wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

خالد عبد العزيز

خالد عبد العزيز

قاص وناقد مصري صدر له: الطفل الذي طار على جناح فراشة ـ مجموعة قصصية ـ روافد

حذاء فيلليني .. ثنائية الضحية والجلاد

خالد عبد العزيز

نادرة هي الرويات التي تستحوذ على عقل قارئها، تجعله يلهث وراء الأحداث، وتظل شخصياتها ماثلة في الذهن لفترة ليست هينة. من فرط حيوية الأشخاص تشعر أنهم خرجوا من الكتاب يحاوروك، وأنت تحاول اثناءهم عن مصيرهم الذي ينساقون وراءه، وأحياناً يتركونك وحيداً، لا يبقى من أثر تلك المحاورات سوى طرطشات دم أو .. قبعة معلقة على الحائط، أنت بالتأكيد تعرف إلى من تنتمي.  

إقرأ المزيد...

قبل زحمة الصيف .. السهل المُمتنع

يُمثل فيلم قبل زحمة الصيف للمخرج الكبير محمد خان تجربة مُغايرة عن أفلامه السابقة، فأغلب أعمال خان تتبلور داخل مدينته الأثيرة القاهرة، و نادرا ً ما خرج خارج حدودها، هنا في تجربته الجديدة يأخذ المُتفرج في نزهة للساحل الشمالي مُتتبعًا حكايات شخصياته التي لم تتعد أصابع اليد الواحدة، فلكل منهم حكايته الخاصة و همومه التي آتى من المدينة أما لينساها أو ليأخذ هدنة من التفكير فيها .

تدور الأحداث في قرية سياحية حيث يقضي الدكتور يحيى (ماجد الكدواني) إجازته برفقة زوجته الدكتورة ماجدة (لانا مشتاق)  التي سيتضح بعد ذلك أن إجازته ما هي ألا هروب من الأزمة التي يواجهها في عمله و تتحدث عنها الصحف اليومية! تصل المترجمة مدام هالة (هنا شيحة) للقرية لقضاء عطلتها هي الأخرى ثم نكتشف أنها تنتظر صديقها (هاني المتناوي) وعلى الجانب الآخر جمعة (أحمد داوود) الذي يرقب الحياه في القرية بعين آخرى تُشكل زاوية مُغايرة للسرد و يُمكن أن تُحيلنا إلى نقطة آخرى و هي الفوارق الطبقية .

رسم الشخصيات و أبعادها الذاتية

المُلفت في الفيلم أن عدد الشخصيات يبدو قليلًا، لكن أبعاد الشخصيات بجوانبها النفسية و تعقيداتها جعل التناول زخمًا  للغاية، و بدت العلاقات بينهم مُتشابكة و ثرية .

شخصية الدكتور يحيى : هارب من الأزمة التي تواجه المستشفى التي يملكها بعد وفاة أحدى المرضى ، ونجده ينسى تلك الهموم بحبه للأكل أو باستكتشاف الجارة الجديدة "مدام هالة". أما على الصعيد الداخلي في علاقته مع زوجته الدكتورة ماجدة فلعلاقتهما يكتنفها العديد من الاضطرابات، فكل مُنهما يبدو وكأنه يعيش في عالم منفرد بذاته. ماجدة التي تكاد لا تطيق يحيى بسبب ما وصفته بـ "فضائحه" في إشارة إلى  أزمة المستشفي التي يواجهها لاعتماده على الأطباء حديثي التخرج الذين يعملون بدون تدريب كافٍ، والأهم فضائحه الآخرى وهي علاقاته التي يبحث فيها عن رفقة بديلا عن ماجدة .

الدكتورة ماجدة: زوجة الدكتور يحيى تبدو مُنعزلة عنه وغارقة في النظام الغذائي والتأملي الذي تُمارسه بصفة دائمة، تبتعد عن يحيى بشكل كامل، تشعر بتفردها عن الآخرين، فأثناء مشهد العشاء الذي يجمعها مع هالة ويحيى نجدها تفتخر بأنها من أوائل من امتلكوا شاليهات في القرية السياحية ، فالشاليه صف أول . رغم ما تبدو عليه شخصيتها أنها تعيش في واد مُنفرد، ألا انها تحمل حنينًا  لأبنها الذي يدرس في الخارج بعد أن زهق من تصرفات والده يحيى على حد قولها، كما أنها لاتزال تكن ليحيى بعض من محبة وتتضح هذه المحبة من خلال مشهدين غاية في الروعة . المشهد الأول يدخل يحيى الحجرة أثناء نومها و يلقي نظرة جائعة لجسدها، ثم يخطو للخلف خارجا ً من الحجرة، فتلتفت له ماجدة مُمسكة بيده أن ينتظر . المشهد الآخر حينما تفتح اللاب توب الخاص بيحيى لتكتشف أنه يحوي صورا ً إباحية، فتنهمر دموعها لاكتشافها مدى تدهور العلاقة بينهما بسبب بُعدها عنه .

