wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

إبراهيم عادل

إبراهيم عادل

قاص وناقد مصري

صدر له:

المسحوق والأرض الصلبة

التحديق في العيون

رابط الموقع: http://www.anaweana.blogspot.com

زهور تأكلها النار .. رواية اللعب بالخيال والتاريخ لحكاية الواقع.

يبدو السرد الروائي عند بعض محترفيه ملعبًا واسعًا يجيدون اللعب فيه، واستخدام تقنياته وما يتيحه لهم من فرص للكتابة وخلق عالم كامل  قد يقترب من عالمنا الواقعي أو يكون متخيلاً بالكامل، بما يمنحه لهم الخيال من حريةٍ دون قيد أو شرط، بل إن بعضهم يستعيد عالمه الذي رسمه وعرف شخصياته وومواقفهم وأحداثهم، ويعود ليخلق هذا العالم من جديد من وجهة نظرٍ أخرى، وما أجمل أن يكون ذلك استجابة لطلب أحد القرّاء!

في مقدمة روايته الجديدة «زهورٌ تأكلها النار» يورد «أمير تاج السر» نص رسالة القارئة «سارة» التي تسأله بعد قراءة رواية «توترات القبطي» (الصادرة عام 2009):

ماذا عن المرأة داخل النص؟ المرأة السبيّة والجارية بحسب قوانين أباخيت؟ من يخبرنا بما حدث؟

ولا شك أنه ليس أقدر على رواية ما حدث من الروائي نفسه، الذي كتب «توترات القبطي» وحكى حكايتها، وعرف عالمها عن قرب، وهاهو يعود إلى أرضه الخصبة مرة أخرى لينسج منها غزلاً جديدًا ولكن من وجهة نظر المرأة هذه المرة.

ورغم هذه الإحالة الواضحة والمحددة إلى الرواية السابقة «توترات القبطي» فإن الرواية الجديدة «زهور تأكلها النار» تبقى عملاً متصلاً منفصلاً، يحمل عالم الرواية الأولى ويأتي على ذكر بعض شخصياتها، ولكنه يضع القارئ في الوقت نفسه داخل عالمها  الخاص جدًا، لا سيما وأن السرد يأتي هذه المرة من خلال البطلة «خميلة» وما حدث لها أثناء «ثورة المتقي» في مدينة السور التي لا يحدد الكاتب مكانها، وإن بقيت الإشارة إلى كونها في السودان واضحةً أيضًا بغير لبس.

كنت وحيدة، وأعرف أنني سأظل هكذا وحيدة من زمن طويل، الزمن الذي كان من الممكن أن يمتلئ فيه البيت بصبيان وبنات، ولم يحدث ذلك. كنت تلفتّ حولي و أنا صغيرة، متذمرة، ولم أر صغيراً يتذمر في البيت غيري، وتلفت وأنا مراهقة واهنة العواطف ولم أرَ مراهقاً في البيت بأي نوع من العواطف، غيري، وعيال الجيران الذين التصقت بهم كثيراً، وتبادلت معهم شقاوتي الأولى  ألعابي التي توفرت عندي، مثل الدمى المصنوعة من الحجر والصلصال والقطن، كانوا مجرد عيال جيران، يصرخون ويضحكون ويسقطون ويقومون، ويبكون وتتسخ ثيابهم، وينامون في النهاية في بيوت أخرى، بعيدا عن وحدتي.

هل كنت أبكي من وحدتي؟ صحيح، هل كنت أبكي؟

 انتقال السرد من الخاص إلى العام

ولكن الحكاية ليست عن سيرة حياة القبطية «خميلة» أو حتى قصة حبها «لميخائيل رجائي»، أو حتى علاقتها بوالدها تاجر الذرة الأشهر في المنطقة «جماري الزعيم»، كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ منذ مطالعته للفصول االأولى من الرواية، ولكنها حكاية مأساوية أخرى، تضاف إلى قصص المآسي التي تزخر بها الروايات العربية.

وهي وإن كانت تحكي قصة متخيّلة عن ثورةٍ سمّاها الكاتب «ثورة المتقي» تلك التي استباحت قتل المخالفين لها سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود، فإنها ولا شك تشير بطرفٍ خفي إلى ثورةٍ سودانية مثيلة وشهيرة هي «ثورة المهدي» التي يبدو أن الكاتب (وللمرة الثانية على التوالي) أراد أن يسير بروايته وحكاياته بعيدًا عن أن تكون تأريخًا مباشرًا لأحداثٍ معروفة، ولعل ذلك ما جعلها صالحة لأن تكون قياسًا لما يحدث اليوم على أرض الواقع من خلال جماعات وتنظيمات إسلامية مسلحة، تزعم أنها تطبق شرع الله وهي تملأ الدنيا بالخراب والدمار والقتل!

