wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأربعاء, 09 ديسمبر 2015 00:00

فرانكفورت .. مدينة بلاروح!

كتبه

أميمة صبحي

الإفطار:

لم يكن صباحا دافئا رغم الدفاية الضخمة التي تحتل الجدار بجانب السرير. لم أحمل معي ملابس شتوية لعلمي أن كل ما هو داخلي مزود بدفء مركزي بالضرورة، فنهضت من سريري تصطك أسناني من البرد. الصمت ثقيل وكأني لست بمفردي في حجرة فندق بمدينة باردة بلا روح، بل كأني وحيدة تماما في هذا العالم.

 

من الستائر الشفافة رأيت الطابق في المبنى المقابل لشرفتي، كان به بعض الطلاب أو ما يشبه اجتماع لموظفين من شركة ما. كانت نوافذهم مفتوحة ومع ذلك لا يلف أجسادهم سوى قمصان صيفية خفيفة. أسندت جبيني على الزجاج وسرت برودة خفيفة كتيار كهربائي لأسفل ظهري. لم تكن فكرة تناول الإفطار بمفردي جيدة على أي حال، أي بؤس هذا الذي كان علي أن أبدأ به أيامي القليلة هنا! أنا لا أفطر حين أكون بمفردي بالمنزل. الطعام لا يُمضغ وحيدا، يريد دوما حديثا جانبيا يلوكه فم قريب. ولكن جنيني كان يركلني بخشونة، ولا يأبه لسوء طعم موائد الغرباء.

في المطعم كان الجميع بمفردهم، يتناولون فطورهم في صمت فخيم زاد من توتري. فتشت بعيني سريعا عن منضدة ركنية توافق خجلي. أنا حديثة العهد بالفنادق وبالموائد الفندقية المفتوحة، كان أبي دوما يرى إنها غير مناسبة لخصوصية الأسر المصرية. وبعد خروجي من عباءته كانت الحيرة والارتباك بين كل أصناف الطعام المقدمة هناك هي المقابل. أنا إبنة الميزان الذي يمكنه إعيائك بتردده، كان عليَ اختيار فطوري بحسم وتناوله سريعا بمفردي لأسرع لمشاهدة المدينة.

تأبطت ترددي واقتربت أخيرا من البوفيه، فوجدت الكثير من اللحوم المصنعة كاللانشون وغيره. فسألت النادلة بحنجرة مشوشة: "هل هذا حلال؟" نظرت لي بعين متفحصة، لم تكن نظرتها مرحبة ثم قالت وهي تدير ظهرها لي "لا يمكنك تناوله، فكل هذا من لحم الخنزير". فتوجهت تلقائيا لركن الجُبن التي لا أميل إليها في نهار بارد كهذا.

أكملت جولتي بين الصحون على مضض حتى وجدت سجق برئ بعيد عن وليمة الخنزير خلفي، فوضعت منه في صحني واتجهت نحو منضدتي الصغيرة. وأخيرا بدأت في تناول فطوري الحزين بلا أي صحبة سوى النادلة ذات الوجه الرخامي الأوروبي. قطع صمت المكان صوتها الرفيع وهي تحذرني بأن السجق الذي انتهيت منه لتوي ما هو إلا لحم خنزير أيضا!

سكن فمي عن المضغ للحظة، ثم ابتلعت قطعة الخنزير بهدوء وقلت لها ساخرة "خسارة! أن طعمه شهي للغاية". تمتمت بشئ ما باللغة الألمانية وابتعدت.

أوليغكا:

تجولت بضع ساعات بالمدينة بمفردي، والمطر المصاحب خفيف منعش. كل شئ واضح وكأنني ارتديت نظارات جديدة تلائم ضعف نظري فجأة. الشوارع واسعة نظيفة خالية من الأتربة، البنايات زجاجية لامعة يمكنك رؤية الحد الفاصل بينها وبين الأرض. يطل من فوقها لافتات عملاقة لشركات أو بنوك عابرة للقارات فتعكس وجه الرأسمالية القبيح. كمكعبات شاهقة الارتفاع على ملاءة طفلة لم تكمل عامها الخامس بعد، وددت لو اسقطتها وأعدت البناء بما يتوافق مع ضآلتي. تضاؤل في الروح يشوشني فلا أعرف أهي المدينة التي في مهب الريح كشنطة بلاستيكية أم أنا.

عدت لبهو الفندق لانتظر من يصطحبني لمعرض الكتاب. جاءت أوليغكا في الموعد. امرأة طويلة لوحتها شمس جنوبية ما. لم استطع تحديد عمرها، ربما تكون في عقدها الخامس. انشغلت عن حرارة ترحبيها بجفون عينيها المسدلين برفق عند الزوايا الخارجية. كانت تنظر لي بنصف عين كنجم صغير من خلف سحب كثيفة. تبادلنا الأسماء فكانت أوليغكا، الإسم الذي نطقته بشكل صحيح من أول مرة دون أن تضطر هي لتكراره.

