wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 25 يونيو 2017 15:16

نجلاء علام: بحر الكتابة غريق

كتبه

حاورها : أسامة حبشي

 

فى روايتها الأخيرة "الخروج إلى النهار" نجد الكاتبة نجلاء علام ترصد عبر الماضي السحيق وأسطورته مأزق الإنسان المعاصر، وتحاول البحث عن المعرفة فيما وراء قصة الخلق وفيما وراء قابيل وهابيل ، ومن المثير فى روايتها الأخيرة هو "تجسيد الكاتبة هذه الرؤية الفلسفية فى رجل وامرأة انحبسا تحت الأنقاض إثر انهيار أرضى، يلفهما ظلام دامس، ويجلسان القرفصاء، ويبقيان على قيد الحياة بفعل قدر من الطعام والشراب يلقى إليهما من حين إلى آخر. إنها صورة للسجن الدائم الذى أصبح الإنسان يعيش فيه بعد أن تشيأ كل شىء وغابت الحرية وسط القهر والجوع والصراع الضارى على حيازة الثروة والقوة والمكانة والجاه" كما يقول الدكتور والأديب عمار على حسن . نجلاء صوت متفرد ومميز جدا ، وبروايتها الأخيرة تضع لنا بصمة فى تاريخ كتابتها وتضيف للرواية المصرية الحديثة رواية جديرة بالإهتمام عن جد، والخروج إلى النهار  هى الرواية الثانية  لنجلاء علام إلى جانب مجموعتين قصصتين وأربعة كتب للأطفال منها"الأمنيات المضيئة" وقد فازت بجائزة أفضل لكتاب للأطفال فى معرض الكتاب الماضى عن روايتها "لمسة"..وكان لنا معها هذا الحوار

الخروج إلى النهار ودلالة الإحالة للأسطورة الفرعونية هل كانت مقصودة بروايتك الأخيرة؟

- ليست الأسطورة بالمعنى المثيولوجي ، و إنما التأكيد على معنى الخروج من أجل شمس المعرفة ، و غاية ما يستطيعه الإنسان هو أن يعرف ذاته و يتحاور معها ، فبعد أن يُحاسب المصري القديم ، و المحاسبة هنا ليست مرادفاً للعقاب ، و إنما أحسبها مرادفاً للتحاور و المعرفة يخوضها المصري القديم بعد رحلة نفسية شاقة و طويلة يُعيد بعدها اكتشاف ذاته و يخرج إلى نهار دائم  ، و تستطيع أن تقول إن كل شخصية في الرواية كانت تبحث عن نهارها .

 سيطرت على الرواية الحالة الكابوسية وتناولتِ مأزق الإنسان التاريخى فكيف رأيت شخوص عملك لحظة كتابته؟

- أفضل كلمة الأحلام ، فالكابوس رؤى عشوائية لا يربطها منطق  ، أما الحلم من منظور هذه الرواية هو إعادة هضم الأحداث و محاولة تأويلها بشكل مختلف ، فالأحداث التي مرت على البشرية و نظن أن أحداً لا يتذكرها هي نفسها الخبرات التي احتفظ بها العقل الإنساني عبر العصور و كونت بديهيته و ثقافته ، و يراها جليّة أثناء نومه ، و لهذا كانت الشخصيات من خلال أحلامها تعيد التحاور مع أحداث التاريخ الإنساني ، و الحقيقة أنها شخصيات منتخبة لأنها لا تمثل فقط نفسها ، بل تحاول تمثيل النفس الإنسانية الجامعة عبر التاريخ .  

 محاولة كتابة قصة الخلق والتركيز تحديدا على قصة قابيل وهابيل، فكيف رأيت أثر هذا على مسار الرواية؟

- كان لابد أن نطرح التساؤل من البداية ، هل ظلت صيحة هابيل تتردد في الفضاء حتى الآن ، هل كان هابيل مُحرضا على الجريمة كقابيل نفسه ، فالعنف و الخوف متجاوران في سلسلة المشاعر الإنسانية ، الدفاع عن الوجود لا يكون فقط بمحو وجود الغريم ، مثلما فعل قابيل ، بل أيضاً بتكوين صورة ذهنية خالدة رغم الانسحاب الفعلي من الحياة مثلما فعل هابيل .  

