه وبول إبله بمبالغها الفلكية دون أن يجرؤ على فتح فاه لمناقشة السعر.

يهددني أنه لن يوصلني لمنزلي لو استمريت على نغمة التوبيخ هذه فاتكئ على ذراعه وأمطره بمزيد منها حتى يبتسم..نقترب من حينا حيث الأصوات المميزة لشارعنا الذي صرت أحفظها صوت متهدج يطلب مننا حسنة فيدعو لها أن يسهل الله لها الأمور انتظر قليلاً متوقعا الرد القادم

-" إلهي تنحرق في نار جهنم"

ينتفض جسده ويسحب ذراعه من بين ذراعيّ ويهم بالعودة للعراك مع المرأة فأسحبه وأكاد أجره جراً.. يردد عبارات الدهشة بطريقته المكررة للمقاطع حين يرتبك وينفعل فلا أملك إلا الضحك مما يزيد من غيظه.. يتساءل عن سبب سعادتي الجم في الدعاء عليهما بالعذاب فأحاول إفهامه أنها لا تقصد ما تقول .. فتلك المرأة المسكينة هي "أم صدام" .. ابنها أحد حارسي العقار بشارعنا أخبرني (أحمد) ذات يوم بافتراشها إحدى النواصي وقيامها بالتسول فتعجبت لذلك لأكثر من سبب فالسيدة عجوز بلغت من العمر أرذله لا تحتمل أي تعب ولا مشقة بعد كل السنين التي عاركت فيها الحياة.. والأهم أن ابنها ليس فقيراً فهو يحرس العقار المجاور لبيتنا وينال راتبه مع أجرة مسح السيارات إلى جانب عمل أبنائه في جلب طلبات الساكنين أو صبيان للميكانيكي على أول شارعنا .

طلبت من (أحمد) في إحدى المرات أن يستفسر عن مكوثها في الشارع ويحاول إعادتها لمنزلها الذي صار منزل ابنها وعائلته فانهمرت منها الدموع موضحة أنها تعليمات الابن أن تجلس يومياً على ناصية الشارع تتسول عند موعد ذهاب الموظفين صباحاً لأعمالهم وعودتهم منها ظهراً.. وأنه لا يسمح لها بالعودة قبل أن تجمع له مبلغاً محترماً من المال.. لم أحتمل ما أخبرني به (أحمد) ووجدتني أجره جراً لحيث منزل ابنها ناوياً على فاصل طويل من التوبيخ وتوضيح عقوبة عقوقه الذي يمارسه على تلك البائسة التي ربته ليرميها بالشارع

-" وأنا اعملها ايه.. مصاريف أكلها وشربها ودواها انا مش حقدر عليه.. وانا علي ديون وعيال مصارينها مفتوحة"

الكثير من الكلام والتقريع واللوم لا أذكره قابله الكثير من الردود الموضحة والمتذللة للابن ثم المتبجحة التي أعلنتها صراحة أنني اتدخل فيما لا يعنيني .. هكذا صارت "أم صدام" من علامات شارعنا تتسول للمارة وتلعنهم حين لا يأبهون لها .. سنها الطاعنة وحالتها الصحية تجعل الجميع يترفع عن سبابها .. وكأنها بسبابها للمارة تلعن هذه الدنيا وهذا العالم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

روائية وقاصة مصريّة ـ والرواية صادرة مؤخرًا عن دار المحروسة 

إقرأ المزيد...

(وردشان).. فانتازيا تشبه العالم

 

محمد الجمّال

كانت هذه المرة الأولى التي أعرف فيها معنى الحب , التي اقتربت فيها بصدق من تفسيره واستلهامه, وهي أيضاً المرة الوحيدة التي خرجت منها بقلب وجسم كسيرين معاً.

       بدأ الأمر صدفة مثل صدف المصباح السحري الذي تدعكه ثم تتمنى, فتمنيت وأنا شارد الذهن ومفلس ووحيد لو أن فتاة جميلة تؤنسني في وحدتي. شريهان هي البنت الجميلة التي عينت جديداً في مكتبنا بأرشيفات المحكمة, طويلة وجميلة تلبس وتضع المكياج مثل أولاد الذوات, جسدها محتدم مع المشي وهادئة في مجلسها كالحكمة العصماء. تعبث هي في هاتفها المحمول وأحمل عنها عبء الشغل منذ أكثر من سنة من أجل خاطر جمالها. ما زلت أسميها بالفتاة الجديدة, لأنها تأتي كل يوم في زي جديد , ضحكتها دائماً طازجة, وشفاهها وعيونها ورموشها والشعر الغجري المجنون.....آآ ه. شريهان جننتنا فكانت حلم الأعزب  وصاحب العيال منا, حتى النساء في مكتبنا كن يدللنها فجمال شريهان وألقها  جعلهن يسمون فوق مشاعر الغيرة ويحببنها أكثر من كل شيء, شريهان تصنع الذوق والأناقة في مكتبنا وفي مبنى المحكمة كله, فما من واحد يشتري قميصاً إلا ومر  من بين يديها وتحكك في مكتبها لتنظر إليه, فإن ابتسمت فبها ونعم وإن أسقطت رموشها عنه ظل القميص معلقاً في الدولاب كأبناء الخطيئة لا تلبسه أبداً, واسمه عندك القميص الذي كرهته شريهان. غضبت بيننا ذات مرة حين أراد مواطن لحوح أن ينتهي من أوراقه فصرخ في وجهها, لم تفعل سوى أنها جلست كالباكية ونظرت إلينا. أقفلنا المحكمة وثرنا وهدرنا, هرول المحامون  ناحيتنا لينظروا إلى الحركة التي دبت في المكاتب الميتة منذ ألف سنة, شتمنا الرجل وضربناه وهددنا بالإضراب إن لم ينل جزاءه فلم نهدأ حتى أرسلناه مقيداً بالحديد في رسغ شرطي, ثم عدنا واحداً واحداً ننتظر عطاءنا منها كل بقدر مشاركته وانفعاله لها. كانت ضحكتها أنفس ما يحصل عليه أحدنا أو أن تنطق باسمه بلهجة ذات غنج. رغم كل محاولتي لإشراكها معي في أمور الشغل ظلت مترفعة تقوم بالأعمال البسيطة التي أطلبها منها ثم تعود لتعبث بأصابعها في الهاتف منفعلة بكل حواسها فيهيأ لي أنني سأشغلها لو طالبتها بأن تملأ عريضة مثلاً أو ترفق وثيقة في ملف قديم على رف بعيد ومترب. كنت أعرف دائماً أن شريهان لها حبيب ما و دائماً  كان يواصلها بالرسائل الرنانة على هاتفها  و كانت ترد مكالماته بعيداً عنا بالقرب من شباك الردهة ونراها مبتسمة مرتاحة للكلام. رغم ذلك أحببت شريهان مثل غيري وجعلتها غاية أحلام النوم واليقظة عندي, فلو كنت غنياً لاشتريت قصراً لشريهان, ولو كنت قوياً لحاربت الناس على شريهان ولو كنت شاعراً لكتبت قصيدة تقول ( شريهان شريهان شريهان شريهان).

