wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 16 نوفمبر 2017 17:34

وحيد الطويلة: أفكر أن أكتب من بعيد لتضحك كتابتي أو تصرخ في وجه العاصفة

كتبه

 حاورته: بديعة زيدان

 “رئيس جمهورية المقاهي” .. “عرّاب الجمعة” .. “الديك الذي يبيض رواية كل ثلاث سنوات” .. “الفلسطيني بالدم والروح ورائحة والدته” .. إنه الروائي المصري وحيد الطويلة، في بوح لـ”أيام الثقافة”، يجوب بنا في شيء من عوالمه السرية والسحرية في آن، ليس ببساط علاء الدين، أو بسطوة عصابة علي بابا الأربعين، بل برهافة تجعله لا يخترع تجاعيد الوجه، بل ينغمس في تجاعيد الروح، قبل أن يستغرب صاحب “ألعاب الهوى”، و”أحمر خفيف”، و”باب الليل”: ومن قال أني لست فلسطينياً .. معه كان الحوار التالي:

يطلق عليك “رئيس جمهورية المقاهي” ما سر هذه التسمية وما علاقتها بكون المقهى هو الحيز الجغرافي لروايتك الاخيرة “باب الليل” ؟

أنا كاتب مقاه بامتياز، لا أكتب حرفاً خارجها، حتى الحوار الذي بين يديك، أتيت القاهرة وحيداً إلا من خجلي وطيبتي- اكتسبت الشر فيما بعد، الحقيقة أنني أوهم نفسي بذلك كي أستطيع أن أعيش- الوهم بالأشياء والايهام بها ضروري للصراع ولو للتخويف، شيمون بيريز قال لعمرو موسى حين طالبه الأخير بزيارة مفاعل ديمونة: ماذا لو كان فارغاً؟

قلت جئت القاهرة وحيداً من أبعد نقطة في شمال مصر حيث بالكاد عرفنا أسماء الأنبياء، عشت في المقهى بلا أقارب أو حبيبة، منحني المقهى الونس والألفة وتقاسم الفرح والخوف مع الآخرين، صار لي بيت، وأقارب وأصدقاء، هنا بدأت القراءة والكتابة والالتصاق الحميم بكرسي في الركن.

تعرفني جل مقاهي العالم العربي من بيروت إلى موريتانيا، يعرفني كل الندل وتعرفني كل المشروبات، ربما حققت الوحدة المنشودة للآخرين دون أن أدري، مع الوقت وفي رواية باب الليل بالتحديد، كنت أعود المقهى ليلاً، هو وقتي المفضل للكتابة، كنت أرى أحياناً شياطين الكتابة تتقافز على الكراسي حول طاولتي، لا أعرف من منا عشق الآخر، تكاد زوجتي تطردني من البيت في معظم الأعياد الوطنية- وهي كثيرة والحمد لله- بسبب الوقت الذي أتبتل فيه في المقهى، غيرة من نوع آخر ربما.

على أية حال، تمرمدت بين عديد الوظائف، كنت أرى الهامش الضيق يضيق أمامي بفعل الفساد الرابض تحت الجلد، كنت أعرف كما يقول الرحابنة في مسرحية الشخص: أن الناس كلها تريد الكراسي وما من كراسِ تكفي الجميع، كان عليَ أن أخترع براحاً لروحي فاخترعت هذا المنصب الذي اعتقدت – مخطئاً للأسف- أن الصراع لن يطاله وأن الأطماع لن تصل إليه،  ودعوت وقتها العقيد القذافي الذي ادعى طيلة حياته أنه لا يحكم- دعوته لأن يتولى منصب نائب الرئيس، في مملكة أقوى وأعظم وأكثر شفافية وحلماً وأقل كوابيس.

في “باب الليل” الجغرافيا محددة لكن التاريخ واسع قلاب أوجه والمخاض كبير، المقهى صوت الغريب، صوت من لا صوت له، يصلح هذا كشعار سياسي بالطبع.