توجهنا معا إلى المعرض وكلما نطقت اسمها بشكل صحيح كلما ضحكت عاليا بسعادة طفولية. فأصبح إسمها هو لعبتنا السرية التي مارسناها ليومين متتاليين. في التاكسي بدأت تحدثني بعربية ركيكة للغاية فقالت "اغلاين سيغلين" لم أفهم، فترجم السائق الباكستاني "أهلا وسهلا"، فتبادلنا صيحات الفرح كل بلغته، وكأن التاكسي عالم صغير، صيحات أوليغكا بالألمانية وأنا بالعربية والسائق بباكستانية اكتشفنا بعدها أنه لا يعرف سواها مع بعض الكلمات الألمانية البسيطة. كانت "أهلا وسهلا" هي الرابط بيننا هناك.

في الطرقات الطويلة داخل المعرض، ظلت أوليغكا تحكي عن زياراتها للقاهرة ومكوثها معظم أوقاتها ما بين الزمالك والدقي. تحدثت عن القاهرة بحنين حقيقي وكأن لها حب قديم هناك. تضيق عينيها أكثر بينما تتسع ابتسامتها كلما تحدثت عنها. أخبرتني كيف أحبت المواصلات المزدحمة "يمكنك حضن جارك بالمواصلات". هكذا رأت زحامنا، كفرصة عظيمة للاحتضان وتبادل الحب. احتضنتي قليلا بيديها وقالت "لابد لك من زيارة أخرى لهنا"، ابتسمت برفق وأخبرتها عن صعوبة التأشيرات، فقالت بتلقائية "يمكنني إرسال دعوة لك"، فصمت. "أوعدك يا أوليغكا أني لن اعتبر ذلك وعد" قلتها لنفسي وأنا أشيح بنظري بعيدا.

حتى وصلنا للمكان المنشود في المعرض الهائل، كانت تسألني كل دقيقة عن جنيني في حيوية. ثم اجلستني في مقعد مريح وخلعت عني معطفي وكوفيتي واهتمت بإحضار العصير. وبعد أن تأكدت أني بخير تماما، انزوت في مكان ما صامتة تنتظر شخص آخر توزع عليه بهجتها. كان أمر مربك أن تقوم بخدمتي سيدة في مثل عمرها. قبل رحيلي سألتها عن معنى إسمها فقالت أنه إسم قادم من شمال أوروبا ويعني المرأة التي ترعى المحيطين بها.

شمسية على ضفاف ماين:

في الليلة الأخيرة كان الطقس باردا للغاية. انتصف الليل تقريبا وغرقت المدينة في حياة ليلية شبه صامتة وخالية من المشاهد المميزة. لكننا رفضنا العودة للفندق وقررنا التجول بالمدينة. تجولنا بالشوارع الخلفية لحي الدعارة أو ما يسمى بـ Red light district . كان الحي لايزال هادئا لأن الليلة لازالت في بدايتها. رأينا بعض الحوانيت، وأحب أن أشير إليها بذلك الإسم، ذات اللافتات الحمراء على بابها. وبعض الرسومات لبنات بملابس داخلية ساخنة. بعض الفتيات متناثرات هنا وهناك بحثا عن الرزق والسيارات تهدئ من سرعتها في المنعطفات وتتفحص الواقفات.

كنا أغراب على المكان، سيدة حامل في شهورها الأخيرة وأخرى محجبة وشاب يريد الابتعاد عن المشهد بأقصى سرعة. تلكعنا قليلا لعلنا نشاهد أكثر من ذلك العالم الذي لم نر مثيلا له لكننا لم نملأ جعابنا بالكثير. فرحلنا في اتجاه النهر.

أحب الأنهار، وكما قالت رضوى عاشور "اعترف أن نهرًا في المدينة يكسبها في القلب مكانًا".غالبا ما تكون الأنهار أقدم ما بالمدينة. وفرانكفورت الحديثة للغاية كانت بحاجة لوجود مثل هذا الأثر ليضيف إليها لمسة ربانية بعيدا عن أجوائها الرأسمالية الفجة. توقعت في البداية رؤية ترعة فقيرة كمعظم أنهار أوروبا التي نشاهدها في الصور. لكن الماين بدد تلك الصور القاتمة، وظهر أمامي النهر عريضا جليا يملأ القلب. كانت لحظات جلوسنا أمامه كوقت مستقطع من رحلتنا السريعة اللاهثة هذه. وكقوم لا ينوا الرحيل، افترشنا ضفافه وسهرنا نحكي حكايات عبرت بنا لضفاف أخرى. كأننا لم نأت بطائرة وكأننا لن نرحل غدا.

