wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 18 ديسمبر 2015 00:00

صفَّقوا له لكي يموت

كتبه

آخر مرة رأيته فيها، صفق له الجمهور كثيراً لكي يصمت.   

    كان قد صعد إلى خشبة "المسرح الكبير" بدار الأوبرا المصرية، ليتسلم جائزة القاهرة للرواية. كان ذلك قبل نحو خمس سنوات: وقف إدوار الخراط ليلقي كلمته. صوته كان أقوى ما فيه، كان الشيء الوحيد فيه الذي لم يشخ.  بدأ، واستطرد، لكنه لم يكمل قراءة "رزمة" الأوراق التي صفها أمامه على المنصة. صفق الحاضرون مرة. اعتبره إطراء وشكرهم بابتسامة واسعة. صفقوا في الثانية  فكرر الشكر. كان جميع من في القاعة المكتظة يعرفون أن التصفيق دعوة للصمت لا المواصلة، إلا هو. في المرة الثالثة بدأوا يصفرون. اقترب منه الناقد إبراهيم فتحي، الذي كان يقف على بعد أمتار منه على خشبة المسرح، وهمس في أذنه محرجاً أن كفى. فلملم الرجل أوراقه صامتاً ومضى مطرقاً إلى طرف المسرح الآخر.

يومها قلت لأصدقائي إن هذه الجائزة هي تأبين لإدوار الخراط بحضوره.. ليس لكبر سنه،(وكان وقتها في الرابعة والثمانين)، ولا لهزاله الواضح المنبئ بنهاية قريبة،  لكن لأنه لم يفطن للحظة التي ينبغي فيها أن يصمت.

     لماذا نُسي الخراط خلال العقد الأخير تحديداً؟ فالرجل كان حتى السنوات الأولى من العقد الأول للألفية حاضراً، رغم الشيخوخة. هل لأنه فقد ذاكرته أم لأنه سقط من الذاكرة، ولو جزئياً أو مرحلياً، مع ظهور جيل لم يرحب به إجمالاً؟ يعرف التاريخ هذه التقلبات، يتغير "المزاج" في لحظة فيطيح بكاتب أو يتواطأ على استبعاده قبل أن يعود مزاج آخر به كموجة البحر المرتدة، ولست بحاجة لتكرار المقولة المبذولة من فرط مشاعيتها، أن الكاتب الأصيل لا يموت، والخراط، في ظني، كان كاتباً أصيلاً.

    أدعي أنني أحد قراء  إدوار الخراط، قرأت أغلب رواياته وعدداً كبيراً من ترجماته وأبرز ما كتب نقدياً من دراسات تطبيقية مسحت أجيالاً متعاقبة. أحببت رواياته. انبهرت بلغته، ثم صرت أتحفظ على جاهزيتها عندما كشفت قانون اللعبة بكثرة ممارستها، وعندما شعرت في لحظة أن اللغة تصبح في مأزق عندما تسبق العالم/ موضوع الكتابة عوضاً عن أن تصغي له، فتصبح كل حكاية، وتغدو كل شخصية، تلخيصاً لصوت واحد على عذوبته، تنطق به بنفس القوة التي ينطقها بها. وأعتقد أن شكل علاقته بالعالم، الذي حدد طريقته في الظهور والتعاطي أسهم في تأطير شكل شعبيته التي ظلت دائماً على المحك، ووسمته كثيراً بالمتعالي وقاطن البرج العاجي والانتقائي.

     هناك كُتاب يذهبون للعالم حتى النهاية، وهناك كُتاب يفضلون بعد فترة أن يذهب العالم إليهم. (أتحدث هنا عن الجانب الشخصي في طريقة خوض كل شخص لما ندعوه الحياة) النوع الأول يكسب تعاطفاً أكبر في الحياة ورثاء أشد سخونة عند الغياب رغم أن حصانته تبقى على المحك وكبرياءه يظل مهدداً، لأنه يترك عند كل شخص حتى لو كان عابراً، حكاية تخصه، أو يتوهم حتى أنها تخصه. أعتقد أن صاحب "ساعات الكبرياء" اختار بعد فترة أن يكون من النوع الثاني، فلم يترك الخراط هذه الحكايات الصغيرة، إلا لقلة، لأن ظهوره الفادح كان هو نفسه، في ظني، قدرته على الاختباء.

طارق إمام

روائي وناقد مصري

من أعماله:

شريعة القط ، رواية، دار ميريت

هدوء القتلة، رواية، دار ميريت

طيور جديدة لم يفسدها الهواء، مجموعة قصصية، دار شرقيات

الأرملة تكتب الخطابات سرا، رواية، دار العين
عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها، مجموعة قصصية،  دار نهضة مصر

الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس، رواية، دار العين