wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 26 نوفمبر 2015 00:00

غادة خليفة .. الشعر المضارع

كتبه

محمد أبو زيد

يبدو التشكيل الزمني حاضراً بشدة في التجربة الإبداعية للشاعرة والتشكيلية المصرية غادة خليفة، حيث لا يحضر الزمن باعتباره مرفأ للذاكرة التي تخرج منها القصائد، بل باعتباره تكويناً أساسياً لحاضر ومستقبل النص، سواء كان زمنا مغلقاً على ذاتيته، أو مفتوحاً على خيال الشاعرة، أو زمناً خفياً غير محدد بمفردات دالة. ويتبدى ذلك بداية حتى من عنواني ديواني الشاعرة "تقفز من سحابة إلى أخرى"، الذي صدر عن دار فكرة، و"تسكب جمالها دون طائل" الصادر عن دار شرقيات.

فالملاحظة الأولى على عنواني الديوانين، والتي سنلاحظ أنها تنطبق على نصوصهما أيضاً، هو أنهما يبدآن بفعل مضارع، ثم فاعل مؤنث غائب. لم ترد الشاعرة هنا ـ عن وعي ـ أن يكون فعل القفز، والسكب، منسوباً إليها بأن تقول "أسكب"، أو "أقفز"، بل نسبتها إلى فاعلة مستترة الوجود تقديرها كل امرأة، وكأنها بهذا تريد أن تصدر فكرة غياب "البطلة"، وأن تكون هذه الغائبة، هي كل من تعيش لحظتها الحالية، وهي الملحوظة الأهم هنا، حيث جاء اختيار الفعل المضارع ليدل على حدوث الفعل في الحاضر والمستقبل، مما يوحي أننا أمام قصيدة ابنة لحظتها، منفتحة على المستقبل، الذي لا يبدو مختلفاً كثيراً عن الحاضر، في قتامته، بل يبدو حاضراً متجدداً، مكرراً على شكل المصفوفة ليخلق الغد.

قَلْبِي

الَّذِي أخنُقُهُ بِاتِّجاهِك

يَنْمُو كُلَّ مَرَّة

وَيَتَفَتَّحُ

لَكَ وَحْدَك

جَدِيْدَةٌ تَمَامًا

كُلُّ مَشَاعِري القَدِيمَة

بنظرة سريعة على قصائد الديوانين، نجد أن معظمها يدور في الزمن المضارع، ويكشف مدى انشغال الشاعرة بلحظتها، لحظة مرور الفرشاة على اللوحة لتضع رتوشاً ناقصة تكمل الصورة، غير أن الصورة تظل في معظم الوقت ناقصة، لذا يحضر حرف "السين"، الذي يحيلنا إلى المستقبل، حيث يكتمل فعل القصيدة المأمول، وتكون الكتابة هي القشة التي تتعلق بها لتجاوز اللحظة العالقة، وإكمال اللوحة.

كُنتُ فَرِحَةً بِالـمَطَرِ مِثلَ طِفلَةٍ تَتَلَقَّى لُعبَةً جَدِيدَةً

الآنَ

سَقفُ الغُرفَةِ يُسَرِّبُ الـمَاءَ

الـمِيَاهُ تَتَسَاقَطُ بِبُطءٍ

أصعَدُ إلى السَّطحِ وَلا أستَطِيعُ نَزحَ المِيَاه الـمُتَراكِمَة

أُفَكِّرُ أنَّ السَّقفَ سَيَقعُ عَلينَا

والأورَاقَ كُلَّهَا سَتَغرَقُ

حَيَاتِي سَتَضِيعُ

.

.