 الاغتراب والتشتت تيمة رئيسية فى الرواية الأخيرة لك ، فهل الخروج إلى النهار هو خروج من ألم هذا التشتت؟

-  الإنسان يشعر بالاغتراب حين ينظر لكل ما يحيط به و لا يستطيع أن يحتويه داخل ذاته و يعيد انتاجه و التماس معه من زواية هذه الذات ، فيستغلق عليه الواقع / المحيط ، و ذلك شعور مضلل لأن الإنسان يغترب حين لا يعرف ذاته و يؤمن بها ، فمعرفة الذات هي المفتاح للتواصل مع العالم ، أما التشتت فهو نتاج طبيعي للمعرفة ، الجاهل لا يتشتت لأنه ليس لديه اختيارات و بدائل ، و لا يملك أسئلة جديدة يلقيها إلى بحر المعرفة ، و الرواية أرادت أن تقرب الإنسان من ذاته ، أن تطرح البدائل  .

 الزمن فى الرواية كيف ترينه؟

- حاولت الرواية أن تتحاور مع الزمن الممتد منذ لحظة خلق الإنسان ، حتى النصف الأول من اليوم الأخير للبشرية ، عن طريق الخدعة الأزلية التي يتستخدمها الزمن ذاته ، فهذا الزمن المُخادع يُشعرك أن عمرك هو عدد الأيام و الشهور و السنين التي عشتها ، و لكن في الحقيقة إن تكرار الأيام لا يعني العمر ، بل العمر هو ما انطبع داخل النفس من هذه الأيام ، و لهذا تركز الرواية على هذا الزمن المستبطن العنيد العصي الغائر داخل النفس الإنسانية من خلال بنية لاتراتبية .

 الخروج إلى النهار وصل إلى الثورة ألم يكن ذلك مخفيا لك؟

- لا ، فالثورة المصرية محطة مهمة في مسيرة الإنسان المصري ، محطة كنت أسأل نفسي قبلها هل يستحق هذا الإنسان تلك المنح الربانية باستمرار الحياة ، أعرف أننا كنا نحتاج الحياة و لكن هل نستحقها ؟ كسر حاجز الخوف و فعل الخروج من أجل التعبير عن النفس ، اختيار المغامرة في واحدة من الصدمات التي قدمها الشعب المصري لطبيعته الجغرافية المتأثرة برسوخ النيل و هدوئه ، و التي أسهمت في صنع الخارطة النفسية له ، فآثر المغامرة عليها و جعل النهر لأول مرة يثور ، محطة مهمة تستحق التوقف عندها .

 الكتابة عموما ماذا تعنى للكاتبة نجلاء علام؟

- هذا السؤال يضعني بين بدائل كثيرة لن أستطيع اختيار أحدها ، فكلما كبرت كبرت الكتابة معي ، في البداية تشعر أن الكتابة هي طوق النجاة لتترك أثرا في الحياة و تقول من خلالها أنك موجود ، ثم تكتشف أنها الباقية لا أنت ، و من ثم تحاول أن تُلبس الكتابة خبراتك و آرائك و قضايا مجتمعك ، ثم تكتشف أن ثوبها أوسع بكثير ، و بعدها تحاول أن تجعلها صدى للصوت الإنساني ثم تكتشف أنها الأصل لا الصدى ،  صدقني لن تنتهي المحاولات فبحر الكتابة غريق .

 كيف ترى الكاتبة نجلاء علام الكتابة للأطفال؟

   - عندما يرن جرس الفسحة أكتب للأطفال ، فذهنية كاتب الطفل تختلف عن الكاتب الآخر ، نظرته للحياة ، لغته ، بنائه القصصي ، مناطق جذب خياله ، كل هذا مختلف ، و لهذا لا يمكني الكتابة للأطفال إلا في وقت الفسحة الذي يجبرني أولادي على أخذه بين كل نص و آخر ، و أنا في الحقيقة أتتبع أثر أولادي حتى أصل إلى المنطقة الخصبة في خيالهم و التي يمكننى التحاور معها .

