wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 16 نوفمبر 2017 18:44

وحيد الطويلة: سوف أكتب نصِّي وأمضي

كتبه

حاورته ـ جريدة الجزيرة

يجلس وحيد الطويلة بمفرده في احد المقاهي ليكتب.. يكتب عن العابرين والغرباء، ويتعلم من لغة المقهى أن يكون بسيطاً وحميماً.. ان يكون صديقاً للبسطاء.. علمته لغة المقهى ان يكتسب أعمق صداقة في اقل من دقيقتين.. كتاب وشعراء ونقاد من المحيط الى الخليج يعرفهم وحيد الطويلة ويعرفونه كأصدقاء. كل هذا ينسج منه وحيد الطويلة قصصاً لا شعورية غالباً، لانها تنبع من مساحة مشتركة بين الحكي الشفهي والحكي المكتوب.. كما يتضح في مجموعتيه : «خلف النهاية بقليل» و «كما يليق برجل قصير».

من الريف الى المدينة

يلاحظ في مجموعتك الثانية :«كما يليق برجل قصير» انها تميل اكثر الى اجواء الريف، بعكس المجموعة الاولى...!»

لكأنني كلما اكبر ارتد الى تفاصيلي الاولى، دون حنين للبكاء، او استرجاع مجاني، لكني أواجه قسوة الحياة بشلال الابتسامات من وجه جارتنا الطيبة وهي تعطيني رغيفاً ساخناً خارجاً لتوه من الفرن. فأمي تنتظر دورها امام الفرن وأرغفتنا لم تدخل بعد.

انها عبارة هيمنجواي «اكتب عما تعرفه»، انا اعرف الوان ملابس عائلتي قبل ان يشتروها.. واعرف مبلغ الرجولة الخارجي بظهور الشوارب، ومظاهر الاحتفال بها. واعرف دون ادعاء متى يأتي خراط البنات الى قريتنا، هل عقدت صداقة مع الحمام.. يا سيدي، لقد كنت وانا صغير اربي مجموعة من الدجاج تصيح ديوكها عندما تراني!! قدر كبير من الطيبة، بل قل : السذاجة احتمي بها.. واحاول ان احمي ريفاً به كثير من البؤس والشقاء.. انها محاولة أرجو الا تكون بائسة للتظاهر بأننا لا نعيش في المدينة.

رغم ما تقول.. الا انك لا تقف عند تخوم قريتك فحسب.. فهناك المقاهي ومحطات القطار والسيارات وغير ذلك من ملامح المدينة.. ايعني هذا ان هناك حيرة على مستوى الابداع بين الريف والمدينة كفضاء للنص؟!

انها الصدمة التي لا تنفع معها كل اتفاقات السلام.. هل تتذكر عبدالمعطي هجارسي في مدينة بلا قلب. سعد الدين حسن في مجموعته الاولى: احترس.. القاهرة.. المدينة تبدو لنا مثل حبيبات ضائعات لا يكبرن في الذاكرة كما يقول رشيد غمري.. انظر للمدينة اراها دائماً عصية على الصداقة.. اقصد القاهرة تحديداً.. أهجرها دائماً وتهجرني.. حتى الوجوه التي اصاحبها فيها ربما تكون صدى لوجوه اخرى منحوتة في الذاكرة، أو مخترعة اختراعاً. ربما يجمع بينها اشياء بقدر ما تفرقها هل هو الهم، ومعاركة الحياة، واحساس مشترك بسيط وعميق بالجمال؟ هل يعني محاولتي لمصاحبة شخوص المدينة واماكنها انني احاول الانتصار عليها، او هو نوع من التواطؤ المشترك، تشرق ايامي لكنني متيم بحبيبة اخرى هي القرية.. ربما.. او عل ذلك يحقق لي نوعاً من التوازن.

