wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الثلاثاء, 17 ابريل 2018 12:33

طارق إمام : هذه حكايتي مع بطلي المولع بالقتل

كتبه

حاوره : نائل الطوخي

"الكتابة دي طلوع روح هذه الجملة تقولها إحدي شخصيات رواية هدوء القتلة للروائي الشاب طارق إمام، تبدو الجملة مفتاحا للرواية، حيث يتجاور القتل وكتابة الشعر في جسد قاتل متسلسل، قاتل ينفذ جرائم متتالية بلا هدف سوي القتل، بيده الأولي يقتل وبالثانية يكتب الشعر. أسأل طارق عن هذا الترابط فيقول لي بابتسامة: هذا ليس قاصرا علي الرواية، الكتابة نفسها هي قتل للحظة مبتذلة للخروج منها بلحظة مدهشة. عن القتل المتسلسل، عن القاهرة والتصوف كتب طارق إمام روايته التي استحقت أسئلة عديدة أخري:

ـ في الرواية، تسعي لخلق شخصيات من لحم ودم، غير أننا في نفس الوقت نبدأ الرواية مع افتراض بديهي وهو أن سالم قاتل متسلسل، ولا نعرف أسباب هذا علي طول الرواية؟

ـ القاتل المتسلسل بطبيعته هو قاتل بلا سبب مادي ملموس مثل السرقة أو الانتقام. وإنما يقتل بناء علي هاجس داخلي ما يسيطر عليه، وهو في الغالب يعيش تحت يقين أنه نبي أو مخلص. كان مبرر سالم هو مخطوط الناسك المقدس الذي اعتبره كتابه المقدس في القتل، بالإضافة إلي اعتقاده غير القابل للشك أنه ملهم وقد يكون مخلصا ونبيا بالمعني الضد. في الرواية كذلك قدمت أسطورة أن يدا تقتل حتي تتمكن اليد الأخري من كتابة الشعر. فكرة القاتل المتسلسل أيضا هي فكرة غير موجودة في مجتمعنا ولا يتم استيعابها بسهولة، وحتي في الرواية العربية لم أقرأ مثلها، أغلب ما قرأته عن هذه الشخصية كان أمريكيا.

ـ كنت تنقل نموذجا أمريكيا للرواية المصرية؟

ـ لا. لم أسع لهذا، أنا أري أن للقاتل المتسلسل معني وجوديا، وبالتالي لماذا لا نتخيل أن هذا النموذج موجودة عندنا؟ هناك بعد صوفي موجود في هذه الشخصية. الصوفية تقترب من الله بشكل عنيف، ويتجاور بداخلها الإيمان والعنف في نفس الوقت. والسطر الذي صدرت به الرواية لابن الفارض: لا خير في الحب إن أبقي علي المهج ، يحمل هذا المعني. هناك رؤية صوفية بأن خلاص الروح من الجسد هو حياة للروح. هنا فكرت لماذا لا يكون هذا القاتل هو ابن ثقافتنا بالأساس، وإذا كان التراث الصوفي هو هامش بالنسبة للتراث الديني كله، فالقاتل المتسلسل هو هامش بالنسبة للقاتل بشكل عام.

ـ تنظر لهذه الشخصية من الخارج. ولكنها تبدو أحيانا وكأنها تعبر عن أفكارك ولغتك أنت.. ما مدي علاقتك بها؟

ـ العلاقة بيني وبين سالم هي علاقة متراوحة جدا. لغته هي لغتي، ولكن أفكاري ليست هي أفكاره بالضبط. يمكنك القول أنني هنا كنت أختبر بعض أفكاري، كأسئلة وليس كيقينيات، في سالم، مثل فكرة اليد التي تقتل حتي تكتب الأخري. أنا مثلا غير قاهري ودوما فكرت في أنني إما أن أكون بلا أسرة حتي أصبح كاتبا أو أعيش مع أسرتي وأتنازل عن حلم الكتابة، وأنا أعمل بالصحافة، فكرت في أنه لابد أن من أهين لغتي في الصحافة حتي تصفو وأستطيع كتابة الأدب. هذا هو المجاز اللي حاولت تجسيده في صورة سالم بشكله الأكثر تطرفا، هو يقتل شخصا لا يعرفه حتي يكتب قصيدة يعرفها تماما.

ـ برغم الحبكة البوليسية للرواية، إلا أنني رأيت أنها كانت مشغولة بالتأملات علي الدوام وليس تتبع الحدث؟

ـ ربما وصلك هذا الانطباع لأن الرواية كانت تخون حبكتها علي الدوام. مثلا اكتشفت أنني قتلت جابر بعد ظهوره مباشرة، وكان يمكن أن أؤخر هذا. قررت الإبقاء علي جميع مفاجآت الرواية. لم يكن من الضروري أن أنتظر النهاية حتي أقتله. كما قال لي ناقد أن أكثر شخصية توقع أن تموت هي سائق التاكسي، لأنه الوحيد الذي مارس قهرا حقيقيا علي سالم، وكان هذا جزءا من مفاجآت سالم لي.

