wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الثلاثاء, 11 أغسطس 2015 00:00

فضيلة الزمن الشخصي

كتبه

في قصة (ديمتريو) لـ (خوليو رامون ريبيرو)، ترجمة (نادية جمال الدين) يتحدث (ماريوس كارلن) عن صديقه الروائي (ديمتريو فان فاجن) الذي ترك يوميات تُنسب للسنوات الثماني التالية لموته .. قال (ماريوس) أن (ديمتريو) توفى بطريقة غامضة في حانة، وأنه تتبع التواريخ المستقبلية المُدونة بدقة في المذكرات للتأكد من صحة أحداثها وفقاُ لـ (ديمتريو) فاكتشف أنه لم يخطىء أبداً...

(عند ذلك ازدادت حيرتي، كما أن النتائج التي أمكنني استخلاصها كانت قليلة. فواضح أن ديميتريو قد توفى في 2 يناير عام 1945 ولكن المؤكد أيضا أنه في عام 1948 حضر مراسم دفن ارنستو بانكلوس وأنه في عام 1949 كان بالمتحف الوطني بأوسلو، وفي عام 1951 تعرف على ماريون في فريمان ورزق منها بطفل. لقد تم التحقق من كل ذلك بالفعل).
ثم نقرأ تفسير (ماريوس كارلن) للنتائج التي أسفرت عنها تحرياته:
(إن دوامنا الداخلي لا يمكن تعريفه ولا قياسه ولا تأجيله. فمن السهل أن نعيش أياما في دقائق والعكس، دقائق في أسابيع. فكما هو معلوم أن حالات ظواهر التنويم المغناطيسي كثيرة أو حالات شدة الإثارة أو النشوة التي يسببها الحب أو الخوف أو الموسيقي أو الحمى أو المخدر أو التدين الشديد، ولكن ما لا أستطيع إدراكه هو كيف ينتقل هذا الدوام الداخلي إلي حيز الفعل، وكيف يتوافق زمن كل فرد منا مع الزمن الشمسي؟ إن التفكير في أكثر من شيء خلال الثانية الواحدة أمر معتاد ولكن الأكثر تعقيدا هو القيام بذلك في المدة نفسها.
والمؤكد أن ديمتريو فان فاجن قد قام بأشياء كثيرة خلال زمنه الشخصي، وهي أشياء لم تتم في الزمن الحقيقي إلا فيما بعد. كما أن هناك أشياء كثيرة فعلها وما زالت لم تتحقق بعد. فنجده مثلا يصف في العام 1954 رحلة إلى الهيمالايا يفقد خلالها أذنه اليسرى نتيجة التجمد. أو دون أن نبتعد كثيرا، يشير إلى اليوم وهو العاشر من نوفمبر من عام 1953 إلى قيامه بزيارة لبيتي. وهو ما لم يحدث بالطبع لا في زمني ولا في الزمن الشمسي. ولكن اليوم لم ينته بعد وكل شيء محتمل الحدوث. فهو لم يحدد في يومياته الساعة، كما أنها لم تشر بعد إلى الثانية عشرة ليلا. أو لعله قد أجل الزيارة دون تدوين هذا في يومياته.
مازالت هناك دقيقة باقية. أقر بالشعور بنفاذ صبري بعض الشيء حتى أن ربع الساعة الشمسي الذي استغرقته كتابة هذه الصفحات قد بدا لي طويلا بلا حدود. ولكن لا يمكنني بالطبع أن أخطىء، فأحد ما يصعد الدرج. خطوات تقترب. ساعتي تشير إلى الثانية عشرة ليلا. طرق على الباب. إنه ديميتريو، هنا).
إن ما يحكم القصة في اعتقادي ليست علاقة الروائي الميت بيومياته مثلما يبدو للوهلة الأولي بل ما تمثله تلك اليوميات لصديق الراوي الذي يحاول تفسيرها .. كأن (ماريوس كارلن) يستخدم المذكرات المستقبلية التي تركها صديقه (ديمتريو فان فاجن) للإشارة إلى أرق ذاتي بتغييب الموت .. إن اليوميات تضمن للراوي البقاء حياً على الأقل حتى زيارة الروائي الميت إلى بيته، وبذلك فإن القصة يتركز همها الأساسي على هاجس الخلود عند الصديق، أو سعادة الحصول على تأكيد ـ حتي لو كان قائماً على أدلة غامضة ـ لاستمرار وجوده في العالم إلى وقت معلوم .. في ضوء ما سبق سيتحوّل اللقاء في نهاية القصة بين (ماريوس كارلن) و(ديمتريو فان فاجن) إلى معجزة خلاص حقيقية تضع حداً للموت، فهي لا تثبت فقط وضعيتك ككائن على قيد الحياة في تلك اللحظة بل تجعل من إمكانية مواصلة الحياة ـ فعلياً ـ بعد وفاتك شيئاً عادياً يمكن تحقيقه .. لكن على جانب آخر فإن محاولة صديق الروائي تفسير صحة المذكرات المستقبلية، وإرجاعها إلى سهولة أن نعيش أياماً في دقائق، ودقائق فيأسابيع، وأن (ديمتريو) قد قام بأشياء كثيرة في الزمن الشخصي لم تتم في الزمن الحقيقي إلا فيما بعد بكيفية مجهولة؛ في محاولة التفسير هذه إلهام يتجاوز الروائي الميت وصديقه، واليوميات .. إنها تحريض على التمعّن في الوجهين النمطيين للحياة والموت بصورة عكسية .. ما يبدو أنه كان ـ ظاهرياً ـ الحياة هو في الواقع لم يكن سوى الموت، أما (الخيال) فهو الجزء الحي الوحيد في هذا الموت .. الجزء الخالد، الذي ـ ربما كنوع من التحرر ـ يتحوّل إلى واقع أبدي حين ينقلب الموت إلى حياة غائبة عن العالم .. لقاء (ديمتريو) هو إذن وصول أمنية (ماريوس) في التعرّف على الحياة الحقيقية إلى حيز التنفيذ.