    أما المصادفة فكانت أنني أنشأت حساباً على الفيس بوك,  ويجب أن تعرفني لتدرك أن ذلك كان غريباً عني بمقدار, لرجل وحيد مدمن على روايات العشق الدامية والشعر, أكره التكنولوجيا وكل ما له بريق معدني, كذلك فإن الاجتماع بالناس يوترني  حتى ولو في عالم افتراضي, سبب آخر جعلني أتجاهل عن عمد فكرة الفيس بوك وهو زميل لي في العمل يظن في نفسه الشعر ولا يحسنه أبداً,  يخرج من تحت الأرض ومن كل الزوايا الممكنة ليسمعنا قصائده ,  يهتم على نحو خاص برأيي لكوني شاعراً مقطوع اللسان أميز الشعر الجيد ولا أكتبه, كان يحرضني دائماً على فتح حساب على الفيس بوك  ويعدد لي فوائده التي من ضمنها قراءة ما يكتبه أولاُ بأول. ثمة أشياء عندي يجب ألا تطالها أيدينا بالمحاولة, منها الشعر, إن لم تكن شاعراً فلا تحاوله لأنك تفسد الذائقة وتغري آخرين بارتكابه فيمسي الشعر أرضياً ودميماً مثلنا, كما أن زميلي شاعر المحكمة كان لزجاً وكثير التودد إلى شريهان, يأتينا من مكتبه في الطابق العلوي ليلقي االشعر في حضورها وكانت تبتسم له كثيراً وتضم كفيها معجبة به, وهو كان يحرك يديه في الهواء كمن يطلبها للرقص أمام أعيننا, فاخترته عدواً لي, شريهان مثل الشعر لا تنبغي لواحد منا, شريهان بهجة عمومية كالسماوات والنهر وحظنا اليومي من الخيال, راودتني أفكار أنه ربما يكون الحبيب المبهم صاحب الرنات الكثيرة, ولم أعرف كيف أتأكد حتى طلبتْ منه أن ينشر القصيدة على الفيس بوك, عندها غيرتُ منطقي ورأيت أن الفيس فرصة جيدة لتتبعهما وأكثر للقاء شريهان بعد مواعيد العمل.

      جعلت شريهان صفحتها مخزناً لذكريات كثيرة و راكمت صوراً تحكي من تاريخ جمالها ورفاهيتها, البنت الصغيرة مكسورة السن الأمامية أدركتها طفرة الأنوثة في زي المدرسة الرمادي ومنذ ذلك الحين وهي أجمل زميلاتها,  في الجامعة, في الرحلات, في البر وفي البحر كانت تدرك أن جمالها يستحق التأريخ فلم تترك لحظة من حياتها إلا وصورتها, واختارت لتزيين حائطها مناظر طبيعية لزنابق ويمامات متقافزة فكأن على الداخل إلى صفحتها أن ينحني برأسه كي لا يلمس اللبلاب المنسدل عند بابها, كلماتها أيضاً بدت كنقوش في أعمدة رومانية بيضاء وكانت دائماً عن الحب عن الموت بجرعة زائدة من الغرام. يقولون في السحر التشاكلي أن المتعلقات تحتفظ بأثر من صاحبها حتى يمكنها التأثير فيه من بعد, إن كان ذلك صحيحاً فإني وجدت صفحتها لها حضور مماثل لحضورها بل وأكثر بهجة. كان السؤال بعد ذلك, كيف أصنع مثلها نسخة مني تستدعى بلمسات خفيفة على شاشة الهاتف, إن كنت طامعاً في جذب انتباهها فلن أتباهى بألبوم الصور التي لدي, صور لأبوي قبيل الموت و صور كثيرة لي في المراهقة خلال رحلات إلى القناطر والهرم بدوت فيها كحفرية من حقبة الفيسكوس. أيقظت ملابسي ليلاً وجربت صوراً عديدة لنفسي وأنا أبتسم وأنا أكتب أو جالس في شرفتي أتأمل. كنت متعجلاً على تلوين نسختي الإلكترونية لتبدو مثلي وتتحدث بعبارات تصفني لكن نسختي  لم تمهلني وشرعت تتخلق من تلقاء نفسها, إذ بدأ الهاتف يرتعش ويرن مرات متتالية أوجست منها  وهكذا بدا أن العالم الذي ولجته لحوحاً ولا ينام أبداً.  أحسست بذلك وأنا أعاين طلبات الصداقة الكثيرة التي وصلتني, لم يكن يعنيني إلا شريهان ولكن من غير اللائق أن أبدو أمامها بلا أصدقاء, ماذا ستقول عني, أحسست أن الآخرين انتهكوا وحدتي عنوة, ورأيت كأن منزلي قد امتلأ علي بضيوف أجهل عن أكثرهم, كلهم يتقرب من أذني بجرس صغير لينبهني إلى وجوده, ثم إن لهم مطالب كثيرة وأحاديث مختلفة, فقررت أن أصنفهم كمن يجلس كل مجموعة من معارفه في حجرة منفردة ويمارس الضيافة بتحفظ وقلق. المتدينون أكثر الناس صخباً, في أسمائهم وأشكالهم, بل وفي صور الأشياء التي يستعيرون بها عن أنفسهم, صورة الكعبة, سيفان متقاطعان على مصحف, صليب, وصور لمشايخ متجهمين ويشيرون بالأصبع, فارس الحق, زهرة الحكمة, طالب العفو, الصخب الشديد وحده ومن دون ذلك محاولة لإشعار الجميع بالذنب. وكان من بين ضيوفي غرباء ومعارف لمعارف لهم وجوه حيادية ومبتسمة بلا عهود, فهؤلاء تلقيتهم بمشروب خفيف عند بوابة الخروج, أما الأقارب فقد أرهقوني في الحديث و تتبع أخباري منذ آخر لقاء لنا, لكن بدوا  لي على لباقة تعلموها من محاكاة برقيات المجاملة  المكتوبة على حوائطهم, منهم أقارب لم أظنهم يفيسون أبداً مثل عمتي الأرملة الستينية التي تعيش في القاهرة, حاولنا كثيراً إبقاءها في منزل واحدة من بنتيها لكنها ثرثارة تفتعل المشاكل, هاهي قد وضعت صورة قديمة لها منذ أيام االجيبات القصيرة وفي كلماتها تلمحت أثراً من خلاعة لم تعجبني. لا يمكن تخيل الجهد الذي بذلته في الفرز والاختيار ومحاولة إيقاف الجميع عند حدود مقبولة من الكلام, حتى صار لي في النهاية عدد لا بأس به من الأصدقاء. هنأني أغلبهم على صورتي وأرسلوا الإعجابات والقلوب فيما بدا لي أنه أحد بروتوكلات  ذلك العالم شأنه شأن الوقوف أمام الكاميرا بكل زيي جديد , ثم تراءى لي أن أعنون لنفسي بكلمات براقة  ( إنسان أثقلته الأحزان),  يا عيني!

