wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

هيثم الورداني

هيثم الورداني

قاص ومترجم مصري

من أعماله:

خيوط على دوائر – شرقيات 1995

جماعة الأدب الناقص – ميريت 2003

حلم يقظة ـ ميريت ـ 2011

10 يونيو

هيثم الورداني

علاء يجلس بجانبي في السيارة، ويتطلع من النافذة حوله باهتمام. نقف في إشارة. ننعطف يمينا ويسارا. ندخل حيّا ونخرج من آخر. نسلك شوارع تنتهي إلى ميادين. كل ذلك وعلاء يتأمل ما يراه بشغف. ومن حين لآخر يلقي بسؤال ناحيتي، ويستمع إلى إجاباتي غير الشافية دون أن يرفع عينه عن ما يراه. فالتر بنيامين وصف ذات مرة المسافة التي قطعتها السيارة من فندقه إلى محطة القطارات مغادرا مدينة مرسيليا بإنها تشبه تصفح سريع لكتاب المدينة، يقلبه المرء على عجل ثم يعيده إلى مكانه ولا يدري متى ستلتقطه يداه مرة أخرى. في شوارع برلين تناول علاء الكتاب الذي تركه بنيامين في مرسيليا، لكن مع اختلاف بسيط هو أن المدينة التي تمرق تحت نظره الآن كتاب مكتوب بلغة لا يعرفها، لكاتب يهتم به. يقلبها يمينا ويسارا لعله ينفذ إليها، يتصفح مقدمتها، يتأمل فهرسها، يتوقف عند هامش أسفل إحدى صفحاتها، ثم يلقي عليها نظرة حائرة وهو يعرف أن عليه أن يتركها سريعا. علاء يسأل عن طبيعة تجاور الأجيال في المدينة، وهل من الممكن ملاحظة تباين بين ثقافة جيل الشباب الحالي وثقافة الجيل الذي يسبقه. أسئلة علاء تثير انتباهي، فمع كل سؤال يلقيه عليّ ألاحظ كيف يستجيب وعيه لمجال المدينة، فيتحرك حركة صغيرة ساعيا لرسم انعكاس عابر لها، ثم كيف تصطدم هذه الحركة بلغة الكتاب المستغلقة عليه فتخرج على شكل سؤال. لكن إجاباتي عن أسئلة علاء المتلاحقة كانت مشوشة، ولم أفلح في القيام بالحركة العكسية لوعيه، بل كنت ألاحظ أن إجاباتي بها خلط وأنها تفتقر إلى الدقة. وقفت السيارة في إشارة مرور وأشعل علاء سيجارة، وفكرت أنا أن الإجابة عن أسئلته تحتاج في الحقيقة إلى تعريف الموقع الذي أشغله في هذه المدينة التي أسكنها منذ سنوات، وأن الدقة الغائبة تحتاج إلى موقع واضح، وهو ما لا أملكه ولا أرغب في مراجعته. وأكملنا رحلتنا، لكن أسئلة علاء قلّت تدريجيا بمرور الوقت، ربما أدرك أخيرا أنني مترجم سيء فقدَ المسافة اللازمة بينه وبين الكتاب الذي يترجمه، ولفرط استغراقه فيه خرجت ترجمته مشوشة.

إقرأ المزيد...

الحقيقة لا تسكن السماء الأقرب

هيثم الورداني

تسير أحداث رواية محمد خير الجديدة "سماء أقرب" الهوينى، فتتهادى مصائر أبطالها على مهل. وتقترب النهاية فينتظر القارئ أن توضع النقاط أخيراً فوق الحروف، لكنه يكتشف أن الرواية في الحقيقة تبدأ مع اقترابها من فصولها الأخيرة. فالقارئ يكتشف في هذه الصفحات الحاسمة أن "مازن" يكتب "أكرم" بعد أن كان "أكرم" هو الذي يكتب "مازن"، وأن العالم الذي ظنّه القارئ متخيلاً ربما يكون في الواقع هو العالم الحقيقي. فتنفتح الرواية فجأة على فضاء جديد لتعود أحداثها فتتجلى منذ بدايتها في ذهن القارئ تحت ضوء جديد. وتدبّ الحياة في تفاصيل كثيرة بدت فاترة في البداية، ليفهم القارئ أخيراً أنها بدت كذلك لأنها لا تحدث للمرة الأولى عندما قرأها، وإنما كانت في إحدى دورات معاودة حدوثها. ويتضح له أنه قُذف في أحداث الرواية المستمرة دوماً في الحدوث، ليدور معها دورة ثم يخرج، بينما تستمر هي في معاودة الحدوث.

إقرأ المزيد...

صوت الكاتب وصورته

 هيثم الورداني

في كل مرة يوجه لي موقع "الكتابة" الدعوة لكي أشارك في أحد الملفات المخصصة للاحتفال بكاتب أو كاتبة من أصدقائي أقع في حيرة شديدة ولا أعرف كيف أرد. وها هو الأمر يتكرر اليوم بعد أن تلقيت دعوة للمشاركة في الملف المخصص لصديق عمري ياسر عبد اللطيف. فما فهمته هو أن وظيفة الملفات الأدبية هي الاحتفاء بكتاب مميزين قطعوا شوطا في حياتهم الأدبية، وأنتجوا عبره أعمالا هامة جديرة بالاهتمام والقراءة. وهي بلا شك لفتة نبيلة من الموقع لتسليط الضوء على كتاب تستحق كتابتهم المزيد والمزيد من الانتباه. لكن نحن الأصدقاء شهادتنا مجروحة دائما. وكلما زاد عمق صداقتنا كلما زاد عمق الجرح. إذا فكرنا في تكريم أصدقائنا ترانا نجري في الطرقات كمن يبحث على عجل عن هدية مناسبة بعد أن فاجأه عيد ميلاد صديقه. نبحث عن هدية تعكس على الأقل جزءا بسيطا من محبتنا العميقة وامتنانا اللانهائي لصداقتنا. هدية صغيرة الحجم معتبرة القيمة. فننتهي دوما بهدايا متواضعة، مرتبكة. ما أن يفُض غلافها أمام الجميع حتى تتضاءل قيمتها أمام أعيننا. هدايانا دائما قليلة الحيلة، لغة أخرى غير لغة صداقتنا، ثقيلة على ألسنتنا. صديقنا سيتفهم حيرتنا وسيشكرنا بامتنان، ومن لا يعرفوننا سيعتبرون أن هدايانا نفاق صريح. ولا شيء سينقذنا من الحرج البالغ. 

إقرأ المزيد...