wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

أحمد عبد اللطيف

أحمد عبد اللطيف

روائي ومترجم مصري

صدر له:

صانع المفاتيح ـ رواية ـ دار العين

عالم المندل ـ رواية ـ دار العين

كتاب النحّات ـ دار آفاق للنشر

إليـاس ـ دار العين 

بالإضافة إلى  ترجمة عدد من الأعمال الروائية 

رابط الموقع: http://ahmedlatif.blogspot.com/

تحت الثلوج لا تنظر أمك للوراء

قصة: باتريثيو برون *

ترجمة: أحمد عبد اللطيف

بعد فترة من موت أمك، وبينما تُخرِج أشياءها من الدولاب الصغير لترميها في الشارع، كأنك بذلك تتخلص من ذكراها، واضعاً الزجاجات البلاستيكية في الأكياس الصفراء والأوراق والزجاج في العلب لترميها على الناصية في حاويات قمامة تستخدمها أنت والآخرون للحفاظ على البيئة لأنهم قالوا إن لم تفعلوا ستهدمون بذلك مبادئ قام عليها مجتمعنا، ستعثر على ألبوم صور صغير ليس إلا دفتراً بغلاف أصفر أوراقه مشبوكة بخيط أحمر من مادة تشبه الحرير.

إقرأ المزيد...

"أنا العالم" أو كيف تتهكم على الأسئلة الجمعية

ما الذي يمكن أن تقدمه الميتافيزيقا لإنسان القرن الواحد والعشرين؟ يبدو هذا السؤال، في ظاهره، بعيدًا عن رواية "أنا العالم" لـ هاني عبد المريد، غير أنه، في الجوهر، سؤال الرواية نفسها. فإذا كانت الحداثوية الأوروبية انطلقت من فكرة "الإنسان هو الإله"، الذي يمكن صياغته بمقولة "أنا العالم"، ما ترتب عليه تراجع الأفكار الميتافيزيقية واعتبارها سلسلة من الخرافات التي توارثها البشر، وبالتالي يجب التخلي عنها من أجل "حداثوية" تقوم على العلم والعقل، وتفسير كل ما هو غير قابل للفهم باعتباره "خرافة"، فإن هذه الحداثوية نفسها، التي انتصرت للفلسفة المادية على حساب الفلسفة المثالية، لم تنتج في روح الإنسان الأوروبي إلا خواءً، او لنقل حيرة، إذ ظلت الأسئلة الكبرى معلقة في الهواء، ولم تقدم، لو تمعنا النظر، إلا إحلال "الإنسان" محل "الإله" وإحلال "العقل" محل "الغيب" أو الماورائي. غير أن هذا الإحلال لم يمنح البشرية السعادة المرجوة، كما لم تمنحها له "الخرافة" بمعناها المطلق. 

إقرأ المزيد...

بديلاً من الكلام

     كنت صغيراً جداً عندما أدركت أنني سأكون كاتبًا. أدركت ذلك لأن الكتابة كانت طريقة تعبيري عن كل شيء. وكنت أظن أنني سأظل كذلك طيلة حياتي.

    في طفولتي، كنت أتحدث قليلاً جداً، وتحت ضغط أن يطلبوا مني ذلك. لم يكن صمتي اختيارًا، كما ظن البعض. كان لمشكلة في النطق: كنت أتحدث بفم مغلق أو شبه مغلق، ولم يكن باستطاعتي أن أفتح فمي عند الكلام. سبّب ذلك ضياع مخارج الحروف. وكان مثيرًا للضحك، ضحك الآخرين.

     في تلك السنوات، التي استمرت حتى الثامنة أو بعد ذلك بقليل، كنت أتحدث على استحياء. كان كلامي ينحصر في حكاية أحلامي لأمي وبعض احتياجاتي الضرورية. أمي كانت تفهمني. أمي وحدها من كانت تفهمني. ومع الوقت انتبهت أن ما أعاني منه مرض أو عاهة، وحتى أتجنب ضحك الآخرين وسخريتهم، لجأت للانطواء، وبدأت في كتابة أشياء. أشياء عن مشاعري الخاصة اتجاه الآخرين، واتجاه نفسي. لابد أنني كنت أرتكب أخطاءً كبيرة في النحو والإملاء.

