wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 16 مارس 2018 20:20

جنةٌ في الحافلة

كتبه

 خوان خوسيه ميّاس

ترجمة: محمد مهدي

قضى حياته كلها يعمل في متجرٍ للمعدات بوسط المدينة. كان يصل إلى موقف الحافلات في الثامنة والنصف صباحا ويستقل الحافلة الأولى التي لم تكن تتأخر أكثر من عشر دقائق.

  قضت حياتها أيضا تعمل في محل خردوات. عادةً ما كانت تركب الحافلة بعده بثلاث محطات، وتسبقه في النزول بمحطةٍ واحدة. كان يتعذر عليهما التلاقي في المساء، نظرا لخروجهما من العمل في أوقاتٍ متباينة.

 لم يسبق لهما التحدث إلى بعضهما. في حال وُجدت مقاعدُ شاغرة، كانا يجلسان بحيث يمكن لأحدهما رؤية الآخر. أما إذا كانت الحافلة مزدحمة، فإنهما ينتقلان للجلوس في الخلف، يتأمل كل منهما الطريقَ ويشعر بقرب الآخر منه.

 جَرَت العادةُ أن يأخذا العطلة في نفس الشهر، شهر أغسطس، لذا كانت نظراتهما في أول أيام سبتمبر أكثرَ تطلُّعا من بقية العام. لطالما رجع من عطلته أكثرَ سُمرةً منها، بينما كانت تتمتع ببشرةٍ حليبيةٍ ورقيقةٍ جدًا. لم يتسنَّ لأحدهما أن يعرف نوعية الحياة التي يعيشها الآخر: إذا كان متزوجا أو يحظى بأولاد أو يعيش بسعادة.

 طوال كل تلك السنوات، تبادلا رسائل صامتةً كانت تحمل في طياتها الكثير من الدلالات.

 هي، مثلا، اعتادت أن تحمل روايةً في حقيبتها، كانت تقرؤها أحيانا أو تتظاهر بذلك. بدا له هذا الأمر دليلا على رقة مشاعرها، فقابله بشراء الصحيفة كل يوم. كان يبقيها مفتوحةً على صفحات الأخبار العالمية، ليعطي انطباعا بأنه رجل مُطَّلع ومهتم بمشكلات العالم. وإذا غابت يوما عن هذا الموعد غير المرتَّب لأي سبب، كان يفقد اهتمامه بكل شيء ويترك الصحيفة على أحد المقاعد دون أن يقرأها.

 وعلى هذا النحو، وأثناء إحدى الفترات التي مرضت فيها، فقد من وزنه العديد من الكيلوجرامات وأهمل مظهره الشخصي، حتى لفتوا انتباهه في مقر عمله: رجلٌ يتعامل مع الناس تجدر به الحلاقة يوميا.

 عندما عادت أخيرًا، بدا الاثنان كأنما تجددت فيهما الروح: هي، لأنها خضعت لعملية جراحية وضعتها بين الحياة والموت، إثر إصابتها بثقب معويٍّ رفضت أن تشكو منه كي لا يفوتها الموعد إياه، أما هو، فَلِأنه كان مريضا بالحب والاكتئاب. لكن بعد أيامٍ قليلةٍ من عودة اللقاءات، زاد وزنهما وشرع كلاهما في تحسين هندامه لأجل الآخر بنفس العناية السابقة.

 في تلك الأثناء حصل على ترقيةٍ فأصبح مسئولا عن المتجر واشترى لنفسه مفكرة. حينئذٍ كان يجلس بالقرب منها قدرَ استطاعته، يفتح المفكرة، ويدوِّن ملاحظاتٍ غامضة توحي بانشغاله بالعديد من الارتباطات. كذلك راح يرتدي ربطة عنق، وهو ما دفعها إلى زيادة الاعتناء بأناقتها رغم كونها متأنقة دائما. كان عهد شبابهما قد ولَّى في تلك الفترة، لكنها بدأت تضع أقراطا كبيرةً جدا وزاهيةً خَلبَت لُبَّه. وبدلا من خفوت الشغف بينهما بمرور الأعوام، كان ينمو مؤججا بالصمت وقلة التفاصيل التي كان يعرفها أحدهما عن الآخر.

 تعاقبت فصول الخريف والربيع والصيف. كانت تمطر أحيانا فتأتي الرياح لتنشر حبات المطر على سطح زجاج الحافلة، طامسةً مشهد المدينة. حينها كان يُخَيَّلُ إليه حينها أن الحافلة هي البيت الذي يأويهما معا. كان قد وضع تقسيماتٍ تَخيليةٍ تضم المطبخ وغرفة النوم والحمام. وكان يتخيل حياةً سعيدة: يعيشان في الحافلة التي لا تتوقف عن التجول حول المدينة، يخفيهما المطر أو الضباب عن النظرات الخارجية. لا وجود لأعياد الميلاد أو فصول الصيف أو الأسابيع المقدسة. يستمر المطر في الهطول طوال الوقت ويسافران وحدهما إلى الأبد، دون تبادل الكلمات، ودون معرفة أي شيء عن بعضهما. متعانقان.

 وهكذا كانا يتقدمان في العمر، يشيبان دون أن يكفا عن تبادل النظرات. كلما كانا يكبران في السن، كان الحب يكبر بينهما، وكلما كان حبهما يكبر كلما ازدادت الصعاب التي يلاقيها أحدهما في التقرب من الآخر.

 وذات يوم أخبروه بضرورة تقاعده ولم يستوعب ذلك، لكنهم على أية حالٍ جهزوا له الأوراق وسألوه ألا يعود إلى متجر المعدات مرةً أخرى. استمر لبعض الوقت يأخذ الحافلة في الموعد المعتاد، إلى أن بلغ مرحلةً لم يستطع عندها تبرير تلك النزهات المريبة أمام زوجته.

 وعلى كل حال، فقد تقاعدت هي الأخرى بعد أشهر قليلة، ولم تعد الحافلة بيتًا لهما.

 أضناهما الفراق. مات بعد ثلاث سنوات من تقاعده، وماتت بعده بأشهر. وشاءت الصُدف أن يُدفنا في قبرين متجاورين، حيث بالتأكيد يشعران بقربهما من بعضهما، ويحلمان بأن تكون الجنة حافلةً لا تتوقف عن السير.