wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 18 ديسمبر 2015 00:00

إدوار... البطريرك الصعيدي

كتبه

لم أكن من مرتادي جلسة إدوار الخراط الأسبوعية كعدد آخر من أبناء جيلي، كان لديّ ما يشبه التحفظ على دوره الأبوي في رعاية وتقديم الكتاب الجدد؛ نعم، في مطلع التسعينيات كان الخراط بطريركًا حقيقيا، مقال نقدي واحد منه كان كفيلاً بتدشين هذا الكاتب الناشئ أو ذاك في الوسط الأدبي بمصر، وربما في العالم العربي كله. ولم تقتصر بطريركيته على رعاية كتاب السرد فقط، وإنما امتدت لتشمل أيضاً الشعراء. بالطبع كنت قد قرأت بعض أعماله قبل أن أتعرف إليه شخصيًا ؛  وتحديداً "الزمن الآخر" و"ترابها زعفران" و"أمواج الليالي"، التي صنفها كمتتالية قصصية، ليشيع بعدها هذا التصنيف الجديد.  وقرأت له فيما تلى من سنوات أعمالاً أخرى عديدة، حدثته مرة عن أحدها، وهي رواية "حريق الأخيلة" فلم يتذكر أبداً أنه كتب رواية بهذا العنوان؛ كان ذلك قبل سنوات من إصابته بمرض الألزهايمر.

لقائي الشخصي الأول معه كان عام 1995. ذهبت إليه في مهمة صحفية، وكان ديواني الأول "ناس وأحجار" قد صدر للتو.  هاتفته بالطبع قبلها لأحدد موعدا لزيارته، وعرفته بنفسي وإن لم أذكر شيئا عن الديوان، أو عن كوني كاتباً من الأصل. قدمت نفسي فقط باعتباري صحفياً.

وذهبت له في بيته حسب الموعد، في 45 شارع أحمد حشمت بالزمالك في القاهرة.استقبلني مرحباً، وبادرني بالقول "جبت ديوانك الجديد معاك طبعًا".   كنت قد أحضرته بالفعل، وخبأته بحرص في الجيب الداخلي لسترتي ؛ واندهشت من توقعه الصحيح؛ هل ربط بين اسم الصحفي الناشيء والشاعر الذي يصدر ديوانه الأول؟ أم هو توقع منه بأن كل صحفي هو مشروع أديب إلى أن يثبت العكس. أخرجت الديوان من جيبي وأعطيته إياه، فانطلقت ضحكته المجلجلة، كأنه يقول لي "كنت أعرف أنك ستأتي به، ولن تنجو من بطريركيتي!".

ثم كان لي لقاء معه عن قرب، في مناسبة لاحقة عام 2004، حيث كتبت فيلما تسجيلياً عنه من خلال روايته " طريق النسر" التي يسرد فيها ذكريات نضاله في المنظمة التروتسكية الصغيرة في إسكندرية الأربعينيات، وقصة اعتقاله عشية اندلاع حرب فلسطين. وقتها عايشته عن قرب لمدة عشرة أيام، في بيته في الزمالك، وفي الإسكندرية حيث اصطحبناه، أنا وفريق العمل بالفيلم لنصور معه في مواقع الأحداث القديمة. وكانت معنا بالطبع السيدة جورجيت زوجته، وقد أضفى حضورها جوا لطيفاً على فترة التصوير.

كانا يسيران في شارع فؤاد في قلب الإسكندرية، في مرابع غرامهما الأولى حيث تعارفا في شبابهما المبكر، ونحن من خلفهما نتابعهما بالكاميرا وهما يتفقدان البنايات التاريخية وأثر الزمن عليها. استوقفهما شرطي من حراس أحد البنوك في المنطقة، وسألهما بود: أنتما يونانيان أصلاً؟  التفت له إدوار وقال له "لا، أنا صعيدي من أخميم، لكن شكلي كدة!" كان يقصد هيئته وطريقة ملابسه بالمعطف الأسود والبيريه التي تجعله يبدو كشيخ أوروبي بجوار زوجته التي تحتفظ بآثار شقارها القديم. انشغلنا بتجاذب أطراف الحديث مع العسكري، ولم تنتبه السيدة جورجيت وواصلت سيرها متوغلةً في الشارع. وأراد إدوار تنبيهها إلى أننا قد توقفنا حتى لا تبتعد كثيراً، فوجئت به ينادي عليها هاتفاً باسم ابنه الأكبر "يا أيمن!" كأي صعيدي حقيقي من أخميم فعلاً، يتحرج من ذكر اسم زوجته في الشارع وعلى الملأ. ولدهشتي استجابت أم أيمن بالفعل للنداء، وتوقفت.

ياسر عبد اللطيف

شاعر وروائي مصري

صدر له:

ناس وأحجار ـ شعر ـ 1995

قانون الوراثة ـ رواية ـ 2002

جولة ليلية ـ شعر ـ 2009