نمت في المقهى طيلة ثمانية وعشرين يوماً هي عمر أيام حظر التجول قبل أن تجبر الثورة بن علي على مغادرة تونس، في تونس هناك ما يطلق عليه الليالي البيض والليالي السود تبعاً لفصول السنة وتقلباتها، كانت لياليَ سوداء لكنها كانت بيضاء على الكتابة وعلى شعب تونس.

في باب الليل ربما كنت أعيش ما في المقهى لأحكي عما يحدث في الخارج، لم يكن الولوج للمقهى لحظة يتخفف فيها “الأبطال” من كوابيسهم، بل كان إعادة انتاج للأحلام المقتولة تحت الأضواء الساطعة، وآخرون يحققون أحلامهم في أجساد الآخرين التي تنساهم بمجرد خروجهم منها.

في المقهى تتسع الجغرافيا، تكاد حدودها تتلاشى عن بصرك، والتاريخ والرقص والغناء يفسحون لك طرق الأحلام والأوهام، رقعة ضيقة لكن الألم كبير والآمال أيضا، تكاد تطير من النوافذ وحتى لو ارتدت وسقطت في حجرك.

في البقعة الصغيرة، واحد يحلم بحرية العودة للوطن وواحد يحلم بحرية الجسد، الغرفة ضيقة والحرية واحدة لكن باب الحرية واسع يحتفي حتى بنضال موؤود، قد تؤجل الجغرافيا حلم الحرية لكن التاريخ والتجربة الإنسانية يفتحان لها أبواباً ومنافذ أخرى لتتسع.

في نهاية سهرة مع سفير فلسطيني في تونس، قلت: تصبح على خير سعادة السفير، رد: وأنت من أهله سعادة الرئيس!.

ناسبنا الحكومة إذاً”.

 

باب الليل

في روايتك الأخيرة “باب الليل” تحدثت عن الفترة التي قضيتها في تونس، وكان للفلسطينيين حضور فيها، ماذا عن هذا الحضور، وما الحد الفاصل ما بين الواقع والمتخيل في الرواية شخوصا واحداثا؟

عشت مع بقايا الفلسطينيين في تونس، أبحث عنهم طوال الوقت ويبحثون عني، أذكر أن أحدهم كان يعيش وحده، أسرته في منفى بعيد، كان يخشى الوحدة وربما تخشاه هي، يبحث عني طول الليل، يفتش في المقاهي حيث أتنقل للكتابة بين مقهى وآخر، يخرج كل الزبائن لبيوتهم وينام صبي الأرجيلة، ونجلس وحدنا مع المقهى ليقص علينا حكايته حتى قبيل الفجر بقليل.

عشت مع من حلموا وناضلوا واكتفوا بالحكايات، تعبوا من الترحم على الشهداء وعلى الأحياء، الذين يعيشون في تونس تحديداً مآلهم يكاد يشبه مآل الثورة أو ثورتهم كما تخيلوها على مقاساتهم، حتى ملامح الوجوه بأخاديدها.

هل هناك خيال كان من الممكن أن يقارب أزماتنا العربية التي نعيشها لنرى سورية والعراق والصومال والسودان واليمن، وأولاً فلسطين على ما نراه هذه اللحظة، هل كنا نتوقع ان نرى الخريطة العربية التي لا يغلبها غلاب على هذه الشاكلة.

لم اخترع مشكلة فلسطين ولا الفلسطينيين ولا تجاعيد وجوههم، لكنني ربما اخترعت تجاعيد الروح، التجاعيد في الوجوه حين تدخل الكتابة نرى منها تجاعيد الروح.

لم أعد أعرف الفرق بين الواقعي والخيال، لكنني أزعم أن مساحة الواقع كانت كبيرة لكنها ربما جنحت إلى الخيال لتفادي الكوابيس، وربما بشكل آخر أنتجت ما يسمى بقفا الواقع.