 هل نحن بالفعل فى زمن الرواية؟

- كنا في زمن الرواية ، لأنها أقدر جنس أدبي على التجسيد ، فالإنسان كان يجابه لأول مرة تلك الثورة في الاتصالات ، سيل الأخبار و المعلومات و الأحداث التي يُذهب بعضها بعضاً ، و التي شعر من خلالها تراجعاً في الاهتمام به ، صحيح أنه صانع الخبر و الحدث و متلقيه ، و لكنهما ( الخبر و الحدث ) اكتسبا شخصية منفصلة عنه ، و تقدما  و تراجع هو ، و لذلك انتخب الرواية كجنس أدبي قادر على التوثيق لنماذج إنسانية راقية صمدت في وجه المتغيرات و أكسبته شرعية الوجود ، و أعتقد أننا سنبدأ عصر القصة القصيرة المتسائلة المترددة اللعوب ، ثم سنعود للشعر باعتباره أكثر الأجناس الأدبية المتسامحة مع الإنسان .   

 اللغة وعلاقتها بشخوص الرواية ماذا تعني لك؟ وهل اللغة الشعرية تنقذ العمل أحيانا؟

- اللغة عظم الكتابة ، هي ما تجعلك تُصدق الحدث أو تنفيه ، تتعاطف مع الشخصية أو تدينها ، تُكمل قراءة النص بشغف و تدبر أم ......  ، اللغة لا ترتبط فقط بالراوي و الحدث و الشخصية ، بل هي بالفعل العظم الذي يبني هؤلاء  ، أما  اللغة الشعرية فإذا كان يُقصد بها تلك اللغة المكثفة ، الصادقة ، مكتنزة الدلالة ، رغم بعدها عن البلاغيات المباشرة ، فإنها رفيقتي في الكتابة .

 هل ترين أننا نعاني من أزمة فى النقد؟

- نعم ، عندنا أزمة كبيرة في النقد ، ليس باعتباره العقل الذي يصوغ القفزات الإبداعية المتتالية في سياق نظري فقط ، و لا لأني أشعر أن أدوات النقد الحالي قد أصابها الصدأ  فقط ،  بل لأن النقد أيضاً في الأساس هو حكم مجرد عن الهوى ، أما الآن فتحول إلى  نقد شخصاني ، فالناقد عندنا في الغالب لا ينقد النص بل ينقد الشخص ، فيذهب حول شخصية الكاتب / الكاتبة ذي النفوذ و يتمحور حولها ، أما إذا كان الكاتب من الأخفياء الأتقياء للكتابة فعوضه على الله .  

 كيف ترين مقولة البيست سيلر؟

- مصطلح الأكثر مبيعاً هذا اخترعته دور النشر لتسوق لأعمالها ، و لكن ليس هذا دليلا على جودة النص أو أهميته ، أحياناً يوزع النص بشكل جيد لأنه سهل التلقي ، أو لأن به وجبة  ( سبيسي ) من جنس و خلافه ، و أحياناً بالفعل يكون النص جيداً و يستحق التقدير ، في كل الأحوال ليس لدينا آليات حقيقية لرصد المباع من الكتب ، ورغم أني لي عدة كتب نفدت طبعتها الأولى و في وقت قياسي تقريباً ، فهل أُصنف نفسي من البيست سيلر ؟ ، فمثلا ( أفيال صغيرة لم تمت بعد ) و هي مجموعتي القصصية الأولى نفدت و أعيد طبعها ضمن إصدارات مكتبة الأسرة و نفدت أيضاً ، و كتابي ( تطور مجلات الأطفال ) نفد بجزئيه من هيئة الكتاب ، و روايتي ( الخروج إلى النهار ) نفدت طبعتها الأولى ، و لكل كتاب من هذه الكتب ظرفه الخاص في الطباعة و التلقي .

...................

* نُشر هذا الحوار في جريد الحياة اللندينة ، الثلاثاء : 19 مايو 2015

 

عودة إلى الملف