      لمّا لاحظ أبي أنني تأخرت في النطق بشكل سليم، عكس زملائي في المدرسة وجيراني وإخوتي الأكبر مني، بدا هو الآخر مشغولاً، خاصةً أن حالتي كانت سيئة، وكنت مع الوقت أكثر انطواءً وتجنبًا للجميع. كنت الطفل الذي لا يطلب شيئاً. وكنت الطفل الذي لا ينتظر شيئاً.

      بعد بلوغي السابعة، وبإصرار من أبي، بدأت رحلة اقتربت من عام عند دكتور تخاطب. وبعد كل جلسة كنت أسجل ما حدث في أجندة. نفس الأجندة التي استخدمتها بعد ذلك لكتابة أحلامي التي وصلت في خمسة أعوام إلى مائتي حلم. ورغم مجهودات الطبيب الكبرى، لم أستطع أن أصل إلى الدرجة الطبيعية في النطق. حينها أكد الطبيب لأبي أنني بذلك وصلت لأفضل حالاتي، وأن ما تبقى سيذوب مع الوقت. كانت مشكلة في مخارج الحروف، أو كما كان يقول الطبيب VOCALIZATION.

     في الجلسة الأخيرة قال الطبيب لأبي بابتسامة: «متفكرش يبقى مغني أو ممثل». لا أتذكر فيما فكرت حينها، لكن أحب أن أقول إنني فكرت في أني أريد أن أكون كاتباً.

     كل هذا دفعني للقراءة بجنون، وبقدر ما كان يدفعني للقراءة كان يدفعني للكتابة. كانت الأوقات الطويلة التي أقضيها وحدي تملأها الكتب. وذات يوم، في الثانية عشرة تقريبً، قرأت كتابًا وجدته في غرفة أبي، كان رواية «دكتور جيكل ومستر هايد» في الطبعة التي صدرت للناشئين عن هيئة الكتاب. كانت أول رواية أقرأها بعد كتب الأطفال وروايات الجيب. يومها تركت في أثرًا ما زلت حتى الآن أتذكره: كنت أقف أمام مرآة الدولاب لأتيقن أنني لست أحدب. كنت أسأل أمي إن كان لي أكثر من شكل. وشعرت برعب شديد كنت أحوّله لكتابة.

     بعدها قرأت «آنا كارنينا» وكانت أخف منها تأثيرًا. في تلك الفترة أيضًا عايشت تجربة المندل بعوالمه المخيفة، والتي نقلتها بعد أكثر من عشرين عامًا في رواية «عالم المندل». وخضت رحلة قراءة محفوظ الذي أعجبتني كتابته ولغته أكثر من بقية كُتّاب جيله.

    في رحلة الصمت، أنجزت بالإضافة للقراءة، ما يشبه الكتاب. كنت في السادسة عشرة تقريبًا. كتاب لا يندرج تحت أي نوع، لذلك اخترت له عنوان «أحلام بلا تفسير»، وكان يضم الأحلام التي رأيتها في منامي في سنوات سابقة. لكنني لم أفكر في نشره أبدًا في هذه السن، غير أنني استثمرته بعد ذلك في رواياتي.

    في سنوات الجامعة واصلت الكتابة بلا هدف (دائمًا كنت بلا هدف)، وكنت أميل أكثر لكتابة القصة والقصيدة، وحينها تعرفت على ماركيز وبورخس وكورتاثر في لغتهم الأصلية، فكانت كتاباتهم طاقة نور. لكن بعد الجامعة قررت ألا أكتب، أن أهرب من نفسي وأن أنغمس في العالم. قررت أن أشعر بأن بإمكاني أن أعبّر عن أفكاري بالكلام (لا تزال مشكلة مخارج الحروف موجودة، أو هكذا أعتقد). عملت في وظائف عدة اعتمدت على الكلام أساسًا، سرت في كل الطرق التي تبعدني عن الكتابة. فعلت ذلك بإخلاص شديد حتى لا أترك لنفسي الفرصة للخلوة بالكتابة. مع ذلك، في نهاية كل يوم، كنت أفتح صفحة الوورد لأجدني أكتب، دون أن يكون لي أي إرادة في ذلك. ودون أن أنتظر شيئًا. ثم استسلمت لمصيري.

إقرأ المزيد...