wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

أريج جمال

أريج جمال

قاصة مصرية

صدر لها:

مائدة واحدة للمحبة ـ قصص قصيرة ـ دار روافد 2014

فيلم فرنسي عن "داليدا"... كل تلك الأمور التي تعرفها الأيام جيداً

لماذا تبدو الكتابة عن فيلم «داليدا» صعبة إلى الحد الذي يجعل مُحصلة المقالات المنشورة عنه على قاعدة بيانات الأفلام العالمية لا تتجاوز الأحد عشر مقالاً ومعظمها باللغة الفرنسية؟

هناك أسئلة على النقد السينمائي أن يرّد عليها بخصوص الفيلم الفرنسي الجديد، أسئلة عن الوجهة التي يسير إليها في بحثه عن معنى للسينما، وعن فلسفته في اختيار أفلام مُعينة لإظهارها، والتعامي عن أفلام أخرى، لو أنه لديه فلسفة.

إقرأ المزيد...

"غرام وانتقام" ومارجريت أتوود .. هل ثمة نهاية سعيدة ؟

ماتت ممثلة قبل أن تنتهي من فيلمها الأخير، استمرت الحياة، وتضررت الحبكة بعض الشيء، عدلّوا النهاية، ثم مرّ الأمر.

في قصتها القصيرة "نهايات سعيدة" تُفجِّر الأديبة الكندية مارجريت أتوود، فكرة النهايات السعيدة أصلًا، ثمة حكايا مُتعددة لجون وماري، يلتقيان ثم تتفرع التفاصيل، في رواية ما يتبادلان القُبل، في رواية ثانية يهرب جون، في رواية ثالثة يكون هُناك شريك ثالث بينهما، وفي رابعة يُصاب أحدهما بالسرطان، وفي خامسة يغرق منزلهما ويتمكننان من الهرب، وفي كل الروايات تنتهي الحكاية دائمًا، النهاية الوحيدة المنطقية، والواقعية أيضًا، تلك التي لا يستطيع تجاوزها أرفع أنواع الخيال جنونًا، ربما يقف خطوة قبلها، لكنه أبدًا لا يتجاوزها. الموت.

تقول مارجريت أتوود في قصتها التي يُترجمها باسم عبد الحليم "النهاية المنطقية الوحيدة هي تلك المُثبتة هنا : جون وماري يموتان، جون وماري يموتان، جون وماري يموتان".

في الفيلم المصري "غرام وانتقام" إنتاج عام 1944 وإخراج يوسف وهبي، تسير الأحداث إلى نهاية سينمائية معروفة ومُحددة سلفًا، النهاية السعيدة، التي ستقصّ بالضرورة كُل التفاصيل المُتفرعة، لقصة تتعلق بالشرف على الطريقة الشرقية وخيانة الأصدقاء، ينبغي أن تُهذب النهاية السينمائية المُتوقَعة كل سوء الفهم بين البطلين، وأن تحقق ترضية مُقنعة للبطل الذي هو النجم، يوسف وهبي، نهاية مُحددة، كما هو فكر الفيلم يُحدد بسذاجة طفولية، الفرق بين الشر والخير، الفضيلة والخطأ، الخيانة والإخلاص.

"غرام وانتقام" ولأنه فيلم ينتمي لعهد قريب من بدايات السينما، لا يحمل فكرًا تُقدميًّا، ولا يلتمس للبشر الأعذار على خطاياهم، الحياة غير آمنة تمامًا، والخيانة رابضة في كل الأركان، الأغنيات موضوعة كما توضع الأغنيات عادة في الأفلام السينمائية القديمة، التي كانت تريد أن تقدم كل شيء للمُشاهد، نجومه، ومُطربيه، قيم مُجتمعه السائدة، تقاليده، عبارات رنانّة تُرضيه، أغنيات ورقصات.. كل شيء، كل شيء.

عفوًا خرج "غرام وانتقام" عن القُضبان دون إرادته، أتى موت أسمهان، في المشاهد قبل الأخيرة، كي يُفجِّر مفاجأة لا يمكن أن تكون سارّة، الآن تموت، قبل النهاية السعيدة بالضبط. لأسباب لا يمكن معرفتها وإن كان يمكن التنبؤ بها، قرر يوسف وهبي أن تتماس نهاية حياة أسمهان، مع نهاية حياة سُهير سلطان، بطلة الفيلم وهي أيضًا مطربة شهيرة وهامّة.

