wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 06 أغسطس 2017 16:27

الدَّلَعْ، الدلال، والكَىّ بالقُبْلة

كتبه

الدَّلَع، هو بالدرجة الأولى مغازلة من المرأة لنفسها، رقصتها لنفسها، لروحها، لجسدها، لأنوثتها، لضرورة وجودها فى العالم، وجمال وجودها.

هل يمكن تَخيُّل العالم بلا تدلُّلْ من الأنثى، أو دَلَعْ، هل يمكن تخيُّل أنثى دون تدلُّل، ذلك الرهيف، العَذْب.

التدلُّل ليس فجًا ولا رخيصًا، إنما شفاف، رقيق، غالٍ، لا يتنازل، وبه شىء من الترفُّع، والخجل، مزيج نادر من خِفَّة وسحر وذكاء، له رائحة، لون، طعم، هَمْس، ولَمْس.

أعتقد أن الصخور تهبط فجأة من قمة جبل لأن أنثى نظرَتْ إليه بتدلُّل،  أو أنه رأى من ارتفاعه هذا امرأة تمارس بعض تدلُّلها، ودلعها، معذور، يقفز البحر على أرصفة المدن، يهيج الهواء ويُصَفِّر، تشتعل الحرائق فى الغابات، لدلع الأنثى، تدلُّلها، وللسبب نفسه يبتسم النور.

التدلُّل نعمة، طبيعة، موهبة، ذلك الخيط الشفاف، الرقيق، أحد أَرَقّ خيوط الأنوثة، لو زاد عن حدِّه درجة واحدة صار ابتذالاً، لو نقص درجة واحدة يصير بلاهة، التدلُّل يمُرُّ على القلب، فيزيده إيمانًا بالجمال.

تتدلَّل المرأة فيرتجف قلب العالم، يبتهج، يعود شابًا، وتنتصب روحه.

حتى المرأة الجادة، العملية، وهذا نموذج رائع بالمناسبة، لن تخلو من الدلع، الدلال، شىء فى طبيعتها، وبدون تلك اللمسة الخفيفة، الطبيعية، تصير جديَّتها بلا روح، وحتى مثيرة للضحك.

الدَّلَع عمل فنى، أحيانًا يكون تلقائيًا أو مُخطَّطًا له، لكن حتى فى حال التخطيط تكون به روح التلقائية، يحتاج تناغم بين الجسد والروح، العقل والقلب، يحتاج إلى تلقائية، وطبيعية.

هو غير نفعى، وإنما إضافة للجمال، اللعب، أحد أجمل طرق المراسلة، ملوَّن، مُعطَّر، مُقدِّمة للمتعة، خاتمة لها، وخلالها، هو حالة بذاته: مزيج من جسد الأنثى وروحها.

يظهر، أو ربما يتخفَّى فى التفاصيل، ينفلِتُ من المرأة فى ردود أفعال تلقائية، يتوهَّج ويتفتَّح فى أوقات رائقة، فى لحظات نشوتها، فى وجود شخص خاص جدًا، أو لمجرد أن مزاجها رائق، لأنها تحب أن تتدلَّل، لأنها فقط تحب فى هذه اللحظة أن تُطلِق دلالها للعالم، ربما لأنها تريد أن تُسعِد الآخرين، أو تعذبهم به.

التدلُّل مثل السكر فى قطعة البسكويت، مثل الدفء أو البرودة فى قطعة الشيكولاتة، مثل الغموض فى القهوة، مثل "المزازة" فى ثمرة مانجو خضراء.

الدَّلَع مثل الكَىّ بالقبلة.

يبدو الدَّلع فى المرأة مثل العطر فى الزهرة، لا يمكنها إخفاءه، كما أنها لا تُقدِّمه لأحد، يَظَلُّ عصِيًا، بعيد المنال على طريقته، كما يُفْتَرَض به أن يكون، هو لا يخبو منها أبدًا ما دامت حية، دامت لنا، ودام دلعها ودلالها.