        دخلت المكتب متأخراً للمرة الأولى منذ تاريخ تعييني إذ غفوت عن المنبه, فاتتني فقرة الإفطار اليومية, تلك التي نقضيها والباب مغلق دون المواطنين الشاهري أوراقهم والمتوسلين في الخارج إلى نظرة رضا من أحدنا. نتبادل في هذه الفقرة جديد الأخبار والنكات المنزلية, نتحرى أخبار العلاوات والجمعيات, المرض والوفاة, الزواج والمجاملات وغير ذلك, رغم أن هذه الفقرة كانت دائماً مملة وثقيلة على قلبي لكنني افتقدتها ذلك اليوم, إذ أنها الشيء الوحيد المتحرك خلال اليوم كله, بعد ذلك ليست إلا الزفرات والحوقلة ونظر أحدنا في هاتفه , أو النظرة المتلصصة إلى شريهان, كذلك فقد خصم لي اليوم وكان من حقي الرجوع إلى منزلي, ولكن إلى أين سأذهب؟ حتى وإن عدت للنوم فسوف أخرب ساعتي الجسمية التي توقظني في الصباح, العمل عندي فاصل ضروري لعدم ضياعي كاملاً في الوحدة لذلك فإنهم يتهمونني هنا بالنشاط. ولولا الأوراق المتكدسة على مكتبي من شغلي وشغل الآخرين ما شعر أحدهم بغيابي ولا حتى هي, جلست على مكتبي كالمذنب وأخرجت الهاتف وبدأت التصفح. في الصباح تكون أكثر المنشورات متفائلة وواثقة من تحسن الأحوال, كلهم ينشرون عبارات صباحية مطمئنة إلى نهاية اليوم على خير, ( ها قد أطلت تباشير الصباح فاملأوا قلوبكم بالأمل), ( ولسوف يعطيك ربك فترضى), صور لزهور بيضاء وزرقا وصفراء, وفتيات صغيرات ذوات شعور ذهبية يمرحن في الحدائق أو يبتسمن لك, هناك أيضاً نعي لواحد من المتوفين بالأمس وله قريب من المحكمة, وهناك بهائم لا يفرق معهم صبح من مساء ينشرون صور أشلاء وقتلى, أو طفلة يقف جندي محتل على خدها الناعم ويصوب نحوها البندقية, وهناك وهناك... المهم عندي أن صاحبنا الشاعر لم تكن له قصيدة جديدة, يالله! تذكر العفريت يأتيك, ها هو قد نشر واحدة من روائعه.

( حبيبتي, إن لم تحبيني سأموت / لأنك أنت الحياة الجميلة / فما معنى أن أعيش بدون روحي يا روحي/ ويظل الجسد/ .....صدقيني, سأظل أحبك إلى الأبد).

لزوجة تعطل الفيضان والله! رغم ذلك تواترت على تحفته تلك الإعجابات وكلمات الإطراء, فمن قائل (الله على إحساسك يا شاعر) وآخر ( رومانسيتك الزائدة ستجعلك تعاني) وأخرى متحمسة ( من أجل المحبة عشقنا الحياة), أما هي فلم تكتب بعد, كانت مشغولة بلصق طابع دمغة من ريقها العذب, وكانت تتحدث إلى مواطن سعيد الحظ  يتابع أصابعها الشارحة كالمنوم. نكاية في صاحبنا ورطت نفسي في السخافة وكتبت كلمتين للإعلان عن وجودي للمرة الأولى في هذا العالم ( يا 100ندامة ع اللي حب ولا طالشي), ارتفعت نحوي أنظار الزملاء ترمقني بقسوة ما أكد لي أن الجميع متابع دون مشاركة. ولم أكد أهز رأسي معتذراً حتى وجدت تعليقاً منها على قصيدته. (( المحبة سمو للروح وللقلب معاً, فلا يكون المحب كذاباً ولا خائناً, اللهم أسعد أوقاتنا بالمحبة). هذا النهار أزرق كما ينبغي ليوم خصم من راتبي, إنها تبادله غزلاً بغزل, ثم سقطت على رأسي دهشة جديدة, فبمجرد أن تكلمت شريهان دبت الحياة في القصيدة  وتواترت عليها علامات الإعجاب والتعليقات من كل الموظفين, بدأها كبير الموظفين وأمين عام المحكمة.

-         لطالما أعجبتني رومانسيتك وكلماتك الرقيقة

-         ميرسي يا أستاذ سيد!

-         أنت عنوان للرقة والأناقة

-         شكراً أستاذ أحمد. أخجلتم تواضعنا!

حتى الحاجة عواطف في الخزينة تركت طوابير المواطنين وكتبت:

-         الله عليك يا شوشو بدر منور

-         كفاية كده يا جماعة, أحسن والله هصدق!

رفعت عيناً عن الهاتف فوجدت الجميع مبتسماً لها في بلاهة و هي تنقل بينهم عيناها بامتنان, ثم عادوا جميعاً ينظرون في شاشاتهم بنشاط يتمناه مواطن غلبان يرجو توقيعاً صغيراً  من أحدهم. ثم جاء دور شاعرنا الهمام- صدقيني يا سيدتي, الحب هو طاقة الوجود, وكما قال زميلي ( نزار قباني) لو لم نجده على الأرض لاخترعناه.

-         أصدقك تماماً, وأضيف أنه النور للعيون والكف الحنون في عالم مجنون!