هل أراد يوسف وهبيّ أن يستغل شكل حادث وفاة أسمهان في الفيلم، كي تأتي الناس وتتفرج على النهاية الجديدة لقصة حياة البطلة غير المكتملة؟ هل شعر أن هذه نهاية أكثر فنيّة؟ هل رأى إنه ربما يكون يقدم جديدًا لن يتكرر من بعده في النهايات السينمائية؟ هل كان الحل، وليد مباشر لحادثة موت أسمهان، لم يُبدع فيه وهبي، ولم يجتهد، مجرد نقل من الواقع إلى الشاشة؟

لا أحد يدري. حين يتهيأ لبطل غرام وانتقام "جمال" أن كل شيء يسير إلى الحل، شقيقته سوف ترتبط بابن عمّه، فيتم قمع الفضيحة، وهو يحصل على البراءة من مقتل "أنور وجدي" إذ أثبت الدفاع إنه لم يتعمد القتل، وأن القتيل أصاب نفسه بنفسه دون أن يدري، بعد أن يكون المجتمع كله، عبر صُحفه، إعلام ذلك العصر، قد تعاطف مع هذا الذي تورط في القتل حماية لشرف عائلته، هذا الشرف المُختزَلْ في دم بِكارة البنت الواقعة في "براثن الخطيئة الفاسدة" وتستحق تمامًا القتل، حين يحدث كل ذلك ويكون البطل جمال على شفا السعادة الكاملة والانعتاق من الذنب التام، يحدث أن تموت المُمثلة الي تؤدي دور بطلة الفيلم، أسمهان لا سُهير سلطان. ماذا سيفعل؟

نهاية "غرام وانتقام" الجديدة، تقول إن "سُهير" ماتت في حادثة على الطريق بين مدينتين، إنه حين يذهب للبحث عنها، لا يجد غير جُثمانها المُكفّن، لقد ماتت أسمهان، وماتت أيضًا سُهير، ووجد يوسف وهبي أو جمال نفسه، سائرًا في طريق رثائها حتى الموت، حد فقدانه عقله، حد إصابته بالجنون، والجنون انفصال عن الواقع، أو رفض للواقع، يدخل جمال إلى مشفى المجانين، هو الموسيقار الشهير سيقضي ما بقى من عُمره، يعزف للحبيبة المفقودة، لحنًا لم يتم عنوانه اسمها "سُهير".

هذه النهاية السينمائية الفريدة، لا تُشبه عادةً النهايات السينمائية، لا التي جايلتها، ولا التي تُقدمها السينما الآن، إنها ليست نهاية فنيّة أبدًا، نهاية لا تلعب بالخيوط، ليست نهاية ملحميّة ولا دراميّة، إنها كما تقول أتوود "النهاية المنطقية الوحيدة".

ربما تكون ميتة أسمهان قد صنعت واحدة من أكثر النهايات السينمائية جنونًا وشذوذًا، وربما جماليّة أيضًا، إنها نهاية تُشبهنا في حيواتنا كلها، في كل الأزمنة، إذ سيأتي الموت بالنهاية على الدوام، على الدوام.

إقرأ المزيد...

غادة خليفة: كي أصدقني!

أريج جمال 

أنا أعيش غادة خليفة، فلماذا أكتب عنها ؟

ألا يكفي أنكِ تقرأين يا غادة... وأنكِ ستُضيفين بروحكِ كما تفعلين دائمًا، معنى ما، لم أصل إليه بعد، ربما وصلته دون أن أعي، دون أن أريد أن أعي.

أكتب الآن ولستُ في أفضل حالاتي، أعيش نوبة اكتئاب حادّة، لا شيء يقهرها، ربما هي أنيميا الدورة الشهرية، أنا عابسة كل الوقت تقريبًا، لا أعرف ماذا سيأتي بعدْ، لماذا ينبغي أن يأتي أي شيء بعد أصلًا؟ تلقائيًا أجدُ أن كل الأدوات حولي يمكن أن تقتل، أقلام الحبر الجاف، أكواب الشاي الساخنة، التمثال الصغير لأم تحمل ابنها على مكتبي، الفأرة التي أحركها كي أرى الصفحة، عقارب ساعة مارلين مونرو المُفضلّة، كل شيء يمكن أن يقتل، كل شيء... لكنكِ حين ستتكلمين إليّ، سوف أجد أسباب بسيطة للتفكير في الغد، في فيلم الغد، في سفر الغد، في حُب الغد، في كتاب الغد، في أي شيء يمكن أن يأتي في أي وقت، كي يمنحني معنى ما لزمنٍ قصير جدًا لا يمكن أن يمتد أطول.