قصة في المقهى

من المعروف عنك قصصك غالباً، بانها كتبت في مقهى كذا.. واحياناً يكون المقهى بطلاً في النص أو وعاء للحدث.. فما سر ارتباطك بالمقهى كمكان؟

أكتب دائماً في المقاهي، وليس احياناً، ياسيدي، القرويون يحملون ذاكرتهم واسماء اقاربهم، ويطبعونها على اماكنهم بالمدينة. اصبحوا الآن ينشئون مقاهي لا يدخلها في الغالب سواهم، يسمونها باسم قراهم. هل جربت ان تأتي لمدينة لا تعرف احداً فيها لا اقارب، لا اصدقاء حيطان البيت في المدينة كانها سجن صغير.. لتنفلت من سجنك اذن، واذهب الى اقاربك في المقهى، واستلم عند دخولك للتو بطاقة الامان ابتسامة واشرب احياناً دون ان تدفع، وصادق الجرسون من اول كلمة، والق وحشتك خارج الروح.. مقهاي موطني كما يقول شربك داغر لتبق صامتاً احياناً في المقهى فلن يجرح احد صمتك.

معنى هذا.. انك تعتبر نفسك من الكتاب الذين يشكل المقهى ركنا اساسياً في تجربتهم الابداعية.. مثلما كان نجيب محفوظ في علاقته بمقهى ريش والفيشاوي؟

اظن ذلك صحيحاً الى حد كبير.. لم اكتب حرفاً واحداً خارج المقهى ، ربما تتوحد عندي لحظة الكتابة ولحظة الجلوس في المقهى، يتحرك وجع الكتابة الى اي مدى يصبح هذا جزءاً من الكتابة او خارجاً عنها لا ادري حقيقة.. لكنه بالقطع جزء حميمي، هو ليس طقساً فحسب، بل أعلى بكثير.. هو الحنين والراحة واختفاء الخوف.. اظنني لست استثناء، هناك حلمي سالم والماغوط وغيرهما.

خارج الزمن

من خلال قصص المجموعتين، تبدو شخصياتك التلقائية والعفوية كأنها تتحرك خارج اطار الزمن؟

لا أعرف على وجه الدقة، وهذا دور الآخرين.. يقول جمال القصاص انني املك مقدرة ما على نفي الزمنية، وان الشخوص لا يحد في حركيتها مرجعية ما او زمن محدد، بل هي تخلق زمنها من تداعي القص. كل هذا الكون بسمائه وسياراته وماعزه.. الى اي مدى يمكن ان يشفيك وان يريحك. انه يضعك داخل زمنه الخاص، كما يقول نزيه ابو عفش. انها اسئلة الكتابة، بل اسئلة الوجود.. هل الكتابة تشفيني؟ هل تستطيع ان تجعلني اتوازن مع العالم؟ ربما الكتابة.. وربما نفي الزمنية هو حائط صد لي ولشخوصي. ربما تصنع لي توازناً ما مع خوفي من الموت، ربما هذا الوجود غير المقصود خارج الزمن هو محاولة نصف يائسة للقفز على الاشياء الكثيرة التي تربكني.

بالنسبة للغة القص لديك.. احياناً بالكثافة والشعرية واحياناً تتحول الى سرد نثري عادي..

ليس لي علاقة بالطبع بهذا الكلام الكبير الذي نقرؤه هنا وهناك، والذي ازدادت رحاه هذه الايام، مثل النفس الشعري المغامر او اللغة الشعرية، ان ماركيز يقول: ان افضل القصص هي التي تتناول العالم بشعرية.. لم اقصدها بالطبع ولا أعتذر عنها انا ابن بيئة حديثها العادي مقفى وموزون، وعلى الاقل مسجوع، هل هي محاولة لادخال مسحة من الجمال على بيئة شكلها الخارجي فقير، وساكنوها لا يرون تنوعها؟ فقط اعتقد انني انزع الى قصة شديدة الوجازة مكثفة الروح والايحاء. نحن أبناء شعراء بالسليقة يحكون قصصهم من على ظهور احصنتهم. لغة مكثفة وامثال قصيرة تكتنف حياتهم دائماً ولا تنسى انني جئت من مكان كان معظم اهله لصوص...! حكايات جدتي وغنج البنات في غفلة الاب والعم.. ثم صبر الفلاح الذي يبذر الارض وينتظرها شهوراً طويلة يعاركها ويغني لها.