وقبل أن يتزاحم عليها بقية الموظفين قررت أن أحشر كتفي وسط الجمع وأدس أنفي بين العبارتين الأخيرتين – سيدتي, وما فائدة الحب إن لم يكن هناك أمل؟!  رفعت شريهان وجهها نحوي للمرة الأولى دون أن أنادي عليها, رمقتني معجبة وغير مصدقة, ثم نظرتْ في هاتفها ونظرتُ في هاتفي لأجد كلماتها المعقبة على قولي- (الحب هو الأمل ذاته, هو الغاية والطريق, لو أحببت لعرفت). تزاحم عليها الناس بعد ذلك فلم أجد فرصة لإعادة التعقيب, لكنني احتفظت بكلماتها كمناسبة سعيدة و كرقصة ثنائية, أول حديث يدور بيني وبينها عن الحب, إنها لا تمانع, هل أطلب صداقتها؟ ماذا لو رفضت؟ وضغطت على صورتها برفق, للمرة الثانية في نفس اليوم رفعت وجهها الجميل  نحوي وابتسمت كالمستفسرة, مرت دقائق بعد دقائق ولم تمنحني صداقتها, لم تجاوبني على طلبي, بالرغم من علمي بوجودها على الفيس ومشاهدتي لتعليقاتها وما تنشره. إنها تتجاهلني عن قصد, لقد كانت نظراتها الجميلة نحوي لتوبخني ( حتى أنت يا جربوع!), ثم ظهرت على صفحتي أخبار جديدة عن حادث موتوسيكل لرجل من جيرتنا, نعرف بغضنا بالوجه فقط  وأول مرة أقرأ اسمه كانت فوق صورته وهو في المستشفى وكان زميلنا الناشر يدعو الجميع لزيارته والدعاء له بالشفاء, أخطأت في قصدي وكتبت بكل بلاهة ( البقاء لله), فازداد خجلي أكثر ونمت على المكتب عاقداً ذراعي تحت خدي , بعد ساعة أفقت فوجدتهم يجمعون أوراقهم في طريقهم للرواح فأمسكت هاتفي بيأس فإذا به يضيء وقد تم قبول صداقتي, نظرت إليها بامتنان فكأنها ابتسمت و غادرتنا رشيقة متمنية للجميع مساء سعيداً, لكنني بأريحية قررت أن هذا السلام يخصني وحدي. في البيت تناولت الغداء واقفاً من أواني باردة وقفزت بحذائي على السرير مراجعاً كل أحداث اليوم, كل حرف من كلماتها وكررته خمسين ألف مرة, ثم تفحصت حائطها الشخصي. الغريب أنني في نهاية اليوم بدأت أظن كلماتها موجهة إلي دون غيري, فمثلاً من ذا الذي تصفه ب ( الرجل الذي يخبي نظراته عني وأنا أعلم ما تود قوله: آه لو تأتيك الشجاعة بدلاً من الابتسامة التي تقف بها أمامي كمن يحمل قهوتي الصباحية ثم تنصرف), ( الحب لا يعرف الفقر ولا الفروق فلا تخف مني... يا ليته يلتفت!), لكن رغم ذلك كنت أجد إشارات مناقضة كنت أتغاضى عنها مثل   ( أحبك أكثر كلما ثرت في وجهي وعنفتني لأنك في كل مرة تستقبل على يديك أنوثتي الصارخة بحبك), وهذا كنت أنسبه لعموم الشعر والرغبة في الفصاحة. في اليوم التالي كنت أول الموجودين  كعادتي وأحضرت شاحن الهاتف معي وتابعت اليوم وأنا سعيد, جاملتها بمجموعة ردود على منشوراتها القديمة, فكانت ترسم على وجهها المفاجأة كل مرة وتكتب شكراً رقيقاً),.ثم تشجعت أكثر وكتبت لها على الخاص ( شكراً على قبول الصداقة) وكالعادة أخرتني لنهاية اليوم ( يا خبر.. ده  شيء يسعدني جداً,, مودتي لك), مودتي لك! مودتي لك! مودتي لك! الدنيا جناين خضراء والناس طيبون والحياة حلوة رغم الغلاء وقصر اليد, ورغم أنهم شقوا كل الشوارع لإصلاح خطوط الصرف للمرة الألف في مدينتنا الصغيرة, لكنني كنت أكثر استعداداً لتقبل الحياة , فقط إن كانت مودتها خالصة لي, عرجت في طريقي إلى المنزل على (خطاب) صديقي منذ أيام الدراسة, وأول عيل في مدينتنا اشترى له أبوه جهاز كمبيوتر, وقد تخصص حتى صار مبرمجاً وصاحب سايبر, جلس معي يعلمني مصطلحات الفيس بترو( اللايك- المنشن- التاج) وشرح لي طرقاً عجيبة في تغيير فنط الكتابة ورسم القلوب والوجوه الضاحكة وغيرها, ثم في النهاية أهداني ما يقارب ثلاثة آلاف صورة ما بين الدينية والشعرية والنكات اللاذعة, فخطفت الهاتف من يديه و انصرفت, لم أتناول عشائي وفتحت من فوري صفحتها لأجد قصيدة عني لا ينكرها إلا كافر قليل العقل, عنوانها ( الآن فقط التقينا)

(الآن يدك احتضنت يدي, قبلتني بعينيك, فطبعت على عينيك قبلة خالصة لك, إياك ثانية أن نبتعد), حبيبتي للهفتها لم تحسن الكتابة لكن هذه الكلمات كانت أفصح عندي من ( قفا نبك)  فعقبت على قصيدتها بصورة (جنتلمان) جاثياً على إحدى ركبتيه ويحمل باقة ورد) عرفت بعد ذلك أنها تستخدم فقط لطلب الزواج لكنها رغم ذلك قالت ( شكراً على ذوقك ورقتك), وما إن كتب صاحبنا قصيدة جديدة في التعليق حتى خلصت له ودارت الكلمات بينهما سجالاً فاستحسن الناس مناقشتهما الشعرية عن (حفظ المودة في غياب الحبيب)... رغم ذلك فقد شجعني شيء ما في كلامها أن أرتكب فعلاً سخيفاً, كتبت لها على الخاص في وقت متأخر ( تصبحين على خير), ظهر عندي أنها قرأتها و لم ترد, منيت نفسي أنها ستتركني شيئاً من الوقت كعادتها متلهفاً قبل أن تجيب, انتظرت الليل كله أعد الشاي وأحرك أصابعي على الشاشة مثل كاوبوي يصوب ناحية الليل بملل و لم تجب نهائياً. وبخت نفسي, كيف لفتاة بنت عائلة مثلها أن تجيب على أعزب وسيم مثلي في ذلك الوقت من ؟! لقد أخطئت ووجب الاعتذار, وجب الاعتذار, وجب الاعتذار... وقّعنا أسمائنا للحضور في المكتب وجلسنا لكنها فلم تكتب هذه المرة شعراً, كان رجاءً من الجميع بالدعاء لوالدتها التي نقلوها ليلاً إلى المستشفى, هذا الخبر المؤسف لَضَمَ الناس جميعاً في هواتفهم بالدعاء لها ولأمها, ولما هممت بكتابة كلمتين فوجئت بصندوق الرسائل عندي ينير باسمها ( شريهان: آسفة على عدم الرد أرجو المعذرة لظروفي الطارئة), كانت يدي بطيئة وأعيد الكتابة برغبة أن أقول جملة تجمع كل المشاعر من حب وود وتضافر وإشفاق حتى انتهيت من بضع كلمات مهشمة أرسلتهم إلى الخاص ( لا عليك.. أنا في خدنتك.. متى احتجث صديق.. دعواتنا بالسقاء لأمك الفالية), لم أشأ أن أعدل الخطأ الإملائي كي لا أغيب أكثر من ذلك. لكنها تفهمت وأرسلت وروداً بعد لأي. وضيع فرحتي بالورود أنني أثناء محاولتي لكتابة جملة واحدة كان الشاعر قد رزع قصيدة كاملة في الرد عليها وكانت القصيدة  في فضل الأم وحنان الأم, وسالت العبرات والرسائل المواسيات, واندمج الجميع في المحكمة حتى أنني شعرت بشفافية الجدران وقدرتي على رؤية الجميع, وبتواتر الأيام أو قل باعتيادي أكثر على الأمر أهملت قراءة الروايات ومشاهدة برامجي الأثيرة في التليفزيون, كنت أتابع كل شيء بنصف عين أو أقل بينما رنات البريد الخاص كانت تستدعيني جرياً إلى أي موضع تركت فيه الهاتف, هذا إن تركته من الأصل, وبدا لي أنني والسادة الأصدقاء نجلس دائماً متأنقين على مقربة من بعضنا في أي وقت من ليل أو نهار, أو كأننا نلازم مقصورات متقابلة في مسرح دائري نتبادل التحايا والانحناءات وفي المركز دائماً شريهان. وبالطبع صار إغلاق الباب دون المواطنين أكثر من ذي قبل, لأن الوحيد الذي كان يسارع في خدمتهم هو أنا وأنا لم أكن هنا, الشيء الذي جعلني مرضي الضمير ناحيتهم أنني نظرت  ذات ملل من نافذة المكتب فوجدتهم أيضاً منكبين على هواتفهم, قاعدون وواقفون ومعتمدون بمرافقهم على الشبابيك القريبة والجميع مبتسم كأننا نمارس قدراً مرضياً عنه و ننفذ جميعاً إرادة علوية, وتساءلت ُ ماذا لو شبكنا خيوطهم بخيوطنا وصاروا أصدقاء لنا  في قاعات التواصل الاجتماعي, ربما عندئذ تموت فكرة الروتين من تلقاء نفسها وتنحل, تخيل أن المواطن يتقدم بالطلب مزخرفاً بالزهور البنفسجية والعصافير ومزيلاً بتمنيات السعادة في منشور عام  يمر على كل الموظفين في نفس اللحظة حتى المريض منهم وملازم الفراش, على ذلك يجب أن تكون الأختام قلوباً وعلامات محبة, لا داعي أبداً للدمغة والطوابع والملفات الترابية المعمرة,.لا داعي للأختام المفرقعة التي ترشق غضب صاحبها في الورق, ربما كذلك ستصبح شريهان هي الأنشط بين الموظفين وليست الأجمل فقط.   