يقسّم «أمير تاج السر» روايته على أربعة فصول، كل فصلٍ منها يحوي عددًا من المقاطع المرقمّة، يأتي الفصل الأول بعنوان «شغفٌ ومدينة» يعرض فيه الحياة الهادئة التي كانت تنعم بها بطلة الرواية «خميلة» وصويحباتها وما تحلم به من علاقةٍ حبٍ مع خطيبها «ميخائيل» عارضًا أحلامها وأفكارها وعلاقتها بمجتمع تلك المدينة من حولها، ثم يأتي الفصل الثاني «ليل» الذي تختلف فيه الأحداث وتتصاعد بدءًا بالخبر الذي ينقله «ميخائيل» إلى «خميلة» عن تلك الثورة التي بدأت في مدن قريبة من مدينتهم  وأنها توشك أن تصل إليهم :

لم يكن حكي «ميخائيل»  حكي خطيبٍ لخطيبة، ولكنه حكي مذعور لواحدةٍ أشد ذعرًا منه، كانت ثمة ثورة كبيرة قد اندلعت في مكانٍ قريبٍ من السور، وجياعٌ سموا جهاديين أججهم من سمي «المتقي» قائد الثورة، كانوا ينتهكون القرى بيوتًا وحقولاً ومساحات رعي، ثمّة قتل وذبح وشهوات مراقة هنا وهناك، وثمة معسكران لا ثالث لهما، معسكر الإيمان، ويمثله المتقي وجماعته التي تأتمر بأمره، وتفتك حتى بآفات الأرض، ومعسكر الكفر الذي نمثله كلنا مسلمون وأقباط ويهود وبوذيون .. ما دمنا خارج جنون الثورة ومشروعها العنيف..

يأتي الفصلين الأخيرين الثالث والرابع بعنوان «النار»، ثم «النار أيضًا» ليعرضا الحال الذي آلت إليه المدينة وأفرادها بعد هجوم جيش «المتقي» على المدينة التي كانت آمنة مطمئنة، يعيش فيها الناس على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم في أمان وسلام، ليحولوا كل شيءٍ فيها إلى الدمار ويزهقون أرواحًا برئية ويجهضون أحلامًا كادت أن ترى النور.

تحكي الرواية عن التحوّل المأساوي الذي تعرضت له «خميلة» وزميلاتها اللائي أصبحن مجرد محظيات لأفراد جيش «المتقي» يمتثلن لأوامر «أم الطيبات» التي تسعى لتطهيرهن من الكفر على حد زعمها، فتتغيّر أسمائهن، وتتحوّل «خميلة» إلى «نعناعة»، ورغم استسلامهن للحال التي أصبحن عليها إلا أنهن لا ينجين من المعاملة الوحشية التي تصل إلى قطع رقبة إحدى الهاربات أمامهن حتى لا تفكّر إحداهن في الهرب!

وهكذا يدين «أمير تاج السر» الإرهاب والتطرف والتعصب الديني الذي بدأ ينتشر في العديد من المدن في عالمنا العربي، وهو إن كان يتكئ في حكايته على التاريخ إلى أنه ينسج من حولها عالمًا خاصًا به، مستعيدًا موروثًا من الحكايات والأساطير الخاصة بالمدن والقرى السودانية التي عاش فيها وخبر عالمها جيدًا، وهو في هذه الرواية كما في غيرها يجمع باقتدار بين الحكي الشعبي والسرد الروائي، وتبدو روايته رغم قتامة عالمها قادرة على المزج بين الواقعية السحرية وخصوصيتها وبين حكاية الواقع والتعبير عنه وتمثله تمامًا .

كثيرات منا خرجن إلى شوارع السور، وشاهدن الوجع مباشرة، من دون وصف وسيط، شاهدن البيوت المهدمة، والأشجار المجتثة من عروقها، والحرائق التي ما زال رمادها يتجدد باستمرار، وشاهدن العقارب والثعابين تزحف علانية، والقطط والكلاب الضالة، كسيرة الجناح، بلا مواء أو نباح، أو حتى قمامة فيها رائحة طعام. كثيرات نودين إلى نزوات كبيرة، في أماكن مختلفة، داخل السور، وخارجها، بعضهن تزوج لأيام قليلة وسرّح، وكن أدوات متعة لنزوات متوحشة، كما حكين بهمس، وهن يزلن القمل عن شعورهن، ورائحة السخافة عن أنفاسهن، ويهرشن أماكن خاصة جداً، تعرضت للإيذاء، من دون رحمة.