حملنا أنفسنا وغادرنا ولايزال صدى حكايتنا يتردد هناك. وبقت مظلتي شاهدة. لم أكن صاحبة مظلة من قبل. لم أفكر يوما في شراء أو حمل واحدة، فالقاهرة جافة لا تحملك على الطيران، تجذبك للواقع بخشونة كما لا تبلل جوفك حتى إن أمطرت.

حين اختارت المظلة البقاء رغما عني، فكرت أنها ما كانت لي من الأساس. كانت دوما في مخيلتي الطفولية رمزا للطيران وبنسياني أياها هناك، فقدت أجنحة جديدة خلقتها لنفسي. كدرني النسيان، وقضيت ليلتي أفكر بها وفي أنها بالتأكيد ستحلق وحيدة دوني وربما تحلق بشخص آخر أكثر حظا ستختاره هي!

لم أنم، كان عليهم تعليبي في العاشرة صباحا داخل اسطوانة معدنية تطير وتعود بي للقاهرة. جلست على طرف السرير متعبة للغاية، لا أستطع حتى خلع حذائي الضخم الذي يليق بالطقس هناك. كانت المظلة مسيطرة تماما على المشهد، تفرض وجودها على أفكاري. أطمئن نفسي أن لازال هناك متسع من الوقت وأن بوسعي الذهاب للنهر ثانية فور بزوغ الشمس لأحملها معي.

وما بين الصمت والحسرة أنام. تنزلق جفوني ثقيلة وتنهي الرؤية. كان ميعادي في بهو الفندق في الثامنة تماما ليقلني تاكسي للمطار. حتى الثامنة لم أكن أفقت من غيبوبتي المفاجئة.

بعد الثامنة بدقائق، هاتفني صوت أنني في خطر وأن علي النظر حالا في الساعة، فانتفضت برعب لأجدني تأخرت بالفعل! هاتفت عاملة الاستقبال لأخبرها أن تجعل التاكسي ينتظر. كنت ألهث من فكرة عدم اللحاق بالطائرة. كانت سويعات النوم القليلة هذه إفاقة، فاصل ما بين الخيال والواقع.

بالكاد لحقت بطائرتي، وهناك قبل التسليم بالرحيل النهائي، لمحت المظلة تحدق بي، كان علي أن أعرف إنها لن تذهب إلى أي مكان، وإنها ستبقى بمحاذاة النهر القديم بانتظاري. هنا سمحت لنفسي بالطيران.

بائع الكعك:

زارني الجوع في ساعة متأخرة، كان علينا إيجاد مطعم رخيص. اتجهنا نحو محطة القطار. فنحن العابرون الغرباء يليق بنا عشاء عابر بمحطة ضخمة بمدينة رأسمالية جافة كهذه. اخترنا بعد فحص المكان مطعم صغير يقدم المعجنات والكعك المحلى.

كان البائع نحيلا قصيرا، ذو ملامح آتية من أمريكا الجنوبية. بعد القليل من الهمهمات والإشارات أدركت أنه لا يعرف الألمانية أو الإنجليزية. وددت لو أعرف حكايته، لو نجلس متجاورين قرب رصيف المحطة نقرأ لافتات القطارات المختلفة التي تمر فوق القضبان الواحد. كنت لأحكي له عن الارتباك الذي أصابني حين أدركت أن لكل قطار رقم يذهب بك لمكان مختلف، أنه أمر لا يليق سوى بمحطات الأتوبيسات العامة بمدننا القديمة. واسمع منه عن ما أربكه في البدايات.

لمست عزلته وغربتي بشدة حين وقفنا أمام معجنات تحتوي على المرملاد. حاولت فهم ما هذا ولم يستطع الشرح. احترنا قليلا حتى تذكرت الكلمة السحرية، كلمة السر التي لا تخفى على أحد. فقلت "حلال؟" فضحك وقال "حلال". على الأقل استطعنا صك مفردة خاصة بنا تطوف مع لغات العالم أجمع وتتدحرج ما بين محتقر يدير ظهره بإزدراء وما بين مرحب بشوش لا يترك لعزلة اللغة مجالا للعبوس.

تناولت المرملاد المر منهكة، تائهة بين الكلمات المتطايرة من أفواه المسافرين. حين ضللت طريقي بالمطار أثناء عودتي للقاهرة، أبى عقلي أن يمدني بكلمات وفيرة من اللغة البديلة. كنت أتمتم بكلمات مبهمة مزيج من العربية والإنجليزية وألمانية ضعيفة. ضعت لثوان بين طياتهم وأنا أفتش عن طريق طائرتي بالمطار الشاسع المهمل الذي يزدري الجميع. في النهاية وجدت مصري حدثني مباشرة بالعربية حين سألته بالإنجليزية، فوجدتني أصيح "أنت بتتكلم عربي، الحمد لله!" كظمآن وجد لتوه الواحة.  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاصة ومترجمة مصرية