مدام هالة: مترجمة مطلقة تذهب للقرية السياحية بحثا ً عن الهدوء ولانتظار صديقها الممثل المغمور الذي سيزورها، وكأنها تود أن تهنأ بعض الشئ بعيدا ً عن صخب أولادها برفقة صديقها، الذي يتضح أن علاقته بها براجماتية فقط لقضاء وقت لطيف، دون أن يتخذ خطوة إيجابية.

جمعة: الشاب الذي يعمل محل شقيقه الذي ذهب في إجازة ليتزوج، يُمثل جمعة رؤية مختلفة عن باقي السكان، فهو ينظر لهم نظرة هي مزيج من التمني و الحقد ، قد يبدو وكأنه نقي بأعتباره قادم من الريف "خام" لكنه أيضا ً أنه يحوي شرا ً كأي طبيعة بشرية تحوي النقيضين. و يتجلى هذا الشر في تحريره للببغاء من القفص لتأكله القطط بعد ذلك . أما على مستوى علاقته بهالة فتُعد علاقتة مُعقدة للغاية ، فنظراته توحي برغبته، وهي بالتأكيد لا تدرك ذلك أو تتغاضى عنه بسبب الفوارق الطبقية ، يصل الوله بجمعة أن يحتفظ بعلبة سجائرها التي نسيتها على الشاطئ بعد حادثة الغرق، أو إمساكه للمايوه وتأمله له بنظرات حالمة .

التصوير و الرمزية في التعبير

كعادة محمد خان يُشكل تكوينات بصرية بالغة الرهافة، تَعمل على اثارة عقل المُتفرج للبحث عن دلالتها في تكوين المشهد .و يحوي الفيلم على العديد من هذه المشاهد منها :

المشهد الخاص بدخول الدكتور يحيى لحجرة النوم ليجد زوجته نائمة، فتستيقظ فجأة لتسأله عن وجوده، ثم يقطع المخرج اللقطة على صورة أبنهما وكأنها تُذكره بأن له ابن، وكأنه يقف حاجزا ً بينهما .

النوافذ وعلاقتها بالشخصيات، في الفن التشكيلي يبرز اسم "ادوارد هوبر" لأنه عبر عن شخصياته من خلال اطار النافذة الذي يبدو وكأنه يُمثل حدود هذه الشخصات. هنا تبدو النوافذ و كأنها تُمثل حدودا ً أيضا ً لا يُمكن تجاوزها ، مثل المشهد الذي يجمع جمعة بمدام هالة حيث ساعدها للوصول للشاليه بعد أن سقطت على الأرض فتدخل حجرتها و تُغلق النافذة و تلقي بجسدها على الفراش و تبكي، يقف جمعة يُتابعها بشغف، فتبدو النافذة وكأنها حاجز يمنع اللقاء بينهما ، فلا يبقى له سوى الخيال الذي يُحلق به حيث يتمنى .

مشهد آخر تتجلى فيه فلسفة النوافذ، بعد العشاء الذي جمع يحيى و ماجدة وهالة، تتشاجر ماجدة مع يحيى بعد أن تكتشف أن القطط أكلت الببغاء، فتطرد يحيى خارج الشاليه و يقف وراء النافذة يطرق بيده عليها يستجدي ماجدة أن تفتح له و تسامحه، هنا النافذة تبدو وكأنها حاجزا ً أو حدا ً قد لا يتمكن يحيى من عبوره في لافتة ذكية لتفاقم المشاكل بينهما و أن العلاقة يشوبها حواجز تمنع توافقهما مرة آخرى .

كلمة أخيرة

أهم مكسب في الفيلم هو آداء هنا شيحة المختلف عن كل أدوارها السابقة، فقد أُعاد خان أكتشافها مرة آخرى و قدمها في ثوب الآغراء، ونجحت إلى حد بعيد في التعبير عن الشخصية وصراعها سواء الخارجي أو النفسي . و أيضا ً آداء الذي أتسم أحمد داوود بالتلقائية و بساطة في الآداء .

قبل زحمة الصيف تجربة محمد خان الجديدة التي قدم فيها توليفة مُبهرة من البحر والرمال التي تركض عليها مشاكل وهموم شخصياته، اجتمعت مصادفة  قبل زحمة الصيف .. تُرى هل ستنتهي أزماتهم أم يبقى الوضع على ما هو عليه؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 نشر بجريدة القاهرة المصرية 

إقرأ المزيد...