انهيار الخط الفاصل بين الحلم والواقع

جاء اختيار نموذج الفتاة المتعلمة الحالمة، التي درست علم الجمال في  مصر، وتقرأ الشعر لها ولخطيبها، وتحاول أن تغيّر من أفكار صاحباتها وتستعيد استكشاف العالم، اختيارًا موفقًا لنموذج المرأة التي يتعاطف القارئ مع حكايتها ويعيش تفاصيلها، ولم يكتفِ الكاتب بتلك الحكاية وما فيها من تفاصيل مزعجة لا تبعتد كثيرًا عن أعمال القتل والقهر التي يمارسها الكثير من التنظيمات الجهادية هذه الأيام، ولكنه أراد أن ينقل للقارئ شعور البطلة، وذلك في آخر مشاهد الرواية، حينما ينهار الحد الفاصل بين الحلم والكابوس وما تحكيه «خميلة» بشكلٍ واقعي.

إذ تسرد الرواية  محاولة أحد «الخصيان» مساعدة «خميلة» التي أصبح اسمها «نعناعة» للهروب من معسكرات «المتقي» التي ستحولها إلى «محظية»، وهي في كل مرة تحكي خطة الهروب نفاجئ بأنها إنما كانت تحلم! إذ لايبدو أن هناك مفر للزهور في مواجهة النار التي اندلعت ولم يعد أحدٌ قادرًا على إخمادها.

وهكذا استطاع «أمير تاج السر» أن يضرب أكثر من عصفورٍ برواية واحدة، فقد عاد إلى عالم رواية من رواياته الأثيرة، واستعاد شخصياتها وحكايتها، واستطاع أن يجيب عن سؤال القارئة بدقةٍ شديدة وتفاصيل كاملة، كما تمكّن من التعبير عن الواقع الذي نعيش فيه ونعاني ما فيه من حروبٍ وويلات ودمار من جهةٍ ثالثة.

تجدر الإشارة إلى أن «أمير تاج السر»أحد أهم الروائيين السودانيين المعاصرين، وصلت رواياته إلى قوائم جائزة البوكر أكثر من مرة، وحاز على جائزة «كتارا» عن روايته «366» عام 2015، وترجمت رواياته إلى عدد من اللغات الإنجليزية والفرنسية، يحرص دومًا في رواياته على التجديد ويدور في عالم خاص به جدًا يجمع بين الفانتازي والواقعي باقتدار، كما يكتب مقالات دورية في عدد من الصحف والمجلات يتناول فيها  عوالم الكتابة ودهاليزها وأسرارها.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر في مجلة تراث الإماراتية 

إقرأ المزيد...

حذاء فيلليني: التحايل على القمع بالألاعيب السردية

إبراهيم عادل

ذكرتني العودة للكتابة عن القمع في الرواية بكتابٍ هام للناقد اللبناني «شاكر النابلسي» أسماه اسمًا مفارقًا هو «مباهج الحرية في الرواية العربية» يستعرض فيه عددًا من الروايات التي تناولت وتحدثت عن كل ما هو ضد الحرية والبهجة من قهر وقمع وظلم وقسوة في عددٍ من الروايات العربية، وهي الظاهرة التي كانت آخذة في التراجع حتى استعادتها -فيما أعتقد- ثورات الربيع العربي ليعود الكتَّاب والروائيين مرة أخرى لوصف ما كان عليه الحال قبيل تلك الثورات من ظلمٍ وقهر للإنسان في كل مكان!

 

 

إقرأ المزيد...

بي دي إف| "سجن النساء" لـ فتحية العسال

في الواقع لا أعرف هذه المرة إذا ما كان ما سأقدمه سيعجبكم أم لا..

لقد ملأ مسلسل (سجن النساء) الذي كتبته المحترفة "مريم نعوم" وأخرجته الأستاذة كاملة أبو ذكري شاشات العرض والسمع والبصر منذ عامٍ مضى،

وبقي اسم الكاتبة "فتحية العسّال" الموجود في تتر البداية بالنسبة للكثيرين ـ أو بالنسبة لي على الأقل ـ غامضًا، لذا حرصت منذ وجدت المسرحية أن أقتنيها، لكي أرى إلى أي حدٍ يتطابق ما كتبته الكاتبة الكبيرة مع ذلك العالم الواسع ذي التفاصيل الكثيرة المتشعبة (والذي امتدت حلقاته لتتجاوز الثلاثين حلقة) بشخصياته النسائية المميزة جدًا .. 

إقرأ المزيد...