الشعرية وعنف الواقع

لكن البعض يرى ان هذه التقنيات الشعرية تتعارض مع عنف الواقع وقسوته؟

منذ متى ياسيدي كانت الشعرية تتعارض مع عنف الواقع؟! ما الذي تمتلكه الكتابة في مواجهة عنف الواقع من اسلحة؟ ان المواويل الحزينة لجدتي التي كانت تصارع بها عنف الواقع كانت غنائية.. ونحن ندافع عن ارضنا بالغناء جنب السلاح. في قصتي «المدينة» الرجل الذي كان يجرجر علم امريكا ويصرخ في وسط الميدان بأنه جوعان. حين اخذ ما يكفي لسد حاجته رفض جنيها آخر لم يعد يلزمه. ان الغنائية هي سلاح الغلابة ومن لا يغني لا يقاتل!

أزمة جيل

برغم ان لك مجموعتين قصصيتين إلا ان جيلك جيل الثمانينيات يبدو دائماً بلا ملامح؟!

ليست مع البعض في مسألة الاجيال. ربما جئت في اواخر الثمانينيات ولكنني اصدرت في التسعينيات، انني في المنطقة المحرمة التي لا احزاب لها، فقط غلابة ومهمشون او اكراد كما اطلق عليهم. جيل السبعينيات جاء في صدمة واحدث صدمات.. لقد جئنا في وقت العزل بين الشعر والرواية على الوجوه والزعامة واصبحت القصة ابداع الفقراء.. الا تعتقد ان من يكتب القصة القصيرة الآن شهيداً انظر الى ذاكرة جمعية «متردية» كسولة تقف فحسب عند يوسف ادريس ولا تتجاوزه الى آخرين.

الا يدفعك هذا للتفكير في شكل ابداعي آخر؟

افكر، وربما بدأت.. القصة رغم متعتها غاية في الصعوبة، تحتاج الى موهبة ومهارة اجدها عصبية وممتعة.. على ان ادهش كي ادهشك.. نزوعي نحو الرواية ليس مواكبة.. بل هو نزوع الحاجة، ان لم تكن هناك رغبة ذاتية فلتبق مكانك.

أزمة الإبداع العربي

من خلال عملك الاعلامي بجامعة الدول العربية الا يتيح لك فرصة متابعة الحركة الثقافية والابداعية على مستوى الوطن العربي؟

لا اظن ذلك، عبر المؤسسات الرسمية لن تتابع جيداً. صحيح، انا اتابع نصوصاً ومقاربات في صحف عربية شتى لكن لا اعتقد ان ذلك يكفي. والامر يحتاج الى مطالعة كتب كاملة ومتعددة.

لكن بحكم صداقاتك المتعددة تستطيع ان ترى ما يميز التجربة الابداعية في الخليج مثلاً!

دعني ارى بشكل بسيط هذه الاصوات التي تحترق وتبوح بما كان مسكوتاً عنه، وتكتب محاذيرها ادخلها. انظر بفرح لأسماء وتجارب حقيقية لسيف الرحبي وسعيد السريحي وعبده خال وعبدالعزيز مشري وعالية شعيب وسعدية مفرح وظبية خميس وفوزية رشيد وقاسم حداد وغيرهم.

من خانة المبدع والمتابع في آن واحد. ما رأيك في الاتهام الدائم بان الابداع العربي يتأخر يوماً عن يوم؟

على مستويات عديدة وازمات متعاقبة قتل المثقفون وحرقت الكتب وعانينا من رقابة الرقابة.. هل يصدق قول شكري عياد حين قال: اننا كمثقفين لم نعلم الناس جيداً كي يقفوا معنا؟ هل الطيب صالح الذي لم يعد يرى جدوى للكتابة.. وهل نزيه ابو عفش الذي يقف معه في نفس الخندق.. هل محقان؟ وكم يبيع نجيب محفوظ من كتبه سواء قبل نوبل او بعدها؟ الابداع العربي والثقافة العربية هما هوية الامة لكن منظومة القيم التي تغيرت هي التي تحاول ازاحة الثقافة الى ركن بعيد.

جزء من تلك الازمة يا سيدي يأتي من علاقة الثقافي بالسياسي، ومحاولة الاخير دائماً ان يأخذ دور الاول، وإن لم يستطع فليستثمره لصالحه.

واستشراف المستقبل.. ماذا عنه؟

نحن غلابة يا سيدي.. سوف أكتب نصي وأمضي.

 

عودة إلى الملف