نوّارة .. نقطة مضيئة في نفق معتم!

يبدو ظاهريا ًمن فيلم "نوارة" – تأليف وإخراج هالة خليل ــ وكأنه يرصد حكاية تلك الفتاه ومعاناتها، لكنه مع قليل من التبصر سيدُرك المشاهد أن هَم صناعه لم ينصب على نوارة وحدها، بل وكأنه شهادة عن شريحة من المجتمع ليست هينة عانت الكثير من التهميش والفقر.

السرد والبناء

تدور أحداث الفيلم حول نوارة الفتاه التي تًعمل كخادمة في فيلا الوزير السابق أسامة (محمود حميدة) في إحدى الكمبوندات المُنعزلة تماما ًعن القاهرة، ترتبط بقصة حب مع علي (أمير صلاح الدين) منذ خمس سنوات ولم يتزوجا بعد، لعدم قدرتهما على شراء أو استئجار شقة الزوجية.

اختارت المخرجة أن يكون زمن الأحداث بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011، تلك الفترة التي عانى الجميع فيها من التخبط بدءا ًمن السلطة التي تُدير البلاد آنذاك وحتى أصغر مواطن، مما أنعكس بالضرورة على الشخصيات، فكل منهم يُعاني حالة من التشتت، مثلا ً شاهندة زوجة الوزير (شيرين رضا) ترغب في السفر للخارج للحاق بابنها وتشعر بعدم الأمان في ظل الأوضاع الجديدة، والعكس تماما ً الوزير أسامة زوجها نجده لا يهمه أحد ويجلس وحيدا ً يُتابع التليفزيون أو يقضي وقته في حمام السباحة، أما على الجانب الآخر نجد علي الذي لا يجد نقودا ً تكفي لعلاج والده، ولا يقدر على الزواج من نوارة. ويتأثر عمله بالظروف التي تمر بها البلد.

يُمكننا تقسيم الفيلم إلى عالمين لا ثالث لهما، العالم الأول نوارة وعلي وتوحة (رجاء حسين) جَدة نوارة، وأهل علي النوبيين، وحياة قطاع كبير من المصريين تحت خط الفقر. أما العالم الثاني فيلا الوزير أسامة الذي يَعيش هو وأسرته داخل ما يُمكن أن نطلق عليه يوتوبيا. لا يتقاطع أو يتقابل العالمان ألا من خلال نوارة، التي تبدو وكأنها الحلقة التي تربط العالمين ببعضهما البعض.

العناصر الفنية

لا شك أن هالة خليل مخرجة موهوبة، لديها بصمتها ورؤيتها التي سَعت في فيلميها السابقين (أحلى الأوقات، قص ولزق) إلى إبرازها وبلورتها في قالب فني، تلك الرؤية التي تَعني بالإنسان في المقام الأول. وهي تستكمل في نوارة مشروعها، في التعبير عن الإنسان وهمومه، هذه المرة التعبير عن الفقراء في ظل فترة تاريخية عصيبة، وأعتقد أنها وفقت في اختيارها الفترة الزمنية، ربيع 2011 في الفترة التي كثر الحديث فيها عن استعادة الأموال المهربة، ووصل اللغط فيها إلى اعتقاد البعض بأنه سيتم توزيع هذه الأموال على الشعب، فنجد في إحدى المشاهد نوارة فِرحة بقرب استعادة تلك الأموال وبتوزيعها على الشعب الذي سيصل نصيب الفرد فيه إلى مائتي ألف جنيها.

ديكور هند حيدر جاء موفقا ً للغاية للتعبير عن الفرق بين العالمين، الفيلا بأثاثها الأنيق المُغالى في فخامته، وعلى الجانب الآخر بيت نوارة التي تسكن في حجرة منه برفقة جدتها، وهذا يُحلنا لعنصرين هاميين، العنصر الأول: الملابس والإكسسوار الذان تم اختيارهما بعناية وتحديدا ً ملابس نوارة، حتى الشبشب بدا بسيطا.

العنصر الثاني: الرمزية في العلاقة مع الحيوان وتطورات هذه العلاقة.. نوارة تهتم بتربية الكتاكيت والعلاقة معهم متسقة ومتوازية، فالكتاكيت بدت هنا وكأنها تتُناسب مع نوارة وبدت وكأنها مُعادلا لها ولحياتها البسيطة، أما خديجة ابنة الوزير(رحمة حسن) التي تقتني كلبا يبدو شرساً لاسيما في تعامله مع نوارة، لكن يحدث ما يُغير مسار العلاقة معه، بعد تَغلب نوارة على خوفها منه، فلا يتدخل سواه للدفاع عنها ضد اعتداء حسن (عباس أبو الحسن) شقيق الوزير، ويركض وراءه حتى الشارع، فيطلق عليه النار ويقضي عليه وهو يصيح "هنفضل أسياد البلد"  في إشارة واضحة إلى التحول الدرامي في العلاقة بين الكلب ونوارة، وتحوله لجانبها بعد أن كان يُمثل فارقا ً طبقيا.