رواية غير متفائلة رغم محاولة أبطالها التشبث بخيط سراب والانتصار ولو للحظة على كل السلطات في الخيال.

وفي النهاية تصنع السلطة في العالم العربي الموت وتتدخل أحياناً في شكل الجنازات لكن الناس يختارون صلبانهم.

 

في وجه العاصفة

قلت ذات لقاء انك تسير على مقولة للشاعر سعدي يوسف “عش في الهامش واكتب في الواجهة” كيف تنعكس هذه المقولة على وحيد الطويلة الانسان والكاتب؟

عشت بعيداً عن الشللية، عن بؤرة الضوء في وسط المدينة، عن الجيتوهات الثقافية التي رفعت كتاباً للسماء قبل أن يسقطوا بعنف على الأرض.

كان عفيفي مطر حزيناً، كان يشعر بالظلم الشديد، ويقول إن البياتي ربع شاعر وأخذ حظ ألف شاعر.

وسط المدينة فاتن لكن نداهته قوية، ابتعدت عنه وكتبت من بعيد، لم أحضر بجثتي، كانت نصوصي تحضر بدلاً مني.

لا تنس أحياناً أن الروايات الجميلة ليست فقط لأنها جميلة، ولكن بما يشاع عنها.

هناك من يجلس تحت عامود في وسط المدينة، حيث تجمعات المثقفين ليطلق عليه أصدقاؤه عمدة وسط البلد أو خفيرها.

لست طامحاً ولا طامعاً في المناصب، فقط قد أرضى بمنصب وزير الثقافة ذات يوم بعد أن أنتهي من ثلاث روايات أود أن أكتبها قبل الرحيل .. أكتب الرواية تقريباً في ثلاث سنوات، ولم ثؤثر فيَ الأغنيات الحديثة بايقاعها السريع. أظهر دائماً في شكل المستغني الذي لا يطمح في شيء، لكنني طامع وموغل في طمعي بكتابة جديدة، أكاد أزعم أنني أبحث عن غرام بلغة عشق جديدة لم يقلها أحد من قبل، لكن البعض ربما لا يصدق أنني مستغن وعبد المنعم رمضان مستغن، ويظنونني مليونيراً من فرط الترفع.

صدقيني، أفكر كل صباح بالمصاريف الباهظة لمدارس البنات، وأقرأ دواوين الشعر، وأفكر أن أكتب من بعيد لتضحك كتابتي أو تصرخ في وجه العاصفة.

ستبقى الكتابة، ستبقى أحجار ريتسوس شاهدة على نزيف الحجر ونزيف الروح.

 

القصص شحيحة

لك العديد من المجموعات القصصية على مدار فترة زمنية طويلة وما زلت تكتب القصة ما الذي يشدك الى عالم القصة القصيرة؟

للأسف، أصبحت القصص شحيحة، انشغلت في الفترة الأخيرة بباب الليل ثم كتبت يوميات الثورة حيث عاصرتها كاملة في تونس.

مخاوفنا أقدارنا كما قالوا، كتبت القصة القصيرة جداً لسنوات، كانت حالة فاتنة، كنت أمشي كالمغنين وأكتب كالمغنيات.

قلت لنفسي: لو تركتها لن أعود اليها، لن أستطيع، وكأنني كنت فألاً سيئاً لروحي، هجرتني القصيرة جداً.

بين وقت وآخر تزورني واحدة، لعلني السبب، أنا عاشق من الطراز القديم، حين يصادفني الحب أعيشه كأنه أول الدنيا وآخرها، ربما نتعلم بعض المداهنة وبعض المراوغة مع الوقت لتنبت قصصاً جديدة.

 

بداية الكتابة

كيف بدأت حكايتك مع الكتابة الابداعية، هل بدأت موهبتك منذ الطفولة ام انك اكتشفتها في مرحلة لاحقة؟ وهل بالضرورة ان الابداع يرتبط بالطفولة؟

كتبت متأخراً، كنت كلما جلست في ندوة أو جلسة أصدقاء .. يقول البعض: هذا شاعر ويقول البعض: متى تكتب.