هو خيط حرير مشدود بداخلها، تحب أن تمشى عليه من وقت لآخر، وأقسى ما يفعله شخص ما، أن يحاول قطع هذا الخيط، غباء شديد أن يفعل.

كل إناث العالم تتدلَّل، الطيور، الحيوانات، الوحوش، الأشجار، حتى الأشياء التى لها شكل جسد امرأة يمكنك أن ترى فيها تدلُّلاً ما، ستراه فى صخرة أو كوب أو فنجان له/لها شكل هذا الجسد.

التدلُّل، أحد الأشياء التى تمنح العالم انسيابيته، سهولته، يساعد على صنع ممرّات للأنهار، ومسارات للضوء، يمنع اصطدام الكواكب، ويجعلها توشك على الاصطدام، يضع كل شىء على المَحك.

يَشى بالوعود الحلوة، البهجة، والمتعة، وعد خفىّ، بِطاقة تعريف خاصة للمرأة.

ماكر لكنه غير مخادع، لا يكشف كل نواياه لكنه لا يكذب.

يمكن أن يكون فى تصرفات المرأة بجديَّة لكن بأسلوب خاص، فى نظرة غاضبة غير جادة فى غضبها، تعبيرات الوجه تلك، اللطيفة خفيفة الروح، أحيانًا يكون دلع الأنثى طاغيًا بحيث لا تستطيع هى أن تلملمه، تحاول لكنها، المحظوظة بدلعها، لا تستطيع.

تَرشُّ الأنثى دلالها على الأرض فيُنْبِتُ ورودًا وموسيقا، تنثره على السماء فتلمع النجوم، ويستعيد القمر شبابه.

تتدلَّل المرأة وهى جنين، طفلة، مراهِقة، شابة، امرأة، أُم، جدَّة، حتى بعد أن تدخل الجنة من المؤكد أنها لن تتخلَّى عن دلالها ودلعها.

أحيانًا يكون فى المرأة الناضجة شىء طفولى، تدلُّل به مَسّ طفولى، أو فتاة بها لمسة من نضج المرأة، تدلُّل به مَسّ أنثوى، هذا التناقض/التكامل فى الحالتين رائع: امرأة بها شىء طفولى، وفتاة بها بعض نضج المرأة، ومرة أخرى: التدلُّل فى كل أحواله غالٍ، مُترفِّع، ذكىّ جدًا، مُغوٍ جدًا، وحسَّاس، يُحرِّضك أن تكون ذكيًا فى التعامل معه، ويُحذِّرك ضمنيًا أن تتعامل معه بغباء، أو ابتذال، إياك أن تعتقده كذلك بسبب شىء خاطئ فيك، وإلا ستلقىَ ما يردعك، أو يصرعك، حسب حالتك. 

التدلُّل طريقة الأنثى فى مغازلة الذكر، تعذيبه، إلهامه، إبهاجه، وفقط لمجرد استعراض الحضور الأنثوى، أو إضافة بهجة خاصة فى الجوّ العام للعالم.

دلع الأنثى يُعَطِّر جَوّ العالم، يُلَطِّف فضاء الدنيا.

ما يحدث للمرأة إذا غاب منها الدَّلَع والتدلٌل، هو نفسه ما يحدث للعالم لو غابت منه المرأة: حار جاف نهارًا، بارد منطفئ ليلاً.

التدلُّل، غواية بريئة، براءة مُغوية.

هو الحَبّ الذى تضعه المرأة لجسدها فيتغذَّى عليه، ولا تطير منه بقية أشياءه الجميلة.

تبقى كل أشياء العالم متساوية حتى تضع المرأة لمسَتَها، فيرجح شىء عن بقية الأشياء.

 

 

محمد الفخراني

روائي  مصري

صدر له:

بنت ليل  ـ مجموعة  قصصية ـ هيئة قصور الثقافة

فاصل للدهشة ـ رواية ـ دار الدار

قبل أن يعرف البحر اسمه  ـ مجموعة قصصية ـ دار ميريت

قصص تلعب مع العالم ـ مجموعة قصصية ـ دار ميريت