نُشرت هذه القصة ضمن مجموعة (يوم مثالي لمشاهدة الكنجارو) الصادرة عن سلسلة (كتاب العربي)، وهي مجموعة مميزة أنصح بقراءتها.

تحميل المجموعة

http://www.arabcafe.net/2014/07/09/blog-post_2107/

ممدوح رزق

كاتب وناقد مصري. صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة. حصل على جوائز عديدة في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي. ترجمت نصوصه إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.

صدر له:

ـ إثر حادث أليم / رواية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة إبداعات قصصية) 2017

ـ خيال التأويل / قراءات نقدية ـ مؤسسة نور نشر الألمانية 2017

ـ هل تؤمن بالأشباح؟ / قراءات في كلاسيكيات القصة القصيرة ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2017

ـ هفوات صغيرة لمغيّر العالم / قصص قصيرة ـ منشورات بتانة 2017

ـ خيانة الأثر / الدراسة الفائزة بجائزة المقال النقدي بالمسابقة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة 2016 ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2016

ـ عتبات المحو / مقالات في النقد التطبيقي ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2016

ـ دون أن يصل إلى الأورجازم الأخير / قصص قصيرة ـ مؤسسة المعبر للثقافة والإعلام 2015

ـ بعد صراع طويل مع المرض / شعر ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2015

ـ فأر يحتفل بخطاب الحقيقة / مسرحية ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2015

ـ الفشل في النوم مع السيدة نون/ رواية ـ دار الحضارة للنشر 2014

ـ مكان جيد لسلحفاة محنطة / مجموعة قصصية ـ سلسلة حروف (الهيئة العامة لقصور الثقافة) 2013

ـ الخبراء في الحياة / مسرحية من فصل واحد ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2013

ـ عداء النص / مقالات نقدية ـ دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني 2013

ـ صندوق الذكريات / مجموعة قصصية للأطفال ـ دار عرب للنشر والتوزيع 2013

ـ خلق الموتى / رواية ـ سلسلة إبداع الحرية 2012

ـ قبل القيامة بقليل / مجموعة قصصية ـ دار عرب للنشروالتوزيع 2011

ـ سوبر ماريو / رواية ـ دار ميتا للنشر والتوزيع 2010

ـ بعد كل إغماءة ناقصة / نصوص ـ دار المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات 2009

ـ السيء في الأمر / نصوص ـ دار أكتب للنشر والتوزيع 2008

ـ رعشة أصابعه .. روح دعابة لم تكن كافية لتصديق مزحة / نصوص ـ مكتبة معابر الإلكترونية 2004

ـ جسد باتجاه نافذة مغلقة / مجموعة قصصية ـ سلسلة أدب الجماهير 2001

ـ احتقان / مجموعة قصصية ـ سلسلة إبداعات (الهيئة العامة لقصور الثقافة) 2001

ـ انفلات مصاحب لأشياء بعيدة / مجموعة قصصية ـ مطبوعات إقليم شرق الدلتا (الهيئة العامة لقصور الثقافة) 1998

 

mamdouhrizk0.blogspot.com.eg/
المزيد في هذه الفئة : « الوحشة الحرب »