لا نعرف بالضبط مواعيد النبوة ولا مواعيد الكتابة، تأتي وحدها مع أنني كنت أكتب داخلي طول الوقت.

لم أتعلم جيداً، ولدت في منطقة نائية، لا توجد مدارس ولا مدرسون، حتى وقعت في يدي كتب تولستوي وتشيخوف ونجيب سرور ويوسف السباعي وامين يوسف غراب وسعد مكاوي، كانت تشحن إلينا مع مسيرات التنظيم الطليعي بعد هزيمة 67، وضعوها أسفل سلم في أجولة، لم يقرأها أحد، وظفرنا بما ظفرنا به حين بدأت الفئران تحوم حولها.

كتبت قصة وأنا صبي ونلت عقاباً شديداً ربما بسبب موضوعها عن والد جارتنا الذي يأتي لزيارتها كل فترة من البندر، ثم يمتطي الحمارة في أوقات رأيته فيها.

تقع الطفولة في الأدب وفي التحليل موقعاً جليلاً، لكن الموهوب موهوب ولو تأخرت كتابته، الدربة تصنع صائغاً ماهراً أو غير ماهر لكن الموهبة هي المصنف رقم واحد وربما الأخير.

كتبت رواية كاملة معتمداً على ذاكرة الطفل، وحاولت أن أبقي على الجمرة بشقتها الأولى.

لا بأس، أتمنى دائماً أن أكتب بدهشة الطفل بلحظة الاكتشاف الأولى، أكتب الحياة عارية من معتقداتنا وأتذكر دائماً جملة بيكاسو حين قال: آه، هل كان يلزم هذا العمر كي نكتب كالأطفال.

 

في حضن الرواية

لماذا ارتميت في حضن الرواية وهل تجد نفسك روائيا ام قاصا اكثر؟

لا أعرف، كنت منتشياً بالقصة القصيرة جدا، لكن ألعاب الهوى كان يجب أن تكون رواية وكرت السبحة.

كل ما أعرفة أنني أكتب الرواية بجملة القصة القصيرة، أكتبها وأنا واقف، ربما هذا أحد الأسباب في وجود الشعرية داخل النص.

ربما عاشت القصة في الفترة الأخيرة كشهيدة بين الأنواع، لكن هذا ليس سبب عزوفي عنها، فهي آخذة في الانتعاش هذه الأيام.

ربما السبب بشكل عام إن المتزوجين لا يكتبون قصصا جيدة، القصص تحتاج كما قال البساطي لبعض الحركة وهي عزيزة في ظل حظر التجوال الزوجي.

 

لماذا يكتب وحيد طويلة؟ ولمن؟

لم أجب في حياتي على سؤال لماذا تكتب؟ لكنني منذ وقت قريب سلمت الأرقام وأجبت، أظن أن أغلب اجابات المبدعين تحاول صد الموت بالكتابة، توقن أو تتوهم أنها تعويذة لا للخلود بل لمواجهته.

عبد المنعم رمضان يشتري كتباً جديدة كل أسبوع، عل الموت يستحي على دمه ويتركه ليكمل بقية الكتب وهكذا كل أسبوع.

أنا أكتب من أجل الحواجب الحقيقية، في الفترة الأخيرة انتشر “التاتو” ليحل محل حواجب النساء، لم تعد هناك واحدة بحواجب حقيقية إلا فيما ندر، أكتب بالحنين لاستعادتها، مزججة كانت أم غير مزججة، سوداء أو بكل الألوان.

يعجبني هذا المستيقظ بنصف عين فوق العيون، حتى ولو كانت أطرافه حوشية، هذا الذي يحمل السر، لا بد أن توجد أسرار في الكتابة وإلا فسدت وأهدرت جمالها.