مرت الأيام على ذلك هادئة مبتسمة عامرة بالوعود, رغم أني وأنها لم نتجاوز حد المجاملات الرقيقة التي تحتمل أكثر من تفسير, لكنني كنت سعيداً بما تخصني به من كلمات أفسرها وفقاً لما أتمنى, زادت دربتي على الفيس وألفتي له, ففي الصباح نرسل الأمنيات ونستقبلها ونسمع عن ترقيات رؤسائنا فنرسل إليهم عبارات ودودة وصوراً ملونة, نبارك لأنفسنا كلما فازت أم أحدنا بقرعة الحج أو نجت من مرض, أو رزق هو بمولود ونتناول الأخبار اليومية الخفيفة مع شاي الصباح والبقسماط,  ثم يبدأ كل منا في إلقاء نصيحة أو كلمة عصماء على الجميع,  كنت أعلم أن حبيبتي لا تحسن الشعر مثل صاحبنا, رغم ذلك خصصت نفسي ناقداً لامتداح كتابتها وللتسخيف من كلامه, بعد فترة كانت صورنا تمثل غريمين على حبيبة واحدة وصورتها دائماً بين صورتينا, كل منا يكيل للآخر بفصاحة ثم يعود ليتودد إليها. وعُرفنا ثلاثتنا بالشعراء فكان الناس يفسحون لنا كلما بدأ الحديث يزداد تخصصاً, غريمان وحبيبة واحدة كان عليها أن تختار بيننا. من العدل أن الفتاة لا تبادر إعجابها فهذه مهمة الرجل , يكفيها إظهار المودة وعلى الرجل أن يكون أكثر جرأة. انتظرت حتى نشرتْ قصيدة  لها عن البحر فكتبت في التعليق ( وما عليك لو تركت قدماك للبحر يقبلها.. وجلست معه ليأنس بك, ثم ماذا عليك لو احتضنته تماماً.. البحر يريدك كما تريدينه وأكثر), غابت كثيراً في الرد و كانت ثلاث كرات سوداء تتقافز أمام عيني مبشرة برد قريب لكن لخيبة أملي جاءني الرد من المتولي ابن خالتي المقيمين  في مطروح, ظهر بجلبابه الرث وشاربه الغريب مبتسماً يقول ( خالتك بتقولك ابقى تعال صيف عندنا), وضحك الجميع علانية من جراء التعليق المفاجئ وأرسلوا وجوهاً ساخرة تبكي من شدة الضحك, بل إن أحدهم أرسل إلي صورة لممثل شديد النحافة يتباهى بعضلاته أمام البحر وعلى ذراعه عوامة كاوتشوك بيضاء. كدت أموت من كسفتي فانسحبت من المكتب. وفي المنزل قمت بحجب المتولي ابن خالتي عن صفحتي كي لا يراني ولا أراه إلى يوم القيامة, ليس وحده, حجبت كل الجزارين وأصحاب محلات الحدادة والمعارف الواهية, جهزت صوراً عائلية وسط أهلي المحترمين حسني الهندام, وبين أصدقائي في حفلات الزفاف وغيرها بحيث أبدو لها محبوباً من الجميع, غدت صفحتي للشعراء والرسامين والحالمين وكل من له علاقة بها, شريهان جعلتُ عالمي يناسبها, فبدت صفحتي وما عليها قطعة من حكايات ألف ليلة وليلة وهي الأميرة (وردشان) التي أحبت (ماندو) ابن الزبال, وهذا الدور  للمفارقة  قد شخصته ممثلة لها نفس الاسم -شريهان- وقت أن كان التليفزيون كل تسليتنا وحكايات ألف ليلة هي المخرج الوحيد من الواقع, تفرغت لها تماماً بالحلم والعلم, بل وزدت من جرأتي وأرسلت رسالات أكثر تغزلاً على الخاص فكانت تردها بأدب وتحوط على الكلام لتعيدنا إلى الصداقة, أي صداقة! ( هي بتستهبل!!), بعد ذلك وجدتها تتحاشى التعليق على منشوراتي وأمست شحيحة في الرد على الجميع, فانتشرت في المكاتب كلها كآبة زادت مشاجراتنا مع المواطنين واستدعاء الأمن , أصبحت تتحاشاني حتى على مستوى النظر لكنها تكتب, لمن تكتب, وممن تتلقى الرسائل, لابد أنه الشاعر ابن الكلب! في المساء انتحلت حساباً جديداً واختبأت خلف زنابق صفراء وأسميت نفسي عاشقة الشعر, أرسلت إليه طلب صداقة فقبله على الفور ومن دون تردد كلمته على الخاص, تحدثنا ساعة في الشعر وساعة في الحب وساعة في تجربة كل منا على حدا, لا أصدق أنني فعلت ذلك لكنه حدث, كان كتوماً في البداية ولكن بعد إصراري عليه عشرة أيام قال, ( لن أخبرك باسم حبيبتي يا عاشقة الشعر لكنني ذاهب غداً للقائها.. سنترك العمل والعالم لنلتقي). إذاً سيكون لقاؤهما غداً.. لقد خدعتني إذاً وبدون تردد أرسلت لها على الخاص كلمات حادة ( لا تعتذري الآن.. فأنا أعرف كل شيء), وعلى العام حملتُ أغنية لا تكذبي. أجابتني في نفس الليلة بكلمات لها نفس الحدة ( ابتعد عني وإلا ستحدث المشاكل) فلما رأت إصراري حجبتني نهائياً عن حسابها, أو كما يقولون ( لسعتني البلوك المتين) بحيث لا نلتقي ولا نتكاتب من جديد, وفي العمل كانت تمر بجواري خائفة و تكرز في خطواتها ثم ولتني ظهرها متشاغلة بالحديث مع إحدى الزميلات, كلما استدارت بوجهها وجدتني أتميز غيظاً, فلما طال ذلك نظرت في الساعة وحملت حقيبتها هاربة. لن أتركها, مشيت ورائها كل شارع وأنا متخف في الحوائط وفي ماكينات الصرافة, كانت تتلفت خلفها كل ثانيتين حتى بدا لي أنها تعرف بتتبعي لها, لكنها لم تستدعي بوليساً ولا أحداً من المارة ما جعلني أقل تستراً وأكثر جرأة في ملاحقتها. وأخيراً ظهر لنا من بعيد شاب له هيئة أخينا الشاعر وكان القطار يمر من بينهما  سريعاً وهادراً فلم أتأكد من ملامحه  ولا سمعت شيئاً من نداءاتهما, لكنني هرولت نحوهما بكل غيظي وكل البروفايلات في خيالي تشجعني على الانتقام من (وردشان) الخائنة, لكنني في النهاية لم أدركهما ولا أمسكتهما بالجرم المشهود لأنني في سبيل إقدامي سقطت كلية في حفرة صرف عميقة عرضها السماوات والأرض لم ألحظها رغم مروري بها كل يوم.. في المستشفى جاءني الزملاء كلهم إلا هي, جاءني الشاعر نفسه بصحبة الفتاة التي تعمل على ماكينة التصوير داخل المحكمة وقدمها لي ( خطيبتي.. شد حيلك يا شاعرنا الهمام لتهنئني بقصيدة).