معكِ، لا أكون إلا أريج. هل تعرفين شكل العلاقة التي لا تُجبركِ على المُسايرة... التبّدي بأخرى ليست أنتِ، كي تُرضين صديقتكِ؟ هذا النوع من المُسايرة الذي يسرق تدريجيًا من الروح، وينتهي في اللحظة التي تُديرين فيها رأسكِ، تتوقفين عن الشعور بافتقاد الصديقة، تفتقدين أكثر روحك... هذه العلاقة ليست أنتِ يا غادة، يحدث أن نختلف في ذوق اختيار الأفلام، في ألوان الطعام المُشتهاة، نختلف في الريبة والحيطة أو التصديق، إنما هو هذا الاختلاف الذي يسمحُ لنا بالسير معًا، دون أجزاء ناقصة... أنا من قبل لم أحظ بصداقة كهذه، لم أكن أعرف عن وجود صداقة كهذه، ليست صداقة فحسب، إنما شكل من التعاطي مع مأزق الوجود على الأرض، بجرعة تخفف عالية، بصناعة البهجة، ومن ثم تصديقها حتى تذوب ونعاود تصنيعها... لستُ في أفضل حالاتي يا غادة، لا أعي تمامًا شكل هذه الكتابة، وسوف تسامحينني إذا كانت رديئة.

الخيط الذي يربطني بكِ، رفيع ومشدود، لكنه يتحملُ كل شيء، كل شيء تعيس بالضرورة، الإشكالية أنني أكتب من عُمق هذه اللحظة التي أتساءل فيها عن معنى تعاقب الليل والنهار، عن معنى هذا الكوكب أصلًا، لكننا حين سنلتقي سوف يكون بإمكاننا أن نلعن العالم معًا بقاموس شتائمه البذيئة نفسها، أن نتعرى دون أن يرانا أحد، مع أننا نسير في نفس الشارع معهم، العالم الذي هو أنا وأنتِ، وكلمة تعلّمتها منكِ، سأقولها الآن إليكِ فتنتقل إلى روحي أنا "متخافيش"، أقولها لكل المُقرّبين مني بالاطمئنان نفسه الذي تعلّمته منكِ، لقد كان الله يحبني وهو يجعلني أحبكِ يا غادة، كان يُحبني وهو يجعلكِ تحبينني، يُحبنا ونحن نأكل الآيس كريم زبادي بالتوت، ونفكر في مشاركة شقة في الزمالك يومًا ما ليس بعيدًا، يُحبنا ونحن نفكر في طلب أكبر عدد ممكن من بولات الآيس كريم بأموالنا القليلة الباقية من إسراف اليوم، ونحن نتحدث عن مدونتكِ، عن الكروشيه، عن قصة حب قديمة عالقة، أو جديدة تنتهي قبل الفاصل الإعلاني الأول، أو ونحن نفكر مثلًا ماذا سيحدث إذا بقينا معًا نصف ساعة أخرى؟

الله يُحبنا وأنا أعرف، كنتُ بحاجة إلى أن أصدقني يا غادة، أصدقني على الأقل لأني لا أستطيع أن أصدق الآخرين بالكامل، لأني أعرف أنهم يكذبون، لأنهم يقولون أنهم يكذبون، أنتِ كنتِ لحظة التصديق، المحبّة التي تُفرّجني على مقاسي الخاص، وتلتقطُ لي صورًا بزوايا لا تُناسب سواي، المحبّة التي تحتمل ضجري في منتصف الكلام، تحتملُ نسياني، وتعجُلي، وشذوذي.

إنني أكتب سركِ يا غادة، كي أذيعه على العالم، كي أقول للرجل الذي سيقع في حبكِ حتى النهاية، عرفتُ الجمال قبلك، وكتبته، أليس هذا سببًا كافيًا ؟

إقرأ المزيد...