 

الجوائز الأدبية

كيف تنظر للجوائز الادبية؟ وهل ترى انها مؤشر عادل للتقييم ورافعة للانتاج الادبي العربي؟

لا بأس بالجوائز، إنها تمنحنا بعض “البنزين” لمواصلة بهجة الكتابة، وتمنح البعض، وأنا منهم، فرصة لدفع مصاريف المدارس، وزوجتي تبحث عن مأذون يعمل طوال اليوم عند اقتراب موعد الأقساط لتنتهي مني إن لم أكن جاهزاً بها.

لكن الجوائز لها وجه قبيح هو الوجة الأكبر، إذ أصبحت معياراً وحيداً للقيمة، تحولت إلى حكم قيمة، مع أن أحداً لا يكاد يتذكر تسعين بالمائة من الروايات التي ظهرت في القوائم القصيرة كأنها لم تكن، ولا تصدقى كثيراً ما يقال أن الكتابة الجيدة ستبقى للنهاية .. أقول ذلك من وراء قلبي بالطبع، فالحقيقة أنها أصبحت معياراً للأسف، انظري إلى معارض الكتاب المقامة هذا الأسبوع ستجدين ان لائحة المدعوين هم أصحاب القوائم القصيرة والطويلة أيضاً.

الجانب المزري أنها أصبحت كشهادات التطعيم يجب أن تمر على كل البلاد أولاً حتى تعود لكاتب من البلد الأول كأننا في الاجتماعات الخرقاء للجامعة العربية.. إنها تمشي بالدور وتختلف عن الجامعة فقط في أنها لا تعتمد الحروف الأبجدية.

الطريف أن إحدى الجوائز العربية منحت جائزتها لمن لم يحصلوا على البوكر مثلا، وكأننا في دورة عالمية لكرة المضرب، حين يخرج اللاعبون الكبار من الأدوار التمهيدية تقام لهم على هامش البطولة دورة تسمى دورة الترضية.

وحتى في الجوائز المحلية، نفس اللعبة، نفس الحرائق، نفس المجازر نفس السقوط كما قال جمال القصاص.

 

روائي من الريف

كروائي من اصول ريفية كيف انعكست البيئة في اعمالك؟

انا ابن قرية في أقصى بقعة من شمال مصر، في ابعد نقطة، حيث لا آثار تذكر على وجود حياة قبل شهر، لا كهرباء لا ماء، لا شيء سوى حفنة من المطاريد أو القتلة هربوا من  خلف السلطة، واختفوا في تلك المنطقة / كانت كلها براري، اختبؤوا فيها بعيدا عن عين الحكومة، حيث هي المكان المفضل ليدلل الذئب ابناءه فيه دون أدنى قلق من بشر، كانوا جميعا لصوصاً  في احسن التوصيفات، كان بينهم قتلة محترفون، شيئاً فشيئاً دبت الحياة، وصنعوا عالماً، صاغوا قانونه على مقاس نضالهم، هو قانون اللصوص الأول في مصر، غير مكتوب لكنه نافذ وصارم، وصاغوا تاريخاً ليسندوا ظهورهم إليه،  نشؤوا واستمروا ونسوا جيلاً بعد جيل، نسوا وتفاخروا فيما بعد بالأنساب، كانوا يصنعون شجرة للعائلة يصدقونها، على رأسها عراب مافيا محلي، لصوص أو قتلة صغار، لكنهم أيضاً وهو الجانب الأهم من اللعبة حاكوا اساطيرهم كابطال ناضلوا ضد السلطة، وهم في النهاية أبطال من ورق صدقوا أن الطائرة تصنع منه، بعضهم راح يضحك من نفسه في نهاية الأمر ومن الآخرين.

اناس لا يملكون شيئاً سوى اوهامهم عن انفسهم، وفي آخر الليل يخلعون عباءاتهم ويضحكون من ذواتهم، الشيخ حامد بطل ألعاب الهوى عندما ضج من ملاحقة عزرائيل له ليذهب معه إلى الآخرة، ومن ملاحقة الكوارث التي تتوالى على رأسه قال له : تعال متى تحب !