تَضِيعُ الآنَ

بَينَمَا أكتُب

الحديث عن المضارع والمستقبل، يحيلنا إلى شيئين لافتين في قصائد غادة خليفة، وهما أن القصائد التي تمتح من الواقع، لا تكتمل إلا في الخيال، أو أن الشاعرة تبحث عن نهاية أسطورية مفارقة للواقع لها، حتى تستطيع أن تنهى الألم الآني، وهذا يكشف لنا بعض ثيمات الإدهاش في قصيدة غادة، التي تعيد بها بناء عالمها، وتختمه كما تشاء

غَدًا

أنْتَظِرُكَ

عَلى شُرفَتِي

تَأتِي إِلَيَّ

وَحدِي

لِتَرْسُمَ مَعِي

رِحلَةً وَاسِعَةً

إلىَ أبعَدِ شَجَرَةٍ مُمكِنَة

يُمْكِنُنَا إعَادةَ خَلْقِ المَسَافَة

بَيْنَ رِسَالَةٍ وَأُخرَى

بَينَ السَّطحِ وَالشُّرفَة

بَينَ الحَقِيقَةِ وَالوَهْم

فبين الحقيقة والوهم، تبدو النجاة لدى غادة، ومن الشرفة الحقيقية إلى أبعد شجرة متخيلة تسير إلى نهاية الرحلة/ القصيدة، لكنها أيضاً في بعض الأحيان تفارق ذلك إلى نهايات صادمة، ومثيرة للتأمل:

سَأَخْلَعُ رَأْسِي

قَلِيلًا

وَأَتَمَشَّى
بِرَقَبَةٍ مَقْطُوعَةٍ

ونَازِفَة

أما الشيء الثاني اللافت، فهو أن لجوئها إلى التناقض والتضاد الشعري، للهرب من فضاء اللحظة الشعرية، وهي لا تلجأ هنا إلى الألاعيب اللغوية، بل تبدو مباشرة تماماً، لتوصيل وتوصيف الحالة:

أَفْتَقِدُكَ

وَأَفرَحُ كُلَّمَا مَرَّ يَومٌ عَلَى غِيَابِكَ

لكن إذا كانت غادة في ديوانها الأول تقوم بدور الفعل دائماً، فإن الملاحظة في ديوانها الثاني أنها في انتظار أن يقوم الآخر بالفعل، أو تكتفي في بعض النصوص برد الفعل، عبر آليات شعرية أخرى مثل تدوير الزمان، أو تشكيل الزمن، سواء كان الزمن الدوري، أو الخطي (الماضي –الحاضر- المستقبل) فيبدو الزمان والمكان مقلوبين في مرآة الشعر، كما في المثال السابق، أو التالي:

أَفتَقِدُ افتِقَادَ رَجُلٍ لي

أَحتَاجُ إلى النُّورِ

وَأُغلِقُ عَينَيَّ بِمُوَاجَهَتِهِ

وهي تبدو في هذه الحالة كمن يثبت "الفعل المضارع في مكانه"، وربما تكون هي نفسها ـ أي الشاعرة ـ ذلك الفعل، وفي انتظار مرور اللحظة الثابتة للدخول إلى مستقبل آخر:

أَيُّهَا الجَمَالُ الَّذِي يُؤْلِمُ

تَقَدَّمْ خُطوَةً بِاتِّجَاهِي

يَا مُوسِيقَى الرُّوح

امنَحِينِي قَلْبًا آخَرَ

يَا حَبِيبِي الَّذِي يَنتَظِرُ حَبِيبَةً مَا
أَنَا هُنَا

أنَا أهتَمُّ الآنَ

لا أُرِيدُ تَعقِيدَ حَيَاتِي وَلا أَرغَبُ بِانتِظَارِ الغَدِ البَعِيد

يحيلنا هذا إلى سمة أساسية متعلقة بالزمن أيضاً، لافتة في قصائد الديوانين، وهي "الانتظار" فيما تغزل هي قصائدها. فنحن أمام شاعرة تتلاعب بالزمن، مستخدمة جميع آلياته:

أكْتُبُ خِطاباتٍ كَثِيرَةً

بِلاَ عَناوِين

أُرسِلُهَا مَعَ السَّحابِ الأَحمَر

إِلىَ رَجُلٍ وَحِيدٍ

يَجلِسُ مِثْلِي مُنْتَظِرًا

سَحابَةً صَغِيرَةً

تَمُرُّ

وَتُمْطِرُ

أَجْوِبَةً حَقِيْقِيَةً وَأَطْفَالاً صِغَارًا

يَستَطِيعُ أَن يَلعَبَ مَعَهُم

بِلا خَوف

والانتظار في هذه القصيدة من الجانبين، من الكاتب والمكتوب إليه، كل منهما ينتظر الآخر، بل يبدو وصفها للآخر منطبقاً تماماً عليها "رجل وحيد، يجلس مثلي منتظراً"، كما أنه لا يبدو أسعد حظاُ، لأن الرسائل الكثيرة التي تكتبها بلا عناوين، وبالتالي لا تصل إلى أحد:

انْتَظَرْتُكَ طَوِيلًا

لَيْسَ بِإِمْكَانِي إِحْصَاءِ عَدَدِ السَّنَوَاتِ

وَمَا هِي سنةٌ فِي عُمْرِ السَّمَاءِ؟

مَا هِي السنةُ فِي عُمْرِ الطَّائِرِ؟

سَأَنْتَظِرُكَ كَسَمَاءٍ

أَكَادُ أَسْمَعُ خَفْقَ أَجْنِحَتِكَ

لا تعرف في قصائد غادة من ينتظر من، لأن الآخر هنا يبدو غائباً، أو غائماً، أو مختفياً في مكان آخر ينتظر، لذا تخلق عالماً خيالياً يطوق الطرفين ويطوق الوقت، ويطوق فكرة الانتظار نفسها، ومرات قليلة هي التي تقرر فيها عدم الانتظار، وهو ما يجعلها تعود للانتقال مرة أخرى من الخيال إلى الواقع:

لَيْسَ بِإِمْكَانِي أنْ أنْتَظِرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ
قَبْلَ أنْ يُعلِنَ اهتِمَامَهُ بِي

سَأَحضِنُ يَدَهُ فَجأةً

أمَامَ الجَمِيعِ
وَلنْ يَكُونَ هَذَا اعتِرَافًا بِالحُب

الحديث عن المضارع في شعر غادة خليفة، يجرنا للحديث عن الزمن في البناء الشعري لديها، فالحاضر يبدو مربوطاً بشدة إلى الماضي، مثل قولها "أحتاجك لأراني"، في ديوانها الأول، ففعل (العمى) المرتبط بالماضي، لا يتغير في الحاضر (الرؤية)، إلا بفعل سيتم في المستقبل  (الوجود)، لكن لا يبدو الماضي شلال ذكريات لديها، بل هو منبع الحدث الآني، ووسيلة لنقضه:

النِّساءُ الَّلائِي يَتَزَوَجْنَ بِآخِرِ الفِيلم

لِمَاذا أُصِرُّ عَلَى أَن أَكُونَ واحِدَةً مِنْهُنَّ؟

وآلية تحريك الزمن التي تعتمدها غادة هنا، تجعلها تعيد ترتيب الأزمنة وفقاً للبناء المعماري للنص، عبر إبراز حالة الاشتباك بين تقاطعات الأفعال:

لِماذا

نَشْعُرُ بِاليُتم

بِالرَّغمِ مِن أنَّ لَنا أُمًّا

تَطْبُخُ الطَّعام

وَتَضرِبُنا

تعيش غادة خليفة الشعر، لذا فهي تكتب قصيدة "مضارعة" إذا جاز استخدام هذا التعبير، ابنة اللحظة المعاشة، أو تحول اللحظة إلى قصيدة لتعيش، قصيدة تعبر عنها، وعن لحظتها الآنية، قصيدة تخلق مستقبلها بالخيال الجميل، وبالحلم.