wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

السبت, 31 مارس 2018 20:25

الكوميديا النقدية.. القرّاء كأبناء شرعيين (3)

كتبه

ممدوح رزق

لكن الممارسات التطبيقية ـ بوصفها الأقرب ربما والأكثر تداخلا مع وعي القراء وتدويناتهم ـ ليست وحدها ميدان "الأبوة النقدية" بل تنشط هستيريا هذه السلطة أمام ظواهر وأحداث تمثل تهديدًا أو مجابهة لمرجعياتهم.

كان حصول "بوب ديلان" مثلا على جائزة نوبل للآداب عام 2016 من أكثر اللحظات قسوة على هؤلاء النقاد، ومن أكثر المواقف الكاشفة للجذور الثقافية الصلبة التي تحدثت عنها في المقال السابق باعتبارها محرّكًا ثابتًا لهوس الهيمنة المعرفية لديهم؛ فلم يكن من الصعب أن يتم رصد ذلك الناقد الذي بُنيت سمعته أو قام رصيده في الحياة النقدية على الإدانة، وتوزيع الصواب والخطأ، أو على إعادة تدوير عقيمة لتراث جسيم من التناسخات الهامدة، وقد تحوّل إلى نفس "القارئ العادي" الذي طالما هاجم ذائقته، وشجب انحيازاته، ليدخل في سباق هزلي مع نقاد و"مثقفين" آخرين لاسترداد "القيمة المهدرة" عبر السخرية "اللزجة" من فوز "مغني" بجائزة نوبل .. كانت فرصة أيضًا هناك من أراد استغلالها، حتى لو لم يسبق له قراءة بوب ديلان من أجل الحصول على هذه "القيمة" التي يؤمن تمامًا أنها تنقصه، في حين أن إيمانه بها هو ما يجبره على محاولة تعويضها بهذه الصورة التعيسة .. ليس النص وحده هو الذي يفضح إذن الوهم الفاصل بين الناقد، ومن يُسمى بـ "القارئ العادي" بل يمكن لحدث معين أن يجعل ناقدًا ما يعتبر نفسه أكثر "ثقافة"، و"علمًا" من شخص آخر أن يتصرف تمامًا، ودون أدنى مغايرة مثلما يتصرف هذا الشخص الآخر. أن يُعري هذا الحدث ادعاءاته بكونه مختلفًا. يمكن لموقف ما أن يسوق أحد النقاد، وأن يُجبر استجابته على التجسّد بالضبط كأنما يقول: "لن أقدر أن أراجع أو أن أفكر في الانحياز النخبوي الذي يسيطر على أحكامي. لا أستطيع أن أجادل المبادئ الرجعية، أو أن أتحدى التصنيفات والتراتبيات الثقافية والأدبية والفنية الصدئة التي شكّلت ذاكرتي، وحددت وعيي .. لا يمكنني أن أقبل أو أستوعب التحولات التي قوّضت الأنظمة الطبقية القديمة، المحتقرة لما تم الاعتياد على تسميته بـ "التفضيلات الجماهيرية" .. المتغيرات التي خلخلت المعايير القيمية المتعسفة، والتي تتعمّد إقصاء ما يُطلق عليه "الذوق الشعبي" .. ليس بوسعي أن أتجاوز طغيان المفاهيم لصالح التجاور والتعدد والتشابك وتذويب الحدود الأزلية المصطنعة .. أريد أن أكون كما أنا، وأن أدافع عن هذا الإيمان، وأن أظل أحارب من أجله .. أريد أن أستمر في محاولة جعل الآخرين مثلي، وأن أعاقب من يرفض أن يكون كذلك بأي شكل ممكن .. لا يعنيني أن بوب ديلان شاعر، وأنه مُنح جائزة نوبل لقصائده .. هو مُغَنٍ فقط .. مجرد مُغَنٍ".