أناس سخروا من التاريخ، شيدوه على مقاسهم اللصوصي الملوكي.

كتابة السخرية بالطبع وليست كتابة البهجة، ليس عندنا كتابة بهجة، نحن وجدنا انفسنا في أزمة دائمة منذ خرجنا الى الحياة عقب هزيمة 67 ومن مات فيها من بشر، وما مات فيها من أحلام.

نحن ابناء العديد (العدودات) والحزن على الغائب والشهداء، لعلنا كنا نسخر ليرقص شهداؤنا ليتأكدوا وهم هناك ان لدينا هذه القدرة على الحياة.

هل هذه السخرية هي لعبة لمقاومة الموت والاصرار على الحياة قبل أن تكون لعبة في الكتابة ؟ ..  نعود الى الجذور في الموت وفي الكتابة ونحن ننظر أمامنا ننظر للمستقبل فلا نراه واضحاً، أنني أشاهد قريتي تتغير عاماً بعد عام تعود للوراء، لا تعليم ولا ثقافة إلا في حدود المقدس، قريتي دخل اليها الأنترنت والسلفيون في وقت واحد، عاد التفاخر بالأنساب بوجه آخر، الكل يدعي أنه من الأشراف والكل يحمل شجرة يابسة من ورق تقول أنه من النسل الصالح، أخاف ان أدفن في قريتي المكتظة بالجهل والسلفيين، اخاف أن أدفن بعيدا عنها فلا يعرفني أحد.

 

 

أقرب الأعمال

ما هي اقرب اعمالك لك ولماذا؟ وهل بالضرورة ان العمل المفضل لك هو نفسه العمل المفضل للجمهور؟

 ”ألعاب الهوى” روايتي الأولى هي أقربها إلى قلبي، كنت أقول وأنا أكتبها إنها ليست رواية أولى، هي رواية حتى ولو كانت الأخيرة، البعض استكثرها عليَ، جاءت في السقف ولم يكن هذا مسموحاً لرواية أولى وسط سطوة جيل الستينيات.

 قال شاعر يجوب الآفاق: إنها بيضة الديك، ولما باض الديك بعدها مرة ثانية بروايتي “أحمر خفيف” ثم ولدت “باب الليل”، أعلن إسلامه في “أتيليه القاهرة”.

أحب “ألعاب الهوى” بعالمها البكر، بقرية الغباشية التي ظن البعض أنني اخترعتها على غرار موكوندو، بالخيال المتوحش الذي فرضه المكان النائي الموحش الذي ولدت فيه.

هناك من يحب أحمر خفيف، و”باب الليل” سرت في العالم العربي، حفرت وما زالت وتكاد تكون الأثيرة لدى الرهط الأعظم، لكن ألعاب الهوى تبدو كأسطورة تتقلب في مدارها وتعود كل فترة.

 

عرّاب الجمعة

• “عرّاب الجمعة” حدثنا عن لقاءات الجمعة التي ابتكرتها وباتت تقليدا اسبوعيا ليس للمثقفين المصريين فقط بل للعرب ايضا؟ وما اهمية هذه اللقاءات برأيك؟

أجمل شيء أنني ملاحق بكلمة العرّاب من الجيل الجديد في الكتابة، وهذا يجعلني في غاية السعادة، بعد باب الليل أصبحت موضوع حديث لا موضع احتفاء  فقط ومن المؤكد أن هذا يملس بقوة على غدة النرجسية لتهدأ.

قعدة الجمعة” كانت في بدايتها مع العرّاب الكبير عبد المنعم رمضان، نلتقي كل جمعة حيث تسمح ظروفنا وظروف المواصلات في القاهرة، ثم كبرت القعدة ككرة الثلج واتسعت.