الخلفية الصوتية والموسيقى التصويرية:  يُمكننا أن نُقسم الخلفية الصوتية إلى شقين.. أولا ً الموسيقى التصويرية للمؤلفة الموسيقية ليال وطفة التي جاءت مميزة وتحديدا ً في مشهد النهاية مُعبرة عن خيبة أمل وانهيار حلم نوارة، التي لم تَدم سعادتها بهذا الحلم سوى ساعات قليلة. أما الشق الثاني فهوشريط الصوت الخلفي المُتمثل في الراديوالذي تستمع له نوارة في المواصلات، اوالقنوات التليفزيونية يتحدث عن هذه الثروات، في اشارة ذكية إلى أحلام البسطاء بالأقتراب ولوبقدر يسير من هؤلاء الذين يخدمونهم، واشارة أيضا ً إلي الفوارق الطبقية.فقد بدا وكانه بديلا ً عن الموسيقى التصويرية للتعبير عن الحالة العامة ليست للشخصيات فقط أنما الحال عامة خلال تلك الفترة.

 

فيلم-نواره

 

الأداء التمثيلي

 

 أدت منة شلبي دورًا استثنائيًا، سيبقى كثيرا ً في ذاكرة السينما، يكفي أدائها للحظات الفرح، التي تبدو ملامحها فيها مزيجًا بين البراءة والسذاجة والدهشة، أما محمود حميدة فرغم أن عدد مشاهده لم يكن كبيرا ً لكنه بدا في أفضل حالاته. يكفي مشهده في السيارة قبل سفره للخارج فيبدو محنيًا لليسار قليلا ً في إشارة إلى خنوعه لسيطرة زوجته ولامبالاته بما يجري، أما الجديد فهو أمير صلاح الدين.. ليس بسبب أدائه الجيد فحسب وإنما بسبب العلاقة بينه وبين نوارة، فمن النادر أن نجد على الشاشة قصة حب بين شاب نوبي وفتاه قاهرية، صحيح تم تناولها في فيلم "سواق الهانم" 1994 من اخراج حسن ابراهيم، ولكن في قالب طريف، لم يكن بهذا العمق. أما رجاء حسين وشيرين رضا وأحمد راتب ( حارس الفيلا) وعباس أبوالحسن فلم يُقدموا أي جديد.

إيجابيات وسلبيات

تتمثل أكثر إيجابيات الفيلم في التعبير عن تلك الفترة التي لم يتطرق لها الكثير، المصريين بعد يناير 2011، معظم الأعمال الفنية تناقش الثورة، لكن هنا الرؤية مُغايرة عن ماذا جرى بعد ذلك.

أما سلبيات الفيلم فيقع أكبرها على السيناريو حيث بدا مباشرا وتقريريا ً إلى حد كبير، بالتأكيد الكل يعرف مُعاناة الفقراء، ويُدرك جيدا ً ما حدث بعد 25 يناير، قدمت صاحبة "أحلى الأوقات" ما جرى وقتها ويجري الآن بشكل تقريري وهذا يتضح من خلال الصورة مثلا ً.. الانتقال بين العالمين رغم انه هام للتعبير عن الفوارق بينهما ألا أن بدا مُفتعلا ً في بعض الأحيان، مثل مشهد توحة وهي تُخبر مندوبي الحي بأنها لا تملك قطرة ماء، وبعدها تنتقل الكاميرا للوزير أسامة وهو يلقي بجسده في حمام السباحة في إشارة إلى وفرة المياه على الجانب الآخر، كل هذا يبدو رائعا ً، لكن هناك شيئا ً ما ينقصه حتى يكتمل الإقناع.

وأخيرا ً شريط الصوت لم يكن واضحا ً بالقدر الكافي وتحديدا ً في بداية الفيلم.

الخلاصة

"نوارة".. فيلم جيد حتى وإن احتوى على  بعض السلبيات، لكنه يبقى تجربة تستحق الدعم والإشادة في ظل ضعف الإنتاج السينمائي الجيد وانحسار السينما الحقيقية في إطار السينما التجارية التي تبتعد عن جماليات الفن السينمائي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 نقلاً عن عين على السينما 

إقرأ المزيد...