-         لم تأت شريهان؟

-         أمها مريضة وقد ذهبت مع أخيها لمرافقتها في مستشفى بالقاهرة.

رغم جسمي المكسور ضحكت من كل شيء, ضحكت  بجنون وبهوس وبهستريا أدهشت الحضور فظنوه من أثر المرض أوالتخدير, ثم تداركت نفسي وأنا أتابع جبائر الجبس الملتفة على عظامي فقضمت ضحكتي بائساً, رغم ذلك نظرت إلى هاتفي و طلبت من  أخي الشاعر أن يصورني وينشر على الفيس  FEELING SICK, وابتسمت للصورة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قاص وروائي مصري 

إقرأ المزيد...

في البدء كانت الكتابة ..

 

أميرة الشربيني

 

باب البيت أخضر، قديم وتبدو عليه علامات مضي الزمن، كسر نقار الخشب أجزاء من حافته العليا, فرُقعت بقطع خشبية صغيرة بدت متنافرة مع الأخضر بلونها الخشبي الطبيعي.

 

نقار الخشب يذكرني بأخي وطفولتنا، وأفلام الكارتون التي أمتعتنا بالصغر.  نقار الخشب كان أحد أبطالها ولم أره قبل أن دق حافة احدى نوافذ بيتي كي يختلس قطعا من خشبها، سوى على شاشة التلفاز المربعة، وقت كان التلفاز مربع الأبعاد كصندوق.

 

اعتدت الدق من الداخل كي أخيفه ليبتعد، وفهم حيلتي بعد حين وصار يبتعد برهة ليعود ويدق ناقرا، لأجيبه من الداخل بدق أقوى بتصميم وأصيح "كفى" فيعود للشجرة المواجهة وأبادله من خلف النافذة نظرات يفهمها كلانا.

 

لكن بتلك القارة التي هي بالأصل غابات كثيفة استوطنها الانسان وشق بأحراشها طرقا وبني بيوتا، نحن البشر ضيوف على الطبيعة ومخلوقاتها.

 

طبيعة ضخمة كحضن جبل والأشجار محيطة بكل شيء والأخضر مترامي الأطراف إذا ما حل الربيع الذي يدعو الكائنات للخروج من مكامنها بعد ذوبان الجليد ويتحول المحيط لغابة كبيرة نسكنها مع كل تلك الكائنات، مثل نقار الخشب الذي لا يشبه ذلك الذي كنت أشاهده مع أخي ومثل السناجب التي تمرح في حديقة البيت الخلفية وتركض على السطح بالمساء كي تُقلق صمت السبات.

 

في الصباح الباكر أتسلل من دفء الفراش للدور السفلي كي أعد قهوتي، وألقي على الخضرة المعانقة زرقة السماء نظرة امتنان ثم أهمس "صباح السكر"

وأعجب كيف انتهى المطاف هنا، بفتاة صغيرة كانت تكلم القمر وتكتب له قصائد شعر تسأله فيها عن معنى الوجود!

ما الذي أوحى لفتاة لم تتم بعد عامها العاشر أن تسأل سؤال كهذا!  لا أذكر مصدر الوحي، لكني أعرف أنه قد يكون أي شيء، كل الأشياء في عقل الكاتب قد توحي بشيء ما.  لا يوجد منطق ظاهر ولا مدلولات محددة.

الأمر قد يبدو عشوائي بشكل يصعب وصفه، لكنه مفهوم ومريح بالنسبة لنا ككتاب وغير مستغرب.

المستغرب هو أن يحيط بك مصادر عدة للوحي ولا تجذبك الأفكار الخلاقة لتركض بأثرها. 

 

مثلما حدث لي هنا بعامي الأول بمنفاي الاختياري هذا، مدينة "الربيع الفضي" التي بدت لي في وحشة صمت الكتابة محل خريفا لا ينتهي!

 

مهلا.. تلك العبارة المجازية الأخيرة بها من التهويل والميلودرامية ما لا أستطيع أن أنكر، فنجم الوحي لم يأفل تماما وهي الحقيقة التي لن أنكرها إن كنت سأتحرى الصدق التام لكن ليس الصدق هو الغرض، لأن هذا ليس ببحث علمي ولأن الكتابة الإبداعية بالأصل لعبة مزج خيال بواقع ومحاولة رد كل عبارة إلى أصل وحيها هو تمزيق متعمد لنسيج النص.