كانت مناسبة جيدة أن نحتفي فيها بالكتاب العرب، المصريون متهمون طوال عمرهم بأنهم يلعبون فقط في قوسهم، حاولنا أن نوسع القوس طبقاً لقناعاتنا أنا وعبد المنعم، كانت البداية حين قرأت نصاً لزياد خداش على الهواء مباشرة، واتسعت لتشمل كتباً جديدة وأعياد ميلاد.

هي قعدة حرة بالمعنى الحقيقي بلا أطر غير المعرفة، تطرح فكرة محل نقاش كل أسبوع كيفما أتفق، نفيد ونستفيد، نوزع الكتب القادمة من بلاد أخرى ونعود إليها فيما بعد، نستضيف ناقداً أو كاتباً ونطرح أسئلتنا، ونذهب في نهاية القعدة لمطعم الكشري.

مصر كانت طيبة، تفتح ذراعيها لكل عربي بشرط واحد :أن تغني بالمصرية، حاولنا حسب قناعاتنا أن نلغي الشرط، الفن لا لغة واحدة له ولا دين واحدا.

ميشيل طراد حاضر عندي كحضور مرسي جميل عزيز، وأكثر من رامي، لا كذوق شخصي بل بما تحمله الكتابة.

لا أريد أن اثير زوابع، كل حرصنا أن تظل القعدة كما هي حرة واسعة الروح، حاضرة المعنى، وألا تقع نهائيا تحت أية تجاذبات، فنحن لن ننتج أغاني وطنية ولن نمنح الدكتوراه الفخرية لأحد، وكلنا والحمد لله فقراء إلا من كتابة تليق بالكتابة.

 

ما بعد “باب الليل

ماذا بعد “باب الليل”؟

مشكلة بالطبع بعد “باب الليل”، أحياناً أفكر أنني لو كتبت مائة عام من العزلة بعد “باب الليل” سيلهبونني بسياطهم، لا أحد يريد لك أن تكتب كتابين جميلين تلو بعضهما، إنها طبيعة الكتّاب، والكتّاب قتلة أيضاً وهم نوعان كما نعرف: نوع لا يحب النقد، والنوع الثاني لا يحب النقد، وأنا من النوع الثاني.

لكنني في الحقيقة ألعب، ولا يعنيني ذلك لحظة الكتابة، ألعب ولو بكثير من الجد، روايتي القادمة هي “حذاء فيلليني”.

إنها اللعبة الأثيرة في عالمنا العربي بين الجلاد وزوجته ومن تم تعذيبه، لم أخش الكتابة عن التعذيب رغم أن ألوف الصفحات قد سودت به.

أراه من زاوية أخرى أو هكذا أزعم، وأدرك أن الحب والتعذيب كملك اليمين وملك الشمال، وأنهما باقيان معنا في عالمنا العربي والانساني.

 

فلسطين

ماذا يقول وحيد طويلة لمتابعيه وقرائه واصدقائه في فلسطين؟

فلسطين، كانت تسمى فلسطين.

أقول لكم، هل تدركون أنني أخاكم الذي لا ترونه، لست غائباً ولم أكن يوماً.

أشارككم منذ نعومة الأظافر، أمي خلعت أساورها وأقراطها لكم، وراحت تغني بعدها وأنا أردد وراءها.

سمينا الأطفال باسماء أعلامكم، حتى اسم نشأت أخذناه من نشأت التغلبي.

كتبت عنكم. عن الانساني فيكم، القاسم بيننا، ما زلنا نوقن أن دمنا من فصيلة واحدة.

 مغامرة، ربما مقامرة أن يكتب غير فلسطيني عن الفلسطينيين.

لكن من قال أنني لست فلسطينياً.

 مبدعوكم وأغانيكم وشهداؤكم في بيوتنا، في حجراتنا، على ألسنتنا، حتى في أسئلة أطفالنا.

كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين.

 

 

عودة إلى الملف