ـ علي أي أساس إذن كان سالم يختار ضحاياه للقتل؟

ـ لأنهم وحيدون . لا تنس أن جزءا كبيرا من سؤال سالم وسؤالي في هذه الرواية هو القاهرة. المدينة التي كلما ازداد صخبها ازداد الناس فيها وحدة. سالم كان دائما متعاطفا مع الوحيدين، مثل جابر وليل وسوسن، وكان يقتلهم مدفوعا بالتعاطف معهم، حيث سيخلصهم من هذا العالم الصاخب الذي يشعرون فيه بالوحدة إلي عالم آخر.

شعرت أن السبب وراء خفوت البعد التشويقي هو كون الرواية بدت لي علي هيئة قصص قصيرة، فكل مشهد منها هو قصة مكتملة بحد ذاتها، وهذا ما أحسسته أيضا في روايتك السابقة شريعة القطة ؟

في الروايتين كان العالم هو من خلق شكله . في شريعة القطة كنت أتعامل مع العالم بوصفه شظايا، وبهذا المنطق لم يكن يجوز كتابة رواية متماسكة. في هدوء القتلة كانت لدي مشكلة. فالقاتل لا يملك تاريخا مع ضحاياه، وبالتالي لا يمكن خلق هذا التماسك. كان يقتل الشخصية بمجرد معرفته لها، وكانت كل ضحية هي البطلة في المشهد الذي تقتل فيه. في إحدي مرات كتاباتي للرواية عملت بشكل مختلف، حيث كان لكل ضحية من ضحايا سالم تاريخ خاص بها ولكنني لاقيت مشكلتين ساعتها، فالمسافة بين القاتل وضحيته ستغيب ساعتها وقتله لها لن يكون مقنعا في هذه الحالة، كما أن سالم نفسه هو شخص بلا تاريخ. عندما فكرت في خلفيته قررت منحه وظيفة ولكن ليس أسرة، واخترت أن يكون من خارج القاهرة، أي أن يكون شخصية منبتة ولا منتمية، ولكنه يقتل أشخاصا ينتمون للمدينة. أو لظلالها علي الأقل.

ـ بمناسبة القاهرة، لم أشعر أنك كنت تصف هذه المدينة وإنما قدمتها بشكل خرائبي وشبحي؟

ـ عندما بدأت الكتابة كنت أريد تقديم قراءة مختلفة للقاهرة، ولكنني سألت نفسي أي قاهرة أريد الحديث عنها. اكتشفت أن لكل شخص مدينته الخاصة. وقررت أن القاهرة هنا لا يمكن قراءتها إلا بالمنطق الداخلي لسالم، فهو في مشهد يكون مجذوبا في القرافة وفي مشهد آخر يقف في بناية شاهقة جدا. الروائية منصورة عز الدين قرأت الرواية كمخطوطة وقالت لي أنها شعرت فيها بمزاج فيلم مدينة الخطايا الذي يقدم مدينة كأنها مدينة أشباح. وعندما شاهدت الفيلم اكتشفت أن هذه الأجواء هي ما كانت في ذهني بالضبط وأنا أكتب. سالم كان يستبطن القاهرة ولا يراها. وبالنسبة له لابد أن تكون مدينة تخييلية، هو شخص ذهاني ولا ينام، والحدود بين الواقع والخيال ممحوة لديه. هو يتخيل مثلا أنه يقتل المانيكانات والطيور.

ـ  في الرواية ثمة مشهدان كانا قد نشرا من قبل كقصتين منفصلين، ولكنك استخدمتهما في الرواية باعتبارهما من نسيج النص؟

ـ  نعم. كنت قد نشرت القصتين بالفعل في الصحف ولكنني رفضت ضمهما لأية مجموعة قصصية. قبل هدوء القتلة ظللت خمس سنوات لا أنشر أي شيء. كنت أشعر دائما أنني سوف أستفيد من هذه القصص للنشر في عمل أكبر. وعندما عملت علي الرواية وظهرت لي شخصية الناسك كنت أفكر في شكل المخطوط وبأي لغة سوف يكتب. هنا استدعيت هاتين القصتين وقررت إعادة نشرهما، مع بعض التغييرات: جعلت لغتهما أكثر عتاقة حتي تناسب لغة الناسك كما ربطتهما ببعض الأشخاص داخل الرواية مثل ليل الإسكافي. ومن ناحية أخري لم أخف أن يبد بهاتين القصتين بعض النتوء لأن خطاب الناسك نفسه هو خطاب ناتئ. ودعني أذكرك أن رواية هدوء القتلة نفسها قائمة علي قصة قصيرة لي عن يد تكتب شعرا ويد أخري تقتل، وعلاقتهما ببعضهما البعض ..

عودة إلى الملف