 

ولك أن تتخيل ألم النص وعذاب صاحبه عندما يحاول عقلك تمزيقه بتلك الطريقة بدلا من تلقيه كما هو ثم الاستمتاع به أو تحليل مواطن الإبداع فيه ومناطق الملل أو حتى رفضه ككل.  احكم عليه بما شئت المهم ألا تمزقه إربا وتحرق قلوبنا عليه. وإن كنت أحد هؤلاء الوحشيين فأنا لا أريد الحديث إليك.

 

لكني لن أستسلم وأصمت تماما لمجرد أن العالم مليء بالمتوحشين، الذين يمزقون نصوصنا على أسنة رماح الرفض، الاحتقار والحكم المسبق!

لقد صمتت النساء تحديدا وقتا طويلا جدا، أطول مما ينبغي. وبإمكانك التحقق من عدم مبالغة تلك العبارة إن درست تاريخ الأدب وقارنت عمر ظهور الكتاب الرجال بعمر ظهور الكاتبات.  كما أنه معروف أن بعض الكاتبات بقرون ماضية عمدن للكتابة تحت أسماء مستعارة لرجال خشية من المجتمع.

 

الكتابة النسوية وصف يلاحق أي امرأة، وإن دققت قليلا في تاريخ الكتابة والكُتاب وحكايات قصصهم لتبين لك عِظم اجحاف ذلك الوصف.

وكم أكره هذا التعبير " النسوية"

أن تكتب المرأة كامرأة! ياله من أمر مستهجن ونوعا من أنواع المحدودية، أن يدور فكرها في محور جنسها!

 

بينما من حق الكاتب أن يكتب مئات الروايات ويكون أبطالها رجالا، ولا يتهمه أحد بالذكورية، لكن المرأة التي تكتب عن المرأة هي قطعا كاتبة نسوية، والرجال في كتابتها فهم عشاقها السريين أو رجال عبروا بحياتها.

 

فهناك من يتصور، أن المرأة تكتب فقط كي تبوح للورق بمشاعر مكبوتة، واراها عن التصريح رفض أو استهجان.  والكاتبة في مخيلتهم، امرأة خيالية تطارد الفراشات وتكتب باللون الوردي وتشرب القهوة وتسمع فيروز وتقتني الكتب وتدعي الاختلاف، لأنها تريد أن تكون مختلفة ولأنها بحاجة لأن تتمرد.

 

ولأن علاقتي بالكتابة أقدم من علاقتي بكل الموجودات بما فيهم الرجال وأنوثتي، ووعيي باختلاف منظور الآخرين فإنني لم أدرك تواجد ذلك التصور الساذج عن المرأة الكاتبة إلا بوقت متأخر بعمري، ولقد أثار تهكمي الداخلي كغيره من التصورات والأحكام العنصرية الغبية.

 

لكني تنبهت إلى أني قد لا أسلم من هذا التصور وخصوصا إن كان القارئ يعرفني معرفة شخصية، وتثير تلك المعرفة بداخله فضولا.

 

يحلو لي أحيانا تخيل نفسي عجوز وقد تراكم بتاريخي رصيد معتبر من الكتابة، وهؤلاء الحمقى محدودي النظر بالحكم على الكُتاب يفتشون بين كتاباتي عن طابور العشاق السريين الذين غررت بهم أو غرروا بي.

أسائل شخوصي الخيالية في احدى جلسات سمرنا عن العدد المحتمل للعشاق في حياة امرأة مثلي، ونسخر جميعا من الفكرة، فأصيح بتباهي ساخر "سبعون رجل، محتمل جدا تتبع أثرهم بين أوراقي” فيرد على أحدهم، "ولماذا لا تزيديهم مائة"!

 

نعم.. شخوصي الخيالية.. أولا أزعم أني كاتبة! وهكذا هم الكتاب، في تصور البعض، غريبي الأطوار يحدثون الهواء على أنه شخص ما، يسهرون طوال الليل، وبعقولهم مس من جنون!

 

والكاتبة هي امرأة مهمومة بالحب، أوراقها شراشف لمسح دموع العشق وآهاته أو التمرد على المجتمع الذي طحنها وقهرها وإبداعها كله يتمحور حول رجل.

 

على الرغم من أنه بمنظوري الشخصي لا عيب إن كتب كاتب أو كاتبة عن الحب فقط.

فليكتب كل ما يشاء، كما أراد وبطريقته. 

 

المهم أن نكتب....

فلنعد إذا للعبارة الميلودرامية المٌهوِلة "بدت المدينة لي كمحل خريف لا ينتهي"

 

لا يمكن أن أكتب عن هذا، لقد كتبت تلك الفكرة من قبل.. الكاتبة التي صمتت عن الكتابة، والسبب بالطبع كان "رجل"

فكان نص مجازي بالكامل، به من العبارات الموحية ما لا يمكن اغفاله والبطل والبطلة بدون أسماء والقصص الصغيرة متتالية، لكنه اختصر بأكمله بالنسبة للبعض في البحث عن هوية رجل!

لعنة الله على المتوحشين والأحكام المسبقة!

 

نقار الخشب يؤمن على لعناتي بثلاث دقات متتالية قبل ان أصيح به بصوت عالي، "أنا أكتب"

لكني لا أكتب حقا..

 

أنت تكتب لكن كتابتك لا تكتمل سوى بالتجميع والمراجعة والتدقيق.  كتابة غير مكتملة كباب البيت الأخضر هذا، هو لم يزل بابا، غير مكسور ويحمل خلفه حكايات، لكنك غير مستعد بعد لدعوة أحد كي يطرقه، بشكله الغريب ذاك بقطعه الناقصة والقطع الأخرى المرقعة.

 

حياتي الشخصية بقسوتها وتلاحق أحداثها، مثل نقار الخشب، ماكرة وسارقة لقطع لازمة كي يكتمل الباب المولج للحكاية.

والهجرة تجربة صعبة وفريدة في أثرها.

 

ينصحني صديق أن أنشئ مدونة عن تجربة الهجرة والعزلة، وأن أستغل موهبتي بالكتابة كي أخلق تفاعلا بيني وبين آخرين من خلالها، فأفيد آخرين وأهون على نفسي قسوة الانعزال وأمارس كتابتي على هيئة مذكرات.

 

تضحك الكتابة ساخرة، ضحكات عالية تستفزني، فهي تعرف أن المذكرات هي أقل صورها اشباعا لنهمي. 

 

الكتابة، عشقي الحقيقي والأبدي، تعرفني حق المعرفة، تعرف أني لا أكتب فقط من وحي الشعور.. لم يكن أبدا الدافع أن أكتب نفسي، ولو كان.. لملأت الأوراق حكايات قد لا تُصدق.