هناك قراء عُرف عنهم حبهم لأشعار بوب ديلان؛ إذ كانوا دائمي الإشارة لسيرته الإبداعية، ونشر الاقتباسات من قصائده على صفحات التواصل الاجتماعي .. هؤلاء أنفسهم لم يستوعبوا أن بوب ديلان قد فاز بجائزة نوبل .. لم يفهموا لماذا فاز بهذه الجائزة التي لا تعنيني الآن في حد ذاتها .. لم يتقبلوا فكرة أن يفوز بوب ديلان بنوبل في مقابل أسماء أخرى ـ أكثر أهمية ـ يتم ترشيحها كل عام ولا تحصل عليها .. إن ما حدد (الأهمية) لدى هؤلاء القراء ـ ومنهم من ساهم في فقرات السخرية ضد فوز بوب ديلان ـ هو نفسه ما كرّس للانحياز النخبوي عند هؤلاء النقاد .. أن تحب بوب ديلان شيء، وأن يفوز بجائزة كان يستحقها "هاروكي موراكامي" أمر آخر .. يمكن لكل هؤلاء النقاد والقراء أن يستخدموا في هذا الصدد كلمات شائعة أقرب إلى اللافتات التحذيرية الضخمة سهلة الاستدعاء: المعنى ـ الثقافة ـ العمق، لكن الأمر لا يتعلق بهذه المفردات التقليدية المائعة بل بالأسباب المتراكمة التي جعلت كلمة مثل (المعنى) تفقد أهميتها أو تكتسب منزلة أقل حينما نتحدث عن أشعار بوب ديلان .. بالدوافع المتكاثرة التي أعطت لكلمة "الثقافة" حقيقة حاسمة قررت ـ كإجراء منطقي ـ وضع بوب ديلان في مكانة أدنى من كاتب آخر .. بالبديهيات المكدسة التي منحت كلمة (العمق) وظيفة عنصرية، جعلت قصائد "بوب ديلان" بالضرورة في مستوى أقرب للسطح من أعمال كاتب آخر. .. الأمر يتعلق بمحاكمة ما يسبق الهيمنة، بتشريح ما قبل (المعرفة)، وتفكيك المسارات التي تكفلت بإنتاج وترسيخ هذه (الأبوة).

هناك زيف هائل ومسيطر وراء ما يُسمى بالفجوة بين الناقد والقارئ .. أتحدث عن الناقد الغاضب، المروّض، المقدِس لليقينيات الثقافية والأخلاقية والجمالية، والقارئ اللامبالي، المدجّن، المقدِس لنفس اليقينيات، ودائم التطلع من وراء لامبالاته نحو هؤلاء النقاد كي يجدد ثقته دائمًا في كونه على صواب مثلهم.

ممدوح رزق

كاتب وناقد مصري. صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة. حصل على جوائز عديدة في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي. ترجمت نصوصه إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.

صدر له:

ـ إثر حادث أليم / رواية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة إبداعات قصصية) 2017

ـ خيال التأويل / قراءات نقدية ـ مؤسسة نور نشر الألمانية 2017

ـ هل تؤمن بالأشباح؟ / قراءات في كلاسيكيات القصة القصيرة ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2017

ـ هفوات صغيرة لمغيّر العالم / قصص قصيرة ـ منشورات بتانة 2017

ـ خيانة الأثر / الدراسة الفائزة بجائزة المقال النقدي بالمسابقة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة 2016 ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2016

ـ عتبات المحو / مقالات في النقد التطبيقي ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2016

ـ دون أن يصل إلى الأورجازم الأخير / قصص قصيرة ـ مؤسسة المعبر للثقافة والإعلام 2015

ـ بعد صراع طويل مع المرض / شعر ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2015

ـ فأر يحتفل بخطاب الحقيقة / مسرحية ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2015

ـ الفشل في النوم مع السيدة نون/ رواية ـ دار الحضارة للنشر 2014

ـ مكان جيد لسلحفاة محنطة / مجموعة قصصية ـ سلسلة حروف (الهيئة العامة لقصور الثقافة) 2013

ـ الخبراء في الحياة / مسرحية من فصل واحد ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2013

ـ عداء النص / مقالات نقدية ـ دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني 2013

ـ صندوق الذكريات / مجموعة قصصية للأطفال ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2013

ـ خلق الموتى / رواية ـ سلسلة إبداع الحرية 2012

ـ قبل القيامة بقليل / مجموعة قصصية ـ دار عرب للنشروالتوزيع 2011

ـ سوبر ماريو / رواية ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2010

ـ بعد كل إغماءة ناقصة / نصوص ـ دار المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات 2009

ـ السيء في الأمر / نصوص ـ دار أكتب للنشر والتوزيع 2008

ـ رعشة أصابعه .. روح دعابة لم تكن كافية لتصديق مزحة / نصوص ـ مكتبة معابر الإلكترونية 2004

ـ جسد باتجاه نافذة مغلقة / مجموعة قصصية ـ سلسلة أدب الجماهير 2001

ـ احتقان / مجموعة قصصية ـ سلسلة إبداعات (الهيئة العامة لقصور الثقافة) 2001

ـ انفلات مصاحب لأشياء بعيدة / مجموعة قصصية ـ مطبوعات إقليم شرق الدلتا (الهيئة العامة لقصور الثقافة) 1998

 

mamdouhrizk0.blogspot.com.eg/