 

ربما لو لم يمنحني أبي صوتي، ولو لم تمنحني أمي العطف، ولم يهبني الرب البصيرة، لو لم أملأ الدنيا صخبا وضجيجا.. لو لم أقل كل شيء، وأفعل كل شيء، لبقي في حلقي بعض الكلمات المكتومة.. عني.

 

لو لم أحب بعزم ما في.. أو لم أهجر كمن يطوح الرماد ببحر.. لو لم أمارس العشق كحرة أو لم أحزن كمن لم ير ضياء أو لم أفرح كمن لم يذق فقد.

 لو لم أكن قد كتبت بصحائف عمري كل ما استطعت كتابته، لأغوتني بالبوح عن ذاتي رواية.  لكني لم أدخر للأوراق شيء، أنا التي تعيش بحق وتكتب ما أرادت على مآقيهم وبقلوبهم.

 

أمثالي لا يكتبون عن أنفسهم، أمثالي يُكتب عنهم ولو بعد حين! مثلما أكتب أنا عن آخرين.

فالحياة أكبر مني ومن حكاياتي الشخصية، والعمر قصير جدا، وأنا نهمة كطفلة تتأرجح بين متعة المعرفة ولذة الدهشة ولا تكتفي.

 

أعاند الكتابة العصية وأعاند نفسي وأجلس على المكتب الأسود، بحجرة الشمس، كما نسميها لكونها امتداد للبيت مطل بأبواب زجاجية كاشفة للحديقة الخلفية للمنزل.

حجرتي التي أوصت بها "فيرجينيا ولف" كل كاتبة وهي وصية تلزم كل مبدع. 

 

كل ما يلزمني هنا، الهدوء، الأوراق والقلم والحاسوب ولوحة المفاتيح الخاصة بي التي أحضرتها معي من مصر ولا أستخدم سواها للكتابة.

 

طيف الكتابة حولي بمكان ما، يرقبني، ليُشهدني على نفسي, على أني لن أقنع بالذاتية ولن أنشر شيئا عما أمر به.

 

أهز كتفي باستهانة مصطنعة وأقول لزوجي، "ما الضرر أني لم أنشر رواية أخرى بعد! أنا لست بممثلة يجب أن تملأ الشاشات بحضورها كيلا تُنسى، أنا كاتبة والكاتب مفكر، وإن لم يكن عنده ما يستحق أن يقال فالأحرى به أن يصمت"

لا يصدق على كلامي ويرد على بكلمة واحدة "اكتبي"

 

وهل عرفني عاقل، ذكر كان أم أنثى ولم ينصحني بالكتابة!

 

لكن في هذا المنفى الاختياري الذي لا أخالط فيه أحد، صعبت علي المواظبة على الكتابة، لثاني مرة بعمري، فعرفت معنى السأم.

 أنا التي منحتها المُتعة عهدا، أن تصير كل نشوة وكأنها الأولى، وكل وداع وكأنه الأخير.  أعرف السأم لأول مرة، ويتخللني كضباب حل بمدينة الشمس بعد مباغتة سحاب.

 

تعرف الكتابة أني أكتب من وحي الفكرة، لذا عندما زارني الموت واضطربت الأفكار، اعتزلتني الكتابة حتى تستقر.

تعرف الكتابة أني اكتب الآخرين وأني مولعة بحكاياتهم، لذا عندما عُزلت عن البشر، وتجرعت مرارة العزلة، اعتزلتني الكتابة للمرة الثانية.

 

وعندها صار للأيام بدايات ونهايات، وصار اليوم مجرد معبر ليوم آخر، وأنا أقرأ واكتب و أدرس وأتابع حوارات ومسلسلات وبرامج، كي أقتل الصمت الذي علق بظل وحدتي وأنا أتجول بين أركان البيت الخالي الكبير.

 

الأصوات ترافقني، عبر الأثير ومن خلال شاشات، لكن الصوت الوحيد الذي يملئني بحق قد خفت لدرجة قاتلة.

من رحمة الرب بي أن شخوص خيالي لم ترافق الكتابة في رحلة العصيان تلك، لقد ظلت معي تؤنسني.  وإن كانت لا تُحادثني كما يتوهم البعض. الكاتب لا يحادث الهواء ولا يرى غير مرئي كمتجسد حي، أو على الأقل لا أفعل أنا!

لكنهم بعقلي وتفاصيلهم تملأ وجداني.  الحكايات التي تخرج للورق بهية، بالقلب مطوية كذكرى قديمة يستدعيها القلم.

لكني قد نحيت كتابة القصص جانبا وكأنما استدراك الكتابة هين، أستحضره بأطراف أناملي عندما أريد!

لكن الكتابة لم تكن أبدا هينة ولا لهوا

وعندما استقر في وعيي أن الكتابة هي جزء لا يتجزأ مني، مثل انسانيتي، مثل ملامحي.

استهنت بتواجدها كأمر مسلم به, فردت لي الاستخفاف بالصمت وتجسدت لي الوحشة في أبشع صورها، ببيت قديم صغير بابه أخضر بمدينة الربيع الفضي البعيدة عن كل ما آلفت

أتحايل علي الوقت بالصبر وأضيف المداد لأداة الكاتب الأهم، عقلي، وأجول بين أفكار آخرين لسانهم غريب عن لساني، وأنتظر حلول ربيعي الوردي الأجمل.

 

فأنا أحب كوني امرأة كاتبة، ولا آبه كثيرا بأثر هذا على تقييم كتابتي، لكني أحتقر ذلك المنظور المجحف و من حقي مهاجمته إن تسنى لي الوقت.

لقد عشت قناعاتي كتبت عنها أم لم أكتب، لكن تلك ليست هي الحكاية التي أريد أن أكتبها، ولا أبغي كتابة الحب الذي أؤمن به كدين إنساني عظيم، ولا عن تساؤل الفتاة الصغيرة للقمر.

إني أريد الكتابة عن كل تلك الأشياء ممتزجة.

فالحياة تصير محتملة بالفن، كتابة كان أم رسما أم لحنا أم أي صورة كان. 

 

وتظل الحقيقة التي يعرفها كل من عشق ممارسة الكتابة، هي أننا نتخطى حدود جنسنا وهويتنا عندما نكتب، لنصير مجرد ذرات في تبر إنساني عالمي، ينثره كل من فتح دفتي كتاب ليقرأ، فيستقر بوعي أخر بزمان آخر، بمكان آخر.. بعيد كل البعد عن موقع ذواتنا الشخصية.

 

وأنا أكتب اليوم من مدينة تبدو ترجمة اسمها شاعريا للغاية بالنسبة لي، لكني لا أعرف من أي مدينة سأكتب غدا، المهم أن أكتب وأن أفتح أبواب حكاياتي للعالم، دون استثناء.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائية مصرية مقيمة بأمريكا ـ صدر لها رواية "عتق" عن دار دوّن 2011 

 

 

